مقامات الموت الفلسطيني

من بين جثامين 165 شهيداً سلّمتهم إسرائيل إلى الفلسطينيين حتى الآن، أعلن المكتب الإعلامي الحكومي في القطاع دفن جثامين نحو 54 شهيداً مجهولاً، مؤكداً علامات التعذيب على معظمهم.
هذه الجثامين المجهولة الهوية، ظلّت مجهولة لأنها استوفت المدّة المحدّدة للتعرّف إليها، وهي 5 أيام، فوثّقتها وصوّرتها مع متعلّقاتها وزارةُ الصحة والسلطات الفلسطينية المعنيّة، قبل دفنها في قبور مرقّمة، نظراً إلى تعذّر التعرّف إليها بسبب طمس الملامح من التعذيب.
وقد شمل التعذيب، بحسب الآثار على أجسادهم، كما قال «الإعلام الحكومي»: الشنق، وإطلاق نار مباشر من مسافة قريبة جداً، وتقييد الأيدي والأقدام بمرابط بلاستيكية، وتعصيب العيون، وسحق جثامين الشهداء تحت جنازير الدبابات، وحروقاً وكسوراً وجروحاً عميقة.
إنّ أقران هؤلاء وجدوا أهلاً لهم، بحثوا عنهم، وجاؤوا ففتشوا وتعرّفوا، فأخذوا الجثمان وذهبوا لدفنه في قبر ضمْن مقبرة محدّدة، مع وضع شاهد يدلّ على صاحب القبر.
بينما المجهولون، ربما ماتت أسرهم كلّها، ربما بين المجهولين أبٌ ماتت عائلته، ولم يبقَ له سوى صغير أو صغيرة، لا يعرفون ما يفعلون، وربما من شدّة الموت الذي عاشوه في عامين من الحرب، لم يخطر في بالهم أن يكون بين الجثث أبوهم.
لكن، يمكن القول إنّ أصحاب هذه الجثامين حالفهم الحظّ، حين أخرجوا من أسر الموت، حتى أولئك الذين دفنوا من دون معرفة هوياتهم.
فغيرهم من الشهداء عالقون منذ سنوات طويلة في مقابر الأرقام. ولعل أبلغ التعبير عن حالة الفلسطيني و«حياته المعلّقة» داخل الموت، ما كتبه الشهيد وليد دقة، المحتجز جثمانه لدى الاحتلال، في مسرحيته «حكاية سر الطيف: الشهداء يعودون إلى رام الله»، أثناء حديث شهيد (بسام السايح) لشهيد (كمال أبو وعر) داخل ثلاجة الموتى: «إحنا الفلسطينية موتنا بختلف: يا إمّا بننحشر في السجن عشرة... عشرين سنة، أو بننحشر زي ما إنت شايف في ثلاجة، وبعدها الله كريم».
لم تمتنع إسرائيل عن استخدام جثامين الفلسطينيين للتفاوض وهو أمر شرعنته المحكمة العليا
وعلى لسان بسام السايح مجدداً: «إنك تموت مش معناه إنك تندفن، وإنك تندفن مش معناه إنو يكون مكان دفنك معروف... وإنك تندفن في مقبرة زي باقي البشر، وينعرف مكان دفنك، مش معناه إنو يكون إلك جنازة، ويحضرها الأهل والأقارب والأصدقاء. وكل وحدة من هذول بدها ختم الحاكم العسكري وموافقة الإدارة المدنية... أموت إنكنَّك بتعرف تموت».
ما حدث لشهداء غزة المجهولين، وآثار التعذيب البادي عليهم، بدأ منذ وقت طويل، هذا ما قاله بسام السايح في مسرحية وليد دقة: «من عشرين سنة صاروا يصلوا الشباب قطع زي ما إنت شايف».
عبر سنوات الاحتلال، لم تمتنع إسرائيل عن استخدام جثامين الفلسطينيين للتفاوض، وهو أمر شرعنته المحكمة العليا الإسرائيلية منذ تسعينيات القرن الماضي «معتبرة أن استخدامها مشروع ضمن أهداف القانون بناءً على معايير ‘المعقولية’ و’الملاءمة’».
كذلك اتخذت سلطات الاحتلال قراراً في أيلول 2019 حين أقرّت المحكمة العليا: «إمكانية احتجاز الجثامين، واستخدامها للتفاوض في صفقة تبادل محتملة» وشمل هذا القرار «الجثامين المدفونة في مقابر الأرقام» مع السماح «بنقل الجثامين المحتجزة في الثلاجات إلى مقابر الأرقام بعد اتّباع إجراءات التسجيل والتوثيق كافّة» (حسين شجاعية، «احتجاز جثامين الشهداء الفلسطينيين: تاريخ طويل من العنف الاستعماري» - أوراق سياسات، مؤسسة الدراسات الفلسطينية 15/10/2024).
يكاد العقل لا يصدق التمييز في الموت، فلعلّ هناك فرقاً بين موت إنسان وإنسان آخر. نرى هذا الفرق في المقابر أحياناً، بين قبر مرخّم، وآخر بلا شيء يزيّنه. لكن كما قال مظفر النواب: «أيهمّ الميّت أنّ القبر يزخرف؟»؛ في الحقيقة لا يهمّه، يهمّ الأحياء، وأتباع الميّت، أو الأوصياء على وجوده حياً وميتاً.
ولأن حياة الفلسطينيين ليست مهمّة في نظر «الدول»، فجثث الفلسطينيين وجثامينهم وقبورهم ومقابرهم ليست مهمّة، لذلك لم يكن مهمّاً لدى أحد أنّ أكثر من 9500 فلسطيني في قطاع غزة ما يزالون في عداد المفقودين، هم في عداد القتلى أيضاً، وهم تحت الركام أيضاً وأيضاً. ولأنّ هؤلاء الموتى قد يكون بعضهم قد تحلّل جسده، أو فقد ملامحه بسبب الحيوانات التي تغذّت عليه، سيعلنون شهداء، بينهم أعداد مجهولة الهوية.
إنّ قطاع غزة اليوم مقبرة كبيرة، يراد للأحياء فيه أن تنقطع أنفاسهم، وأن يقولوا أينما ولّوا وجوههم: لا فرق، كلّها مقبرة.
* كاتب فلسطيني
