الحرب كفرصة لتحريك المياه الراكدة

لا يمكن الاستهانة بما فعلته المقاومة في هذه الحرب ولا بجمهورها الأبيّ، ولا يمكن تجاوز ذلك البتة، عند كتابة التاريخ، كما لا يمكن تجاوز المساحة النظرية الجديدة الناشئة ضمن الحقول العلميّة. كلّ تجربة أو واقعٍ علمي يفرض نتائج نظرية جديدة، وإنّ ما حصل في الحرب الأخيرة قد رمى حصى في مستنقع الرؤى التي تتحرّك على مستوى المنطقة، وفي سبيل فهمه، أقلّه في القراءة الإسلاميّة الثوريّة لمسار التقدّم.
لماذا خرجنا بهذه النتائج العمليّة من الحرب؟ وماذا حصل؟ وكثير من الأسئلة لا أظن أنه يمكن الإجابة عنها لمن ليس في موقع القرار، لكن ما نعرفه هو أن ما حصل أخيراً، سواء في غزة أو في لبنان أو إيران، هو ليس فقط وليد لحظته، بل هو تراكم حضارة ودول انتخبت طاقاتها على مدار عقود. هو وليد جامعات بحثيّة، لا جامعات تعليميّة فقط، تعمل بشكل منتظم ضمن سياسات البلد الكبيرة، تستثمر بما تنتجه تطبيقاً عمليّاً ومساراً ورؤى وخططاً، لا بالمعنى التنظيري فقط، بل بالمعنى الحقيقي.
ففكرة البايجر، رغم شناعتها، إلا أنها مبتكرة لأنها استغلت فكرة «آمن» جهاز إرسال ليكون أخطرها. ليس الأمر في طريقة التفخيخ وكيفيّة إخفائه فقط، بل الأهمّ من ذلك كلّه هو في معرفة العقل الذي استطاع أن ينتج مثل هذه الفكرة.
فهل نحن حقاً قادرون على إنتاج مثل هذه الأفكار؟ هل نعرف ما هي ديناميكيّات إنتاج مثل هذه الأفكار؟ أم هي وليدة أفراد تقتصر عليهم أحياناً؟ وكيف يمكن توليدها؟ أو بتعبير آخر علمي: كيف يمكن لمؤسّسة منظّمة بشكل معقد أن تنتج إبداعاً؟
العلاقة بين التنظيم والإبداع علاقة عكسيّة؛ إنّ الكثير من المؤسّسات تبحث عن وسيلة للجمع بين هاتين القيمتين، وقد خسرت الكثير من الشركات منافستها على مستوى العالم بسبب ذلك، ليس آخرها شركة «نوكيا» و«بلاك بيري» وغيرهما.
على كلّ حال، كثيرة هي الأسئلة، والجميل أنّها لربما استطاعت أن تحرّك المياه الراكدة للرؤى الإدارية والإبداع العلمي، فضلاً عن دور الإسلام الثوري في ذلك، حيث قد قاربه الشهيد مطهري -من قرابة نصف قرن- بهواجس قد جُمعت له في كتاب «المجتمع والتاريخ» ضمن المحاضرات الأخيرة، إذ يقول في تساؤلاته: «لماذا كي نسقي وردة واحدةً نحتاج أن نسقي الكثير من الأشواك حولها؟ ولماذا حين يتسلم المصلحون مراكز المسؤوليّة يفقدون قدرتهم على الإصلاح؟» عاكساً بذلك الديناميكية الإدارية الموجودة للمؤسسات.
لأنني لا أعلم واقع مؤسّسات المقاومة ومدى خروجها من الرتابة الإدارية المعهودة أو المعروفة، إلا أنّ الاطّلاع على تجربة العدوّ قد يكون مفيداً في تعزيز الإشكال الذي يحاول المقال طرحه عبر تحسّس قدرة الطرف المقابل، وذلك بالاقتباس مما بين سطور حلقة بودكاست للأميركية باري وايس مع رئيس «الموساد» السابق يوسي كوهين -في المناسبة هي مقابلة مهمة عن كتابه الجديد «سيف الحرية»– أعرض منها مقطعاً يرتبط بعملية «البايجر» و«الووكي توكي»:
«-وايس: إحدى أروع العمليات الاستخباراتية الإسرائيلية كانت عملية جهاز إرسال -البايجر والووكي توكي- حزب الله. أعتقد أن أكثر ما يثير الدهشة هو كم من الوقت استغرق تنفيذها؟
-كوهين: قرابة الـ20 عاماً.
