مصائب قوم عند قوم فوائد

العنوان، كما هو معروف، شطر من بيت المتنبي أوله (صدره): «بذا قضت الأيام ما بين أهلها». هذا ما ينطبق الآن على الوضع اللبناني بعد العدوان الإسرائيلي على لبنان قبل حوالى سنة. العدوان استمر حوالى 66 يوماً. كان عنيفاً ووحشياً وموجهاً، بنسة كبيرة، ضد المدنيين. هو يستمر إلى اليوم، من طرف واحد، حتى إشعار أميركي آخر.
العدو استحضر ويستحضر «نموذج غزة»، أداة تنفيذ أو تهديد، في خدمة جموحه الإجرامي الفاشي، المدعوم والمحمي من قوى كبرى في العالم في مقدّمتها الولايات المتحدة الأميركية. بيد أن «نموذج غزة» وحرب الإبادة خصوصاً، استثارا حركة إدانة واحتجاج شعبية عالمية فاجأت القتلة وفضحتهم وعزلتهم وداعميهم!
في ما يتعلق بلبنان، وفّرت واشنطن للعدو، عبر وساطتها المزعومة والملغومة، فرصة أن تتدارك خسائرها وعجزها عن اختراق خطوط دفاع المقاومة. حصل ذلك عبر خدعة «اتفاق وقف الأعمال العدائية» الذي أذاعه الرئيس الأميركي السابق شخصياً. تحوّل الاتفاق في التطبيق (بالنار والقتل والدمار)، إلى حرب من طرف واحد. نشط، في السياق، دور أميركي ضاغط بكل وسائل الخداع والابتزاز والحصار والتآمر لتحويل «وقف الأعمال العدائية» إلى تميكن العدو من تحقيق كامل أهداف حربه في لبنان، وإلى تحويل لبنان إلى محمية أميركية إسرائيلية – في نطاق مشروع تل أبيب لإقامة «إسرائيل الكبرى»، وواشنطن لفرض مشروعها: «الشرق الأوسط الكبير»!
أدّى ذلك إلى إحداث تغيير مؤثّر في السلطة اللبنانية عبر موقعي الرئاستين الأولى والثالثة. كان أبرز وأخطر نتائج ذلك إصدار الحكومة قرار «حصر السلاح» في 5 آب الماضي. يقع القرار في نطاق خطة واسعة متعددة القوى الدولية والمحلية (بما في ذلك العدو) لإحداث تحوُّل جوهري في موازين القوى السياسية تكرسه الانتخابات النيابية بعد الرئاستين، في أيار القادم.
قانون الانتخاب، بعد كل ما يمارس من ضغوط متنوعة، عنصر مهم في هذه الحملة التي تقودها واشنطن. العملية الانتخابية تلك، هي محطة لإحداث تحوُّل يُراد له أن يكون حاسماً على مستوى التوازنات: لجهة إضعاف وعزل المقاومة وحلفائها.
بعض الذين يخوضون معركة تعديل قانون الانتخابات، يحاولون تعزيز رأيهم بالقول إن «حصرية السلاح» أُقرّت في «اتفاق الطائف»، وإنها تشمل سلاح المقاومة أيضاً، وليس سلاح ميليشيات الحرب الأهلية فقط. هذا ادعاء كاذب ومزوّر للحقيقة.
تضمّن البيان الوزاري لحكومة «الطائف» الأولى النص الحاسم الآتي: «الحكومة لن تألو جهداً في العمل على تحرير الأرض من الاحتلال الإسرائيلي... بكل الوسائل المتاحة ولا سيما دعم المقاومة الباسلة...»! ثم إن على من يستشهد بـ«الطائف» أن يكون موافقاً على بنوده. وإذ إن الكلام يتناول هنا قانون الانتخاب، فالأحرى بالمتذرعين بـ«الطائف»، وخصوصاً من مدعي «التغيير» ومن دعاة تطبيق كل بنود الدستور، المطالبة بتعديل يستند أساساً إلى مواده ذات الصلة.
مقدمة الدستور تنص على أن «إلغاء الطائفية السياسية هدف وطني أساسي يقتضي العمل على تحقيقه وفقاً لخطة مرحلية» (الفقرة ج منها). المواد 22 و24 و95 تحدّد الآلية الإلزامية بكثير من الوضوح والدقة: عبر مراحل تمتدّ على سنوات وليس على عقود مفتوحة كما هو الوضع الراهن!
