ENsamaha
لبنان
سوريا
فلسطين
عرب
عالم
قضايا وآراء
ثقافة
كاريكاتور
رياضة
حياة وناس
تغطيات
المزيد
عدد اليومكتاب الأخبار كلماتأرشيف الأعدادفيديوصورأرشيف جوزيف سماحةأرشيف أنسي الحاجزياد الرحباني
PDFعدد اليوم

نزيف قاتل

قضايا وآراء
|رأي
حفظ المقالة
بدر الحاج
بدر الحاج
الأربعاء 22 تشرين اول 2025
الخط

تصدّر بلادنا البشر إلى العالم منذ النصف الثاني من القرن التاسع عشر حين بدأت قوافل المهاجرين بالرحيل. لم تشمل الهجرة جبل لبنان فقط كما هو شائع، بل انتشرت في كل بلاد الشام. ويتواصل سيل المهاجرين من دون توقف حتى اليوم. وقد ازدادت ظاهرة الهجرة الكثيفة في العقدين الماضيين بسبب حروب الغرب التدميرية في كل من لبنان والعراق وسوريا وفلسطين.

أسباب الهجرة تحدثت عنها دراسات أكاديمية عدة، ولا تزال الأسباب هي هي حتى يومنا الحاضر. الفقر والصراعات المذهبية سببان رئيسيان في تهجير الناس، إضافة إلى المافيات التي تحكمت ببلادنا بعد «الاستقلال» وممارستها القمع والنهب بحيث انعدمت فرص العمل ناهيك بجرائم الاحتلال والاستيطان.

الأكثرية الساحقة من المهاجرين قطعت كل اتصال لها مع الأرض التي ولدوا عليها، واندمج الجيل الأول والثاني في حياة المجتمعات التي ولدوا فيها، وتخلوا نهائياً عن اللغة العربية، وأصبحوا من مواطني تلك الدول، في حين كانت الجاليات اليهودية في أوروبا والقارة الأميركية تتأهب للعودة إلى «أرض الميعاد» التي كانت تنزف باستمرار وتهجّر أبناءها.

الحديث عن كثافة أعداد المهاجرين منذ العقد الأخير من القرن التاسع عشر حتى بدء الحرب العالمية الأولى يطول، فقد توقفت الهجرة أثناء فترة الحرب فقط لتتواصل بعدها على نطاق واسع. وبلغت الأعداد الهائلة للمهاجرين السوريين حد الضخامة، بحيث وصفها فيليب حتي في رسالة من البرازيل إلى زوجته بتاريخ 18 تموز 1925: «يوجد هنا سوريون أكثر مما يوجد في سوريا». والواقع أن ما كتبه حتي ليس مبالغة، إذ إن مصادر عدة تتحدّث عن الأوضاع المأساوية المزرية ما قبل الحرب وبعدها، وتقدّم إحصاءات عن أعداد المهاجرين، إضافة إلى لائحة من الأسباب التي أدّت إلى ذلك النزيف البشري المتواصل.

إذا أخذنا، على سبيل المثال، بلداً مثل لبنان، يتّضح لنا أنّ حرب إسرائيل عليه منذ عام 1975 وتقاتل الطوائف اللبنانية التي جنّد بعضها المخابرات الأميركية و«الموساد» أدّت إلى هجرة مئات الآلاف، معظمهم لم يعودوا إلا في مناسبات قليلة. ومع وقف إطلاق النار في تلك الحرب بقي الجمر تحت الرماد، وتواصل نزيف المهاجرين.

أودع قسم كبير من المهاجرين جني أعمارهم في المصارف اللبنانية وكانت النتيجة نهباً منظماً استفاد منه سياسيون وأصحاب المصارف ورجال الدين. وبالطبع فإن تركيبة النظام اللبناني الطائفي والعنصري لن تسمح بأن يكون هناك محاسبة لأحد. لذلك، لم يبقَ من بصيص أمل عند كثير من الأسر التي نُهبت إلا الهجرة النهائية.

تجربة المهاجرين المُرّة مع المصارف اللبنانية لن تتكرّر، ولن يرسل أي مهاجر إلى لبنان دولاراً واحداً، إلا للحاجات الضرورية لمَن تبقّى من أسرته وأقاربه. حتى الأجيال الجديدة الشابة التي تتلقّى التعليم، فإنّ أقصى طموحات أفرادها الرحيل. يبيع الأب أملاك الأسرة تدريجياً لتعليم أبنائه، وفور تخرّجهم يهاجرون وأمامهم فقط منفذان: إمّا دول الخليج حيث يعاملون بدرجة متدنّية ويتقاضون رواتب أدنى خمسين في المئة من راتب الأميركي أو الأوروبي، أمّا الآخر فهو كندا وهذا يعني هجرة بلا عودة.

دفع اليأس الناس إلى الهرب من جحيم الفساد في قوارب الموت التي تغادر الشواطئ اللبنانية هرباً إلى المجهول، إذ تصل بين الفينة والأخرى أخبار غرق قوارب السماسرة وابتلاع البحر عشرات المهاجرين الفقراء الذين باعوا كل ما يملكون لشراء مقعد على قارب يحملهم إلى أعماق البحر. هذه الظاهرة ما هي إلا نموذج فاضح عن مدى الفشل الذريع لأنظمة النهب المافياوية.