-وايس: يُنتقد عدم وجود إستراتيجية طويلة المدى ضمن المؤسسات الحربية، لكن بدا أن جهاز الموساد كان لديه إستراتيجية طويلة المدى، حدثنا قليلاً عن كيفية تنفيذكم لهذه العملية، كيف توصلتم إلى هذه الفكرة؟ وكيف تم إعدادها؟
-كوهين: الشرح المختصر هو أنه عندما فهمنا في بداية عام 2002 أن لدينا أعداء كباراً حولنا، ليس فقط في لبنان بل في سوريا والعراق وإيران بدرجة أعلى. وبما أنني كنت المسؤول عن قسم العمليات الخاصة، ومن مهمات هذا القسم هو أن يبتكر أساليب مختلفة لمكافحة الأعداء باستخدام التكنولوجيا المتقدمة أو العالية في إسرائيل... صرنا نبحث عن أن نكون جزءاً من سلسلة التوريد لهذه المنظمة منذ أكثر من 20 عاماً، كل ذلك من أجل أن نعرف ما الذي يفكرون فيه أو يقولونه. نريد أن نخترق مكاتبهم، قواعدهم، وغرف القيادة الخاصّة، نريد أن نكون جزءاً مما يفعلونه أو يسمعونه... نريد أن نكون جزءاً منهم في أي شيء.
إنّ الاعتقاد نفسه الذي يُثبّت هؤلاء الشباب المقاومين في الجبهات، فلا يندثرون أمام أقوى جيشٍ في المنطقة ولا يضعفون، نفسه، وبالزخم نفسه، يحتاجه أي تنظيم في عملية صناعة الإبداع للمواجهة وتقبّل النقد والابتعاد عن النمطيّة والرتابة
وقد اكشتفنا حينها أن هناك طرقاً يمكن استخدامها، كأن نبيعهم عناصر يحتاجونها. لكن الأهم هو أن نبيعها كجزء من سلسلة التوريد الخاصة بهم. وذلك لا يمكن أن يحصل إلا بعد أن أعرف ما الذي يبحثون عنه، فأكون جزءاً منه. وهكذا سرت الأمور بشركات سرّية لديها غطاء سميك جداً ومطابق تماماً للأصل الذي تنتجها الشركة الأصلية؛ الحجم نفسه، الوزن نفسه، السلوك الإلكتروني نفسه، مع علمنا أنّ كل شيء يدخل في هذه الأجهزة سيتم اختباره وقطعه إلى قطع لفحصه.
تمت تغطية كل هذه التحديات في النهاية واختراعها من عام 2002 إلى 2006. بحلول عام 2006، كنا قد استخدمنا ذلك بالفعل، وكان ذلك في حرب لبنان الثانية. لذا كانت بعض العناصر التي استخدمناها في تلك الحرب هي معدات تم التلاعب بها ساعدتنا في تحديد المواقع، التنصت والتعطيل. ومنذ ذلك الحين وحتى اليوم، آمل أنه حتى اليوم...
-وايس: هل هناك مثل مكتب تكنولوجي في الموساد؟
-كوهين: بالطبع. أكبر وحدة في الموساد هي وحدة التكنولوجيا، يعمل فيها الآلاف من الأشخاص...».
انتهى الاقتباس. ولعله لن تغدو هذه الإثارات سوى مساهمة في عملية رمي حجارة في المستنقع النظري للتجربة الموجودة، من اعتقاداتها إلى الممارسات الناشئة، وحتى إن لم ترقَ إلى مستوى المواجهة في إنتاج الإبداع لا أقل تنتبه إلى نموذج بسيط بات مكشوفاً. مثل هذه النصوص المبعثرة هنا وهناك تدعو للتوقّف، كما تستثير الكثير الكثير من الأسئلة والهواجس.
