خطة غزة: «الترامبية» إذ تجرّب حكم العالم

في مشهد سياسي يتّسم بالتحوّلات الحادّة والقرارات الأحادية، كشفت خطة الرئيس الأميركي دونالد ترامب، ببنودها العشرين، عن توجهات عدوانية، إذ تضمّنت الدعوة إلى نزع سلاح حركة حماس والفصائل الفلسطينية المقاومة، وترحيل عناصرها، إلى جانب إعادة إعمار قطاع غزة وفق رؤية أميركية - إسرائيلية خالصة.
الطرح بهذا الشكل يعكس نمطاً يتجاهل الواقع الحقيقي للمنطقة ويتعامل مع القضية الفلسطينية وتعقيداتها بمنطق الإملاء والفرض لا الحقوق. وهنا نرى أن الحلول من قبل رجل البيت الأبيض تُقدَّم على هيئة تهديدات ووعيد.
الواضح حتى اللحظة أن ترامب لا يتعامل مع الوضع القائم في القطاع بوصفه مأساة إنسانية غير مسبوقة، رغم ما خلّفته الحرب الإسرائيلية من دمار شامل ومعاناة عميقة، وقعا تحت غطاء إدارته الحالية وإدارة سلفه جو بايدن. إنما تعاطيه يحكمه منطق العربدة والتهديد، وهذا يمكن أن يُسمى من الآن وصاعداً «الترامبية» القائمة على نمط من الزعامة السياسية التي تصوّر نفسها «المنقذ» أو «المخلّص»، لكنه منقذ ومخلّص لطرف واحد، وليس لكل الناس.
في ظل هذا النهج، يرى ترامب العدوان الإسرائيلي على غزة امتداداً لتحالفاته الاستراتيجية، بالتوازي مع تجاهله وضع حدّ للهمجية والعدوانية اللتين تمارسهما إسرائيل بحق المدنيين. وهذا التجاهل المتعمّد يُكرّس صورة الزعيم الفرد الذي يصوغ العالم وفق رؤيته الخاصة، بناءً على منطق القوة والصفقات لحل القضايا الساخنة، وفي قلبها القضية الفلسطينية.
وانطلاقاً مما سبق، فإن خطاب الترهيب المتكرر الذي يتبناه ترامب في تصريحاته، يُظهر أنه يحاول صياغة العالم عبر بوابة الجحيم والوعيد، وهنا غزة نموذجاً. فهو يفعّل مفهومه عن «السلام بالقوة» عبر الفرض لكل مَن يخالف سياساته داخلياً وخارجياً، وذلك عبر قراراته الأحادية التي يتبناها ويدافع عنها بكل بعنف، في وقت يسعى ليظهر كأنه حمامة سلام، محايد وعادل في التعاطي مع القضايا.
يرى ترامب نفسه مركزاً للكون، وأنه صانع الصفقات ومنهي الحروب، ومنقذ الشعوب. كما يرى أنه المالك الوحيد لمفاتيح الحلول، حتى لو كانت تلك المفاتيح تُفتح عبرها أبواب الجحيم بدلاً من نوافذ السلام والأمن والاستقرار.
لذلك، فإنّ «خطة العشرين» لا يمكن أن تُرى إلا من عدسة «ترامبية» كونها تضمّنت بنوداً صارمة، وهيمنة، وشروطاً أمنية وفق رؤية أميركية - إسرائيلية، وبإشراف دولي دون إشراك الفلسطينيين في القرار. هذه البنود لا تعكس رؤية سلام، بل تُجسّد منطقاً عدوانياً يُعيد تشكيل غزة كياناً خاضعاً عبر إعادة تشكيلها وفق هندسة خارجية، يُكرّس فيها منطق القوة على حساب القانون والعدالة.
