لَوم المستعمَر

ليس هدفي الدفاع عن حكومات «الممانعة» (هنا أستخدم عبارة «الممانعة» بحيث تضمّ أيضاً روسيا والصين وفنزويلا وغيرها)، ولا البرهنة على أنها أَنجزتْ حكماً ديموقراطياً وتوزيعياً عادلاً، بل استكشاف كيف تَدفع الولايات المتحدة خصومَها إلى الإفلاس الاقتصادي والفكري وحتى الأخلاقي أحياناً، بحيث يبدو أنّ هذه الدول ساقطة بسبب خياراتها هي، بسبب خلل داخلي في عمارتها الثقافية والأخلاقية (أو حتى الجينية، بما أنّ العنصرية البيولوجية عادتْ نظريةً معتبَرة، حتى داخل أروقة الجامعة وليستْ نظرية بائدة يتداولها هامشيون، شكراً لجهود قبيلة الفلسفة التحليلية في الولايات المتحدة التي نَظّرتْ لضرورة احترام الرأي الآخر والحدّ من الآثار «السامّة» لمبادرات الـ«DEI» بدل نقدها من أجل تطويرها إلى «post-DEI»)، وليس بسبب نظام عالمي معيّن وضعتْه إمبريالية واشنطن.
هناك عبارتان مترابطتان تُستخَدمان في الأوساط الأكاديمية والنشطائية لتوصيف ما يَجري على الأفراد، لكنها لا تُستخدَم لتوصيف ما يَجري على مجتمعات بأكملها لأنّ شؤون الأخيرة تَندرج في إطار «العلاقات الدولية» وهي علم تحليلي رصين، لا مجال فيه للأهواء العاطفية كما حين نتناول قضايا المرأة أو المثليين؛ «man-splaining» و«gaslighting».
قدرة الحاضرة الإمبريالية على وصْف العالم، على شرْح كيف يجب أن تُدار مؤسسات الدولة وغيرها، لم تتعرّض حتى الآن إلى نقْد جدّي، «imperio-splaining». لا نزال نحاول أن نواجه ما تقوله الحاضرة الإمبريالية بـ«الحجّة»، أي كما لو كنا متحاورَين متساويين، وليس بأن نطالبها (أو نجبرها إنْ أمكن) بمزيد من الصمت وبمزيد من الاستماع. حتى التقدّمي في واشنطن، يَشعر بالقدرة المطلقة على إبلاغنا ما يجب أن نفعله في الأطراف، وزجرنا حين «نُخطئ».
لا نزال نواجه الدراسة التي يقدّمها صندوق النقد الدولي، عن الأوضاع الاقتصادية في دولة ما بدراسة مقابلة تُثبِت أنّ الصندوق لم يتّبع الأصول الأكاديمية المعتمَدة في دراسته، بدلاً من أن نسائل صندوق النقد عن الأهلية لجمْع معلومات عنّا وإصدار تقارير ودراسات حولنا (جزء أساسي ومركزي من معرفة بلد كلبنان حول أوضاعه الاقتصادية هو تقارير المؤسّسات الدولية عنه).
والحال أنّ ما يَجعل الخطاب الإمبريالي أكثر فاعلية هو قدرة الحاضرة على إنتاج «حقائق» يظنّ المقاوِم أنه قادر على استخدامها في محاججته ضدّ الإمبريالية، إلا أنه مع الوقت يجد نفسه غير قادر على إقناع المزيد من الأفراد بحجّته، رغم أنه يُفترَض أنّ الأدوات التي يَستخدمها حيادية.
المثال الأكثر وقاحةً للتفسير الإمبريالي كان جو بايدن، (الديموقراطي المؤيّد للنقابات العمالية، صديق بيرني ساندرز، الذي أَمَر من موقعه كقائد تقدّمي بأنّ على حركة حماس ألّا تعود إلى السلطة في قطاع غزة) حين لفّ ساقيه إلى جانب نتنياهو، ليقول «أنا لا أثق بالأرقام الفلسطينية»، أي أنّ الفلسطيني ليس لديه الحقّ حتى في وصْف ما يَجري عليه. الجامعة الأميركية لا تجد حاجة إلى تطوير مصطلح ميراندا فريكر «اللاعدالة الإبستيمية»، الشهودية والهرمنطيقية، فقط نطبّقها على النساء والمثليين، لا داعي لمنْح المستعمَرين حقوقاً أكثر من تلك التي أعطيناهم إياها.
لا نزال نحاول أن نواجه ما تقوله الحاضرة الإمبريالية بـ«الحجّة»، أي كما لو كنا متحاورَين متساويين
مثال ذلك هو الفكرة «الحيادية» التي تتناقلها وسائل الإعلام الأميركية، وهي أنّ اليهود الأميركيين قبل حرب العام 1967، لم يكونوا مرتبطين بإسرائيل، بل كانوا حياديين إزاءها إلى حدّ كبير، إلا أنّ مشاعر البطولة والانتصار على دول معادية لليهود عام 1967، هي التي أدّتْ إلى جعلهم يَعتنقون الصهيونية ويؤيّدون إسرائيل. هذه تبدو فكرة يمكن لأي باحث اعتناقها لأي مذهب سياسي أو أيديولوجي انتمى، هي وصْف لواقع.
بالتالي، بدل أن نَدرس كيف وَجَد اليهود الأميركيون تدريجياً في إسرائيل أداةً استعمارية ملائمة للهيمنة الأميركية الناشئة، يصبح أداؤنا نحن العرب هو الذي أدّى إلى موقف اليهود الأميركيين، نحن العرب سبب الدعم الأميركي لإسرائيل. هذا ما يَحصل اليوم مجدّداً، عملية «طوفان الأقصى»، هي التي أدّتْ إلى الدعم الأميركي للإبادة الإسرائيلية بحق الفلسطينيين، وليس مسعى الولايات المتحدة، ما بعد حرب أوكرانيا، إلى تكريس نظام دولي جديد يقوم على استخدام واشنطن، لمجتمعات مختلفة حول العالم ودفْعها إلى القتال التضحوي ضدّ خصوم الولايات المتحدة.
كان هناك تيّاران داخل المجتمع اليهودي الأوروبي، الهجرة من أوروبا إلى الولايات المتحدة أو إلى فلسطين، تكتّل رئيسي من اليهود الألمان فَضّل الأولى، وتكتّل رئيسي من يهود أوروبا الشرقية فضّل الثانية، وتدريجياً اكتَشفوا أنه يمكن للهجرتَين أن تتكاملا في خدمة الإمبريالية الأميركية، اليهود في الولايات المتحدة أصبحوا أداتها لإخضاع أوروبا، واليهود في فلسطين أصبحوا أداة الولايات المتحدة لإخضاع الشرق الأوسط. إنْ كان لحرب العام 1967، من دور فهو الإعلان عن انتقال إسرائيل، من التحالف مع بريطانيا وفرنسا (وأسلحتهما) إلى التحالف مع الولايات المتحدة (ويهودها)، في صراعها ضدّ الاتحاد السوفياتي.
إذاً، العرب أَخطأوا حين هاجموا إسرائيل، لأنّ يهود الولايات المتحدة، أصبحوا مؤيّدين لها بعد ذلك، وعلى العرب الآن أن «يَستميلوا» اليهود الأميركيين، هذا هو جوهر فكرة الـ«gaslighting». ما يَتبع هذه الفكرة في الدراسات والتقارير هو أنّ اليهود الأميركيين اليوم منقسمون إزاء إسرائيل بعد مجازر الإبادة العرقية التي ارتكبتْها في قطاع غزة، وهذا استكمالٌ للدعوة إلى استمالة اليهود الأميركيين وتصحيح أخطاء مقاومتنا المسلّحة منذ عام 1967.
هذا غير صحيح: الإستابلشمنت، لدى اليهود الأميركيين لا يزال صهيونيّاً مؤيّداً لإسرائيل، والمجموعة اليهودية الأميركية المعارضة هي على الهامش. يهود جامعة هارفرد، و«النيويورك تايمز»، و«النيويوركر»، و«ذي أتلانتك»، وغيرها، يَنتشون بالمجازر الإسرائيلية في قطاع غزة، يسخرون بأنّ العملية التي نفّذها الشهيد يحيى السنوار، هي أكثر عملية كان ارتدادها سلبياً في التاريخ، وكثير من المقالات من هذا النوع.
لا يَعني ذلك أنّ اليهود الأميركيين، هم كتلة متجانسة صمّاء، لكن من الضروري التمييز بين خطاب مَنْ هم في صلب المؤسسة المركزية في هذه المجموعة ومَنْ هم على هامشها أو على هامش المجموعة ككل حتى. أسوأ عبارة تُستخدَم هنا، هي «رفض التعميم»: ليس هناك تعميم وتخصيص، دائماً هناك تنوّع على مستوى الأفراد، لكن هناك مؤسّسة مركزية تُنتِج هوّية هذه المجموعة، يمكن تسمية أفرادها بالإستابلشمنت، (إذا كنا ولا بدّ مصرّين على التوجّه إلى الأفراد بدل المؤسّسات)، وعليك أن تعالج هذه المؤسّسة المركزية بدلاً من حملات علاقات عامّة لا تسمّن ولا تغني للتواصل مع أفراد معارضين للصهيونية هنا أو هناك.
خذ مثالاً القانون (canon) في القسم الأكاديمي، ستجد دائماً دراسات أكاديمية متنوّعة جدّاً (الدراسات الأكاديمية متنوّعة أكثر من الخطابات السياسية)، ولكنّ الغالبية الكبرى من هذه الدراسات لا تدخل في مكتبة القانون أو السماكة النصية المحيطة به والتي ترفده بمزيد من السلطة المعرفية المؤسّساتية.
تفكيك خطاب لوْم المستعمَر، والقدرة على توجيه اللوم أساساً وعلى رصف سلسلة من «الحقائق الحيادية» على جانبَيه (يمكننا أن نَستفيد من اللكسيكون الذي طوّرتْه سياسات الهوية في الجامعات الأميركية للأفراد لتناول المجتمعات المستعمَرة)، والانتقال نحو التفاوض على الأحقية في إنتاج أبحاث في مجال معيّن، يجب أن يكون في صلب نضالنا السياسي، وإلا فإنها لا تزال لدى حاضرة واشنطن الإمبريالية القدرة على استنزاف شرعية خصومها تدريجياً إلى أن يبدو «فاسدين» حتى بنظر أنفسهم.
* باحث