يقولون: «إذا وقعت البقرة كثر جلّادوها». لكنّها المرّة لم تقع، بل إنّ كلّ هذا الشعب لن يسمح لها أن تقع، فكما خدمت المقاومة شعبها لسنوات، اليوم وأكثر من أي وقتٍ مضى يخدم الشعب المقاومة بالنهوض. بل أكثر من أي وقتٍ مضى، لا يمكن المساس بالمقاومة، لأنها ليست إلا هذا الجمهور العريض ولا أي شيء آخر! هذه حقيقة، لا يفقهها معاتيه الدولة الذين انبثقوا يوماً من غير الشعب، وهذا ما يرفع من مسؤولية المقاومة تجاه شعبها، وهنا كلام طويل في المسؤولية أمام هذا الشعب، لكن ليس وقته الآن.
الوقت الآن للعمل. لمحاولة خلق أطر عملية لإنتاج الإبداع بالتفكير وأخذ القرارات بطرقٍ متقدّمة. لم تعد مشكلات التنظيم داخليةً، بل إنّ نتاجها صار يحدّد مصير شعب. وقد كشفت الحرب الأخيرة، لا أقل، عن منافسة غير متكافئة في إنتاج الإبداع والتطوير.
إنّ الاعتقاد نفسه الذي يُثبّت هؤلاء الشباب المقاومين في الجبهات، فلا يندثرون أمام أقوى جيشٍ في المنطقة ولا يضعفون، نفسه، وبالزخم نفسه، يحتاجه أي تنظيم في عملية صناعة الإبداع للمواجهة وتقبّل النقد والابتعاد عن النمطيّة والرتابة، كما العمل البحثي والإحصائيّات الداخليّة -الممنوعة لاعتبارات- والتقييمات الحقيقية الموعودة. كلّها لا بدّ وأن تكون عمدة رسم الهيكليّات التنظيميّة التي تعطي صورةً عن شكل المؤسسة وأهدافها التي تحتاجها المقاومة في المراحل المقبلة من المواجهة. فالعقل القادر على إنتاج البايجر قادر على إنتاج أمثاله. بل إنّ البايجر لم يُكشف إلا لأن غيره بات موجوداً.
هذه المواجهة، أقل ما يجب أن تتجنّب فيها المقاومة، انكشافها، وما فتئ الغرب يسعى إلى الوصول إليها وضربها كما حصل في سلسلة التوريد، ويبدو أن كثيراً من الخروقات التي حصلت ويحصل بعضها مرتبطة بالواردات هذه، إذ مَن يضمن اقتصارها على شبكات الإرسال (وهذا ما لم يتم الحديث عنه بعد).
الغرب يراكم تجارب على مدار عقودٍ، فهو في حالة مستمرة لامتلاك القدرة والارتقاء في المواجهة، كما يشير تقرير قديم نسبياً لمجلس علوم الدفاع الأميركية (ويليامزتاون، ماساتشوستس، 1967) أختتم فيه المقال:
«إن وزارة الدفاع لم تعد تقتصر على القوات المسلحة في الحرب. بل باتت مهماتها تتطلب فهماً لسكان المناطق الحضارية والريفية الذين يتعامل معهم أفراد الجيش. نحتاج إلى مزيد من المعرفة عن معتقداتهم وقيمهم ودوافعهم؛ ومنظماتهم السياسية والدينية والاقتصادية؛ وتأثير مختلف التغييرات أو الابتكارات على أنماطهم الاجتماعية والثقافية... العناصر التاليّة هي عناصر تستحق النظر فيها كعوامل في إستراتيجية البحث للوكالات العسكرية...» ـــــ النص الكامل مهم جداً، لكن لا يسع المقال لإيراده.
إنّ هذه التجربة الرائدة للمقاومة لا بد وأن تبقى للأجيال القادمة، لا بد وأن تتعلّم كيف تنتج إبداعاً في بقائها، في نهوضها وفي استمرارها. فليحاول كل منّا تقديم بدائل. لعل مقالي هذا يكون حافزاً لي ولآخرين أيضاً للكتابة عمّا يمكن أن يفيد في هذا السياق.
* باحث