إثبات القوة والنفوذ في المنطقة من بوابة غزة
لم تتغير النظرة الأميركية تجاه القضية الفلسطينية، فهي باتجاه واحد، إذ تُختزل ببساطة في كونها ورقة تفاوض تُلوّح بها واشنطن كلما أرادت إثبات القوة أو إعادة رسم خرائط النفوذ في المنطقة، ضمن خطط ممنهجة ومرسومة سلفاً، لا تتبدّل بتغيّر الإدارات. ومن هنا، فلسطين في نظر صانع القرار الأميركي ليست قضية شعب يرزح تحت الاحتلال ويناضل من أجل تقرير مصيره، بل أداة ضغط تُستدعى عند الحاجة.
ويتجلى ذلك في الدفاع المستميت عن إسرائيل، والسماح لها بأن تفعل ما تشاء، حتى وإن ارتكبت مجازر وإبادة جماعية، كما حدث في غزة، أو انتهكت حلفاء واشنطن، كما حدث في قطر باستهداف مكتب «حماس» في الدوحة.
إنّ وجود ترامب الخاضع لمبدأ صفقات المصالح لا المبادئ، يدفع إلى السؤال التالي: هل يمكن للصفقات أن تُنتج واقعاً يُلبّي طموحات الشعب الفلسطيني ولو بالحد الأدنى؟
قبل الإجابة على السؤال، لا بد من فهم طبيعة ممارسة الحكم في الولايات المتحدة في الوقت الحالي، إذ يستغل ترامب المراسيم الرئاسية وحالة الطوارئ الوطنية المعمول بها، في مشهد يشبه إلى حد بعيد فلسفة سياسة «اضرب أولاً ثم فاوض»، وهذه حالة استلهمها ترامب من صديقه الملاكم مايك تايسون الذي يرى أن «الجميع لديهم خطة حتى يتلقّوا ضربة في الوجه».
وقد بات معلوماً أن ترامب شخصية تميل للمواجهة المباشرة، من خلال ردود الفعل السريعة التي نراها سواء في السياسة أو عبر وسائل الإعلام، ودائماً ما يُفضّل في كل ظهور كسر القواعد التقليدية على المستويات كافة، لذا نجده الأكثر ظهوراً عبر وسائل الإعلام المختلفة، والأكثر إثارة بين رؤساء أميركا والعالم.
الهيمنة تحت غطاء المقترحات والصفقات
يعكس طرح ترامب المتعلق بتحويل قطاع غزة إلى «ريفييرا الشرق الأوسط»، تجلياً واضحاً لحالة الرجل، ونمط حكمه السلطوي، وأدواته التي توظف خطابه الشعبوي لتبرير إعادة تشكيل الواقع السياسي، وإعادة إنتاج الهيمنة تحت غطاء المبادرات والمقترحات والصفقات التصفوية، التي تأتي على حساب الشعوب المستضعفة، ومن بينها الشعب الفلسطيني.
والغريب أن الولايات المتحدة، عبر إداراتها المتعاقبة، بعد تجربتها المرّة في فييتنام، وبعد اتفاقية «أوسلو» عام 1993 بين منظمة التحرير الفلسطينية وإسرائيل، لم تدرك بعد أن الصراعات والقضايا الكبرى كالقضية الفلسطينية، لا يمكن أن تُدار بمنطق الصفقات التي يُروّج لها ترامب، كـ«صفقة القرن» التي أسقطها الشعب الفلسطيني، و«خطة السلام» التي يعمل عليها الآن.
كل الخطوات التي يمكن العمل عليها من أجل القضية الفلسطينية، يجب أن تراعي القانون الدولي، الذي يعترف بوضوح بحقوق الشعب الفلسطيني المشروعة، وعلى رأسها حقّه في تقرير المصير، وعودة اللاجئين، وإنهاء الاحتلال. أمّا الإصرار من قبل الأطراف الدولية على تجاهل هذه الحقوق والحقائق، فلن ينتج عنه إلا تغذية مستمرة لدوامة العنف والتوتر وعدم الاستقرار في المنطقة. وهذا ما يجعل من «الترامبية» خطراً لا على فلسطين وحدها، بل على مستقبل المنطقة بأسرها والعالم برمته.
* صحافي فلسطيني
