من ديكارت إلى غريتا تونبرغ: كيف صنع النمو الدائم أزمة المناخ

يزعجني القول الشهير للفيلسوف الفرنسي رينيه ديكارت «أنا أفكّر، إذاً أنا موجود». كنت في صغري أتساءل: الكرسي لا يفكّر، هل هذا يعني أن الكرسي غير موجود؟ أعلم الآن أن ديكارت يقصد أن الوعي أو الإدراك هو ما يكوّن الذات لا الجسد، لكني لم أفهم مراميه من ذلك القول تماماً، إلى أن قرأت كتاب الأكاديمي والأنثروبولوجي الاقتصادي جايسون هِكِل «أقل يعني أكثر: كيف سينقذ عكس النمو العالم» (الصادر عام 2020) وكلمة عكس هنا تأتي كفعل وليس كاسم (degrowth).
يشرح هِكِل أن ديكارت كان من أبرز المروّجين لنظرية الثنائية: بين الطبيعة والإنسان (dualist theory). وهي النظرية التي اعتبرت البشر منفصلين ومتفوقين على العالم الطبيعي. هذا الفصل مهّد لفكرة أحقية الإنسان في السيطرة على الطبيعة واستغلال كائناتها ومواردها. هذه النظرية، بحسب هِكِل، تناقض طريقة التفكير التي درج عليها البشر في القسم الغالب من التاريخ البشري، والتي ترى أن الإنسان جزء من شبكة الحياة لا كائن فوقها (animist theory).
يعتبر هِكِل أن سيادة الثنائية في عصر التنوير، بدفع من الكنيسة ورأس المال الناشئ، شكَّلت الأساس الفلسفي للنظام الرأسمالي الحديث الذي يعتمد بشكل رئيسي على استعباد الطبيعة والبشر. هِكِل يذهب أبعد من ذلك فيعتبر أن هذه النظرية كانت من التأثير بحيث أنها «أعادت برمجة البشر فصاروا ينظرون إلى الإنتاجية كسلوك فطري، وإلى الكسل كرذيلة... وأنه منذ ذلك الحين، جُرّد العمل من سمات المتعة والموهبة والبراعة».
ليس كتاب هِكِل فلسفياً، بل هو كتاب عن أزمة المناخ، لكن أهميته تكمن في أنه يقدّم سياقاً تاريخياً لهذا الخطر الوجودي رابطاً بين النظريات الفلسفية والاقتصادية ببراعة لافتة. جوهر الكتاب هو علاقة الرأسمالية، أو بشكل أدق، علاقة النمو الدائم بالكارثة البيئية.
يخصّص هِكِل فصلاً كاملاً لتفكيك نشأة الرأسمالية، مؤكداً أنها لم تنشأ طبيعياً ولا هي نتاج طبيعتنا البشرية، بل نتاج عملية عنف وتاريخ من الاستعمار والنهب المنظم والمجازر والعبودية والإفقار والمجاعات المصطنعة. يؤكد هِكِل أن جوهر الرأسمالية هو النمو المستمر وليس التجارة والأسواق التي كانت مزدهرة قبل الرأسمالية بآلاف السنين. أمّا الرأسمالية فلم تظهر سوى في الخمسمئة عام الأخيرة.
يربط هِكِل بين نمو الناتج المحلي الإجمالي والانهيار البيئي، موضحاً أنّ الحديث عن النمو لا يفرّق بين نمو مدفوع بإنتاج السلع ذات التأثير المدمّر مثل الأسلحة والطائرات الخاصّة أو نمو مدفوع بإنتاج ضروري مثل الطاقة البديلة أو الرعاية الصحية على سبيل المثال. وهو يرى أن الدول تحتاج إلى النمو لكنه يضيف أنّ هناك حدّاً معيّناً يصبح بعده النمو أداة لتراكم رأس المال فقط لا لتحسين حياة البشر.
يشبِّه هِكِل الرأسمالية بالخلايا السرطانية، بما هي نظام يعيش على شرط النمو المستمر ومن دون أفق. لذلك، يقول إنه حتى في حال انتقلت الرأسمالية بشكل كامل نحو الطاقة النظيفة (رأسمالية خضراء)، فإنّ هوسها بالنمو سيستمرّ بدفعنا نحو انهيار الأنظمة البيئية. فالطاقة النظيفة قد تحدّ من الانبعاثات ولكنها لا تعالج مسائل تدمير الغابات وتحمض المحيطات واستنزاف التربة والانقراض الجماعي وتراجع الثروة البحرية.
كتاب هِكِل ليس موجّهاً للمتخصصين، بل يبدو مثالياً لقارئ عام، أو لشخص مثلي يتأرجح بين القلق على مصير أولاده على هذا الكوكب من بعده وعقدة ذنب من أنه لا يفعل ما يكفي لدرء هذا المصير عنهم. فباستثناء تفانٍ في إعادة التدوير بشكل مرضي أحياناً، فإن اهتمامي بالموضوع البيئي وإلمامي به كان سطحياً حتى وقت قريب، ولم يشغلني الموضوع بالدرجة ذاتها التي تشغلني عادة المسائل العامة.
لكن غريتا تونبرغ التي تصغرني بعشرات السنين كانت قد وعت باكراً إلى أنّ أزمة المناخ ليست مجرّد مسألة بيئية بل هي نتاج أنظمة تاريخية من الاستغلال وعدم المساواة. تقول تونبرغ إنه لا يمكن أن يكون هناك عدالة مناخية من دون عدالة اجتماعية، وتضيف متحدّثة عن الإبادة في غزة، بغض النظر عن سبب المعاناة، سواء كان ثاني أكسيد الكربون أو القنابل أو القمع أو أي شكل آخر من أشكال العنف، علينا أن نقف في وجه مصدر تلك المعاناة.
أواظب منذ سنوات على إعادة تدوير النفايات المنزلية بجدّية وتفانٍ كبيرين حتى بتّ كمن يحرص على ترتيب النفايات كي تبدو أنيقة ومