من القضية إلى المشروع

اليوم، وبعد ما يقارب عامين من الإبادة في فلسطين التي يرتكبها الجيش الصهيوني، كان لزاماً علينا كفلسطينيين أن نخرج من رد الفعل إلى الفعل ذاته. فبعد كل هذا الالتفاف العالمي الشعبي حول القضية الفلسطينية كمفهوم يمايز بين الحق والباطل، لا بد أن نخرج كفلسطينيين للعالم بمشروع وطني حقيقي فاعل على أرض الواقع. هذا الأمر الذي يجعلنا بالضرورة ممسكين بزمام الأمور، وتجييرها لمصلحة الشعب الفلسطيني في أرضه الممتدة من النهر إلى البحر.
في هذا المقال، لست بصدد مناقشة فشل المشروع الوطني الفلسطيني الذي تبنّته منظمة التحرير الفلسطينيّة بعد الاعتراف بالنقاط العشر عام 1974. وهو المشروع الذي يجيب عن تساؤلات الحركة الصهيونية ويُخرجها من أزماتها التاريخيّة أمام العالم ويسدل الستار على جريمة النكبة الفلسطينية التي ارتكبتها العصابات الصهيونية عام 1948.
ما أنا بصدده، تحليل الواقع الجديد، كي يكون صوتي دعوة إلى تبنّي مشروع فلسطيني قائم على الحق الفلسطيني، لا مشروع قائم على فكرة مرحلية سقفها لا يلبّي طموحات الشعب الفلسطيني.
هذا الصوت، يخرج اليوم، داعياً كل أحرار العالم للالتفاف حوله حتى يكون هناك فعل حقيقي على أرض الواقع، يتجاوز الأزمة الراهنة والمنعطف الخطير الذي تمر به القضية الفلسطينيّة.
من القيمة إلى الفعل: هل يجب تحويل القضيّة إلى مشروع؟ لعل هذا السؤال المشروع هو السؤال الذي يلخّص فكرة المقال الأوليّة. فبعد فشل المشروع الأول والذي تجاوز فشله المدى الكافي لنجعله في طي النسيان، يجب علينا كفلسطينيين أحرار أن نطرح مشروعنا الوطني الذي يمتد من النهر إلى البحر، بحيث يكون الكل الفلسطيني فاعل في هذا المشروع، من دون تجاوز فكرة إشراك أحرار العالم في هذا المشروع الذي يتجاوز الكلاسيكيات الثورية في عالم يتطوّر، لا يعتمد على طريقة كفاح واحدة. بل يعتمد على كل الطرق الكفاحيّة بداية، من الكفاح المسلّح الذي يكون ضد الجيش الصهيوني وعصاباته، وليس نهاية بمطاردة المجرمين حول العالم ومحاكمتهم.
اليوم، الالتفاف العالمي يجب أن يُستثمر فلسطينياً لخلق واقع جديد. بحيث يتحوّل الحق من فكرة قيمية معنوية إلى مشروع تحرري واقعي يُشارك به الكل. ولكن كيف يتم هذا الأمر؟ خصوصاً بعد إنهاء فكرة التحرر الوطني لمصلحة فكرة التعايش مع الاحتلال بأفضل حال قد يصل إلى الفلسطينيين.
في وجهة نظري المتواضعة، يبدأ الأمر من تحديد الأولويات الفلسطينيّة، الأولويات الجامعة للكل والتي تتجاوز المصالح المشتركة بين طبقة الكومبرادور الفلسطينية المرتبطة بالاحتلال، ويتم محاكمة هذه الطبقة تاريخياً، ثم طرح مشروع اجتماعي موحّد للفلسطينيين بحيث يكون قائماً على العدالة الاجتماعيّة ومنصفاً للجميع، بغض النظر عن اللون السياسي، بحيث يكون مشروعاً مضاداً لأي مشروع يُفرض على الفلسطينيين بأي شكل كان، سواء كان بعوامل خارجيّة أو داخلية تتبع طبقات منفصلة عن الشعب بالعموم.
وبالتزامن يأتي مشروع ثقافي حقيقي تُستثمر فيه السردية الفلسطينيّة لتستطيع أن تكون منتجاً فكرياً لا يتم الاستغناء عنه، هذه السردية الثقافية ركيزة أساسية لا يتم تجاوزها تحت أي شكل من الأشكال. ولنا العبرة في تجاوز سرديتنا التاريخيّة التي أدت إلى تشرذم في الواقع وتقسيم الهم الفلسطيني مناطقياً الذي تم استثماره من قبل الاحتلال لإثارة النعرات المناطقية والطائفيّة. وفي النهاية، يأتي المشروع السياسي الواضح، مشروع سياسي من النهر إلى البحر، بحيث يتم استغلال الفواعل السياسيّة التي تشكّلت من بين الجماهير ليتم قيادته من طبقة وطنية تعبر بشكل قاطع عن هذا المشروع بشكل لا مواربة فيه.
ماهيّة المشروع السياسي، رفع السقف الحالي: إن المشروع الحالي، القائم داخل أروقة منظمة التحرير الفلسطينيّة يدعو إلى كيان فلسطيني على حدود حزيران 1967، هذا المشروع بكل السوء الذي نراه في يومنا هذا، قائم على إعطاء حق الوجود لكيان الحركة الصهيونية على أكثر من 70 في المئة من أرض فلسطين التاريخيّة. بحيث لا يعطي أكثر من نصف الشعب الفلسطيني فرصة لأن يكونوا فلسطينيين من الأساس.
هذا المشروع، يجب صياغة مشروع مضاد له، يضمن الحق التاريخي للفلسطينيين، ومن أراد أن يبقى من اليهود المناهضين للصهيونيّة الذين عاشوا داخل حدود فلسطين التاريخيّة. مع الأخذ في الحسبان بأن هذه الدولة، ترفض الأساس الفكري الصهيوني، وتحاكم أي محاولة لإعادة إنتاج الفكر الصهيوني وتحاربه بين الأمم كما يتم محاربة الفكر النازي اليوم.
هذا المشروع، يحاور الحق التاريخي الفلسطيني ويضع النقاط على الحروف، حتى المشاريع المشابهة التي كانت تتبناها منظمة التحرير الفلسطينيّة في وقت سابق وتم تهميشها لمصلحة مشروع «الدولة» الفلسطينيّة لا تفي بالغرض هذا اليوم، فنحن في عالم متطور ويتطور، ويجب علينا مواكبة هذا التطور بطرح جديد يؤمن بالحق الفلسطيني ويحوله إلى مشروع يتم العمل به. وعودة على ذي بدء، إن الخروج من الأزمة الراهنة والمتدحرجة في فلسطين، هو الحاجة الماسّة إلينا كفلسطينيين، حتى لا تضيع كل هذه التضحيات التاريخية هباءً منثوراً، وما يجب ذكره في النهاية، أنّه كفلسطيني عربي، لا أستطيع الوقوف جانباً منتظراً الحلول التي تجعلني أنا المشكلة لا الحركة الصهيونية بذاتها.
* كاتب فلسطيني/ غزة
