عِلمُنا وعِلمُهم

العلم الحديث غنيّ بالخُرافات. لا أقصد أنه هو نفسه من يُنتج الخرافات -رغم أنه بارعٌ في ذلك ويفعلها كثيراً- ولكنَّ قصدي أن إدراكنا له مُلوّث بالأساطير. واحدة من أعتى هذه الخرافات هي السمة الكونية للعلوم؛ أنّ الأمم والشعوب تختلف في آدابها وثقافاتها وبنية مجتمعاتها، لكنها، أمام المسألة العلمية، تجد نفسها واحدة. لا وجود لفيزياء أوروبية مقابل فيزياء عربية -هكذا يقال- ولا وجود لرياضيات شرقية مقابل رياضيات غربية. العلم أشبه بدينٍ هنا؛ إن لم يكن صالحاً لكل زمان (بوصفه متطوّراً دوماً) فهو صالح لكل مكان، ويستوي أمامه الجميع، لا فضل لعربيٍّ على عجميّ فيه، ولا حتى بالتقوى. المفاضلة الوحيدة هي بالشطارة والجوائز وبراءات الاختراع.
وكما نتحدّث عن النبوءات التي تحقّق نفسها، فالخرافات أيضاً لها موهبة شبيهة، وكثيراً ما تُحوِّل الخرافةُ نفسَها من وهْم في رؤوسنا إلى حقيقة على الأرض، ونكون نحن أساساً وسيلتَها في هذا التحوّل. وعندما يعمّ الوهم القائل بوحدة الفكرة العلمية فالناس يتصرّفون على نحوٍ يجعل من العلم -غصباً وعسفاً- شيئاً واحداً عند الجميع. هذا في الظاهر طبعاً، لأن استنساخ الممارسة العلمية بين أمم مختلفة لا ينتهي عادةً إلى تساوٍ في الصناعة والعسكرة وقدرة الإنتاج ووجوه الإبداع التقني. الاستنساخ -كما نراه اليوم- ينجح غالباً في محاكاة «الجَلَبة» ونسخ الظلال؛ هو قادرٌ على تقليد واجهة المبنى ومعمارية المدخل وطلاء الجدران، أمّا أساسات المبنى وأعمدته الرافعة فقصّة أخرى تماماً.
هناك مثالٌ يمكن تأمّله هنا، ففي المملكة العربية السعودية تتربّع جامعة «كاوست» على رأس التصنيفات المحلية والعربية، تحديداً في مجالات الهندسة والتقنية. وعلى مستوىً عالمي، تُصنّف الجامعة المذكورة في المرتبة التسعين في مضمار الهندسات (تصنيف كيو-إس العالمي). أمّا في إسرائيل، فالجامعة الأولى هندسياً هي «التخنيون» وتصنيفها العالمي -لهذا العام- هو 416. في المبدأ، ينبغي أن يُعَدّ هذا انتصاراً سعودياً مدويّاً على دولة الكيان.
لكن كيف يُترجَم هذا التفوّق العلمي على الأرض؟ بوسعنا الاعتماد على معيار مُتخيّل وعنيف بعض الشيء: لو أرادت إسرائيل -مثلاً- غزو المملكة السعودية، فكم يوماً (أو ساعةً) تستطيع القوة العسكرية السعودية أن تصمد؟ وفي المقابل، إذا تخيّلنا العكس (أعلم صعوبة الأمر، لكن فلنحاول)، فكيف سيمضي الهجوم السعودي على حدود إسرائيل؟ أتحرّج من تسمية ما سلف بالتجربة الذهنية لأن نتيجتها أوضح من أن تستوجب تجربةً من الأساس. لكنّ الأمر دالٌّ في المعنى الفعلي على التقدّم العلمي، المعنى الذي تتحوّل فيه العلوم إلى قوة على الأرض، لا إلى دعايةٍ على الورق والشاشات.
والأمثلة لا تقف هنا. يكفي أن تسأل نفسك (أو تسأل مُطّلعاً على الأمر): متى نُشر كتاب عربي في الفيزياء لا يَنسج في بنيته وأولوياته وتسلسله على مثال غربي مستقرّ؟ غاية المنتهى لدينا أن نحوّل أسئلة التفاحات الساقطة عن ناطحات السحاب إلى تلك الساقطة عن مآذن الجوامع، أو نحوّل حساب زاوية انكسار الضوء عن كأس النبيذ إلى حسابها عن جِرَار الزيت وأقداح العصائر، أو نبدّل صورة راقصة الباليه في مسائل الزخم الزاوي بصورة الدرويش وهو يؤدّي رقصة صوفية. هذا سقف التعريب و»التبيئة» بحسب المصطلح الثقيل (الذي هو أيضاً مصطلح مستورد).
هل تجرّأت واحدة مِن جامعاتنا على استحداث تخصّص تحت عنوان «هندسة حفر الأنفاق بالتقنيات البدائية» أو «علم التخفّي عن الرصد الجوي» أو «الهندسة العكسية»؟ قد يقول قائل: هذه مسائل عسكرية ولا يمكن التعاطي بها على هذا النحو. حسناً. دعوكم من العسكريات ومسائلها. أين تخصّص «هندسة البدائل الكهربائية ضمن الشبكات الكهربية المتهالكة»، أو «تقنيات القرصنة الفاعلة للبرمجيات الغربية الباهظة»؟ مجرد الاقتراح سيثير استنكار البعض، وسيُضحك آخرين، وكلاهما مؤشر بليغ إلى عبوديتنا المقنّعة للفكرة الغربية عن العلوم.
إن الكونية التي يزعمونها للعلم تؤاتي من يعيشون ظروفاً غير ظروفنا، وعندما يشتد البلاء، وتصل النصال إلى الأعناق، فالعلم مسألة شخصية جداً ولا معنى له خارج النجدة التي يستطيع أن يوفّرها لمريديه ومجتمعاتهم
في شكله العام، الموضوع ليس جديداً. كثير من رواد العلوم الإنسانية يخوضون هذه المعركة منذ سنين ويسعون لرفع بصمة الهيمنة الغربية عن مبادئهم البحثية وافتراضاتها الكامنة. لكن الحكاية مختلفة جداً في العلوم الطبيعية ويصعب أن تجد مجهوداً شبيهاً بهذا الاتجاه. أمور غريبة تحصل هنا. بوسعنا -مثلاً- أن نسرد جمهرة أسماء عربية في جامعات أوروبية وأميركية ضبط أصحابها بوصلة أعمالهم البحثية كيما تتقاطع مع قضايا بلدانهم الأصلية، ويسهموا بذلك في رفدها حتى وهُم خلف بحارٍ ومحيطات. لكن تعالَ الآن وحاول أن تجد جمهرة شبيهة في سياقات تقنية وفيزيائية وهندسية. أين الفيزيائي الرديف لإدوارد سعيد، وأين الكيميائي المعادِل لوائل حلاق، وأين خبير الرياضيات التطبيقية المكافِئ لجوزيف مسعد؟
يستحق هذا الكلام أن يقال على مقربة من نوبل وجائزتها. فهذه هي المرة الثانية التي يفوز فيها «عربي» بأحد الفروع العلمية لهذا التكريم الأوروبي الشهير. ومن اللافت أن الحالتين حصلتا في مجال الكيمياء. الكتابة في هذا الموضوع تحتاج إلى قدر من الحذر لأن أرشيفنا العربي أرشيفٌ مُتخمٌ هنا. وعندما ترى ذات الكلام يعاد في ذات المواقف وعلى ذات المواضيع فالأمر يصبح شاهداً على ألزهايمر حضاري: الكل يدور في حلقة مغلقة، نصفها نسيان ونصفها تكرار، ولا تقدّم فيها لأن البداية والنهاية شيء واحد.
لذلك سأضع جانباً سيرة الفائز والخيط الإسرائيلي في تاريخه، فالكل بات يعرف «فكرة» هذه الجوائز والمستلزم السياسي للظفر بها عربياً. والكلام التالي ليس من باب الاحتجاج ولا التبرّم، فالجائزة في نهاية المطاف (وبداية المطاف) جائزة أوروبية ومن البائس أن يحتدّ واحدٌ منا على معايير منحها أو يشتاط غضباً لظلم في نتائجها. وكل امتعاض وكل احتجاج من هذه الفئة لهما منشأ طفولي لأن صاحبهما صدّق خرافة «الجائزة الدولية».