ما يجري حالياً هو لعبة انتخابية للاستفادة من تصنيف حزب الله «إرهابياً» في عدد من الدول الغربية والخليجية لجعل الصوت الفاعل والمؤثر في التوازنات، هو الصوت المؤيد للقوى المعادية للمقاومة والمتعاونة مع واشنطن والمؤيدة لنزع السلاح وللسلام مع العدو وفقاً لشروطه في لبنان والمنطقة! هؤلاء أبعد ما يكونون عن أي إصلاح حتى ذلك المتواضع المبثوث في بنود الدستور اللبناني بعد تسوية «الطائف» لعام 1989 وأهمها، طبعاً، بند تحرير الإدارة من القيد الطائفي، واستحداث «مجلس شيوخ» معبِّر عن الهواجس الطائفية في «الشؤون المصيرية» (المادة 22 دستور).
طبعاً لا يمكن إلقاء المسؤولية على جهة واحدة، بشأن مخالفة الدستور والتنكّر للبنود الإصلاحية، وخصوصاً في ما يتعلّق بـ«الهدف الوطني» الأساسي بإلغاء الطائفية السياسية. لولا استثناء نادر لجاز القول: ليس هناك بريء واحد من «دم هذا الصديق». كان الأمر كذلك ولا يزال بالنسبة إلى البند الإصلاحي الأساسي الذي يتناول تكوين السلطة. والتكوين هو الأساس في بناء هياكل السلطة وآليات عملها!
يُضاف إلى القوى «التقليدية» التي عطَّلت الإصلاح، بعض من ركبوا موجة «التغيير» كما أسلفنا. هؤلاء اتخذوا من التسمية كنية لهم، بينما هم، واقعاً، أدوات للقوى الخارجية التي صادرت وشوَّهت انتفاضة 17 تشرين الشعبية، ولاحقتها بالتسييس وبتحميل مسؤولية النهب الشامل والفساد غير المسبوق، لسلاح المقاومة ضد العدو الصهيوني!
تبرز في سياق استغلال نتائج الصراع الضاري الذي بدأ في انتفاضة غزة في 7 أكتوبر 2023، محاولات لتثمير العدوانية الإسرائيلية المدعومة من واشنطن وبعض دول الخليج، عبر تكرار ما حصل عام 1982! مَن أحقّ من قائد «القوات» الحالي، بـ«شرف» ركوب دبابة إسرائيلية إلى قصر بعبدا؟! «قميص عثمان» الجديد هو انتخاب المغتربين.
طبعاً المغترب اللبناني بحكم الاغتراب، والقوانين اللبنانية، ليس ضمن البنية الإدارية الضرائبية كما هو الأمر في معظم الدول التي تتيح، بل تفرض، انتخاب كل من يحمل هويتها أينما كان. ثم إن المغترب اللبناني حتى في الدول التي لا يصنَّف فيها مؤيدو المقاومة «إرهابيين»، ممنوع الآن، حتى من إرسال الأموال لمساعدة ذويه في إعادة الإعمار (حتى جزئياً) المربوطة كلياً، من القريب قبل الغريب، بنزع سلاح المقاومة.
في امتداد كل ذلك، من البديهي القول إن حقوق أكثرية اللبنانيين ستكون مهدورة، مبدئياً، في الانتخابات القادمة كما كانت في سابقاتها منذ «الطائف» إلى اليوم. الخلل الأفدح تمثّل، مذاك، في مخالفة الدستور، وفي التمييز والنهب المفروضين عبر «البلطجة» الطوائفية التحاصصية. وهو يتمثّل اليوم في محاولة توظيف العدوان الصهيوني المتعارض، مبدئياً، مع مصلحة كل لبنان، ضد فئة منهم هي الأكثر تقديماً للتضحيات!
الإصلاح الجذري ورشة وطنية كبيرة وانعطافية. وهي لا تنطوي، حتماً، على «فرصة للبنان»، عبر تغيير التوازنات لمصلحة الجهات الأكثر عنصريةً وارتباطاً بالمشروع الأميركي الصهيوني. العكس هو الصحيح بالتأكيد!
* كاتب وسياسي لبناني