كتب رحالة وباحثون كثيرون أمثال ريشار ثومين في كتابه «Geographies Humaine de la Syrie Centrale, Tours 1936» عن أن مَن يتجوّل في قرى جبل لبنان في مطلع القرن العشرين كان من النادر أن يجد بين سكانها شباباً. ومن ناحية أخرى، سجّل عسكريون بريطانيون عاملون في صندوق استكشاف فلسطين انطباعاتهم خلال تجوالهم في القرى الفلسطينية عند أواخر القرن التاسع عشر بأنهم نادراً ما شاهدوا شابّاً في تلك القرى، إذ إنّ معظم الشباب جرى تجنيدهم بالقوة في الجيش العثماني ونقلوا للقتال في الحروب العثمانية - الروسية وغالبيتهم قضوا نحبهم في تلك الحروب.

ومن البديهي القول إنّ الحرب العالمية الأولى وما رافقها من مجاعة بسبب الحصار الأوروبي والتركي، إضافة إلى الجراد الذي أتلف كل المحاصيل الزراعية وقضى على مئات الألوف، كل ذلك أدّى إلى تصاعد وتيرة الهجرة بعد انتهاء الحرب.

هذا كله مسجّل وموثّق تاريخياً، أمّا اليوم وخاصة بعد الحروب الإسرائيلية على لبنان، وما رافقها من مجازر بين الطوائف وداخل كل طائفة، بدأت موجة جديدة وكثيفة من المهاجرين اللبنانيين. وبعد احتلال العراق وتدمير نسيج المجتمع العراقي هاجرت أعداد كبيرة من العراقيين، وهذه ظاهرة تحدث لأول مرة في تاريخ العراق الحديث. أمّا الحرب التي فُجّرت في الشام عام 2011 فقد أحدثت انفجاراً داخل المجتمع لم يسبق أن شهدته سوريا من قبل.

لأول مرة ملايين المواطنين هُجّروا، مجازر مرعبة حدثت، الطوائف تكفّر بعضها بعضاً، والتشظّي حدث ضمن الطائفة الواحدة، وتمّت عمليات تصفيات جماعية. وعلى امتداد حوالى 14 عاماً من الصراع الدموي، وما رافقه من حصار مجرم للشعب السوري، كانت النتيجة أن سوريا التي نعرفها بعد رحيل العثمانيين عام 1918، قد اختفت نهائياً. ومع تسلّم حكّام «القاعدة» الحكم في دمشق، دخلت سوريا في أتون الموت البطيء والتقسيم بينما يحاول مئات الألوف من السوريين الحصول على تأشيرة سفر والهجرة النهائية عن بلد ستترسّخ في ذاكرة أجياله الحالية والأجيال الجديدة حقيقة أن لا حاضر ولا مستقبل لهم في بلاد الآباء والأجداد.

لا داعي للتذكير بجرائم الخطف اليومي للنساء والأطفال، ولا عمليات القتل المتواصلة. تكفير معظم السوريين يدفعهم إمّا إلى توسّل «الحماية» من إسرائيل كما حدث في جبل العرب، ومَن لا يجد أحداً لـ«حمايته» من الطامعين لا مفرّ أمامه إلا الهجرة. والرابح الوحيد من كل هذا الإجرام الذي يتم تغطيته عربياً وعالمياً هو العدو الصهيوني. كل ذلك يؤكد على أنّ ما يجري دون توقّف من جرائم قد عمّق الهوّة بين أبناء الشعب الواحد بحيث ستكون هناك معجزة لإعادة ما انقطع، ومن المستحيل أن تنسى هذه الجرائم ولو بعد عقود. ولا يزال السوريون حتى اليوم يتوارثون من جيل إلى جيل أخبار الجرائم التي ارتكبت فيما اصطلح على تسميته «الطوشة» أي الحرب الأهلية عام 1860.

واقعنا الحالي أسود، ويبدو أن التقاتل المذهبي الذي اعتمده الغرب والصهاينة لتدمير بلادنا متواصل. وضعوا في رؤوس الناس أنّ الهدف من الحياة قتل «الكافر» من الطائفة الأخرى، وهكذا نُسيت فلسطين والأرض المحتلة. وفي الوقت نفسه، تتواصل أيضاً مسيرة مشروع إسرائيل الكبرى.

* كاتب لبناني

الأكثر قراءة

لبناننصار يقطع طريق بعبدا على غانم؟
الأخبار

24.08.2026

لبناناحفظوا هذا الاسم: معاوية أبو عرب!
الأخبار

24.08.2026

لبنانإجراءات جديدة في مطارَيْ بيروت ودمشق
الأخبار

24.08.2026

آسيامحاولة باكستانية لتدارك التصعيد: إيران تلوّح بـ«القنبلة»
محمد خواجوئي

24.08.2026

banner بنك عودةbanner بنك عودة
  • من نحن
  • وظائف شاغرة
  • اتصل بنا
  • للإعلان معنا
  • اشترك معنا

محتوى موقع «الأخبار» متوفر تحت رخصة المشاع الإبداعي 4.0 2026©

يتوجب نسب المقال إلى «الأخبار» - يحظر استخدام العمل لأغراض تجارية - يُحظر أي تعديل في النص، ما لم يرد تصريح غير ذلك