هناك قصة قديمة تستحقّ أن تُذكر هنا. عام 1918، حصل توتر أوروبي مع فوز ألماني يُدعى فريتز هابر بجائزة نوبل في الكيمياء. وقد حازها الرجل لاختراعه آلَة صناعية لإنتاج السماد من الهواء (حرفياً): يدخل الهواء من يمين الآلة، ثم يتلوه شيء من فحم وشيء من ماء وشيء من حديد، فيخرج سماداً على يسار الآلة. وعلى قدر ما تبدو العبارة غريبة بحق (إنتاج السماد من الهواء)، فقد غيّرت هذه الآلَة العالَمَ بأسره، وسمحت للبشر أن «يعجنوا الريح» ويجعلوا من الهواء مخبزاً مفتوحاً. ويمكن القول إن تاريخ الزراعة تغيّر بفضل هذه الفكرة المدهشة. لكنَّ السيد هابر لم يستلّ خبزاً من الهواء وحسب، فقد استلّ معه السلاح أيضاً، وتحوّلت فكرته في إنتاج الأمونيا هوائياً إلى مصدر أثير في صناعة المتفجّرات.
ولم ينطفئ ذكاء الرجل بعد إنجازه السمادي هذا، فمع اندلاع الحرب العالمية الأولى تفتّق ذهنه عن المزيد، وقاد شخصياً تطوير أسلحة ألمانيا الكيميائية، ولعب الدور الأساس في أول هجوم كيميائي واسع في التاريخ باستخدام غاز الكلورين، ونجح عبره في إبادة الآلاف، ودشّن بذلك لعهد جديد من شناعات الحروب المعاصرة. وعليه، فليس غريباً أن يثير فوزه ما أثار وقتها، فكيف تُمنح جائزة، دافعُها المعلن هو ترسيخ السلم العالمي، لعَلَمٍ من أعلام الإبادة الغازية، ورجلٍ يمكن تلقيبه عربياً «أبو فريتز الكيماوي».
لكنّ الشاهد في هذه القصة يتعلق بما قاله هابر عن سيرته التي تجمع الإسهام المدني بالإسهام العسكري، إذ كتب وقتها قائلاً: «في زمن السلم، يعمل العالِم للدنيا بأسرها. أما في الحرب، فأنا أعمل لبلدي». ربما تنبع بساطة العبارة -وبلاغتها- من الصدق الذي فيها. إن الكونية التي يزعمونها للعلم تؤاتي من يعيشون ظروفاً غير ظروفنا، وعندما يشتد البلاء، وتصل النصال إلى الأعناق، فالعلم مسألة شخصية جداً ولا معنى له خارج النجدة التي يستطيع أن يوفّرها لمريديه ومجتمعاتهم.
إن كان في فوز البروفيسور عمر ياغي بجائزة نوبل في مضمار الكيمياء أمرٌ يستحقّ الانتباه فهو موضوع إنجازه العلمي: بناء كتل معدنية بهيئة الإسفنج، تكتنز تجويفات غزيرة تسمح لها أن تمارس حيلاً شتى بحسب الحاجة. وأكثر التطبيقات التي تُطرح في هذا السياق، تخص امتصاص الانبعاثات الكربونية وخزن مواد كيميائية وتطوير مجسّات متقدّمة. كيف يرتبط أيٌّ من هذا بالمأزق الوجودي الذي يحيط المنطقة العربية حالياً؟ من نافل القول أن الرجل ليس موكَلاً بحل المأزق الوجودي للأمة العربية عبر بحوثه الكيميائية (بافتراض أن شيئاً كهذا ممكن أصلاً)، لكنّ التساؤل عن مدى ارتباط عمله بالحاجة العربية، سؤال مشروع لمن يحاول تقديمَ ما جرى بوصفه «إنجازاً عربياً».
والواقع أن إنجازه -المُبهِر حقاً- هو إنجازه الشخصي أولاً، وإنجاز مؤسسته الأميركية، وبهذا فالمسألة حقاً لا تخصّنا، ومصادفات الميلاد التي حكمت للرجل أن يولد في منطقتنا هي ما هي: مصادفات ميلاد. وأمر جائزته ينتهي هنا، لنعود ونواجه أنفسنا من جديد بالسؤال الذي يضجّ طلباً للجواب: أين معرفتنا التي تخصّنا؟ وأين العلم الأسمر الذي تشبه أسئلتُه مشاكلَنا، وتحاكي مواضيعُه هذه الأهوال التي نشهدها؟
* كاتب فلسطيني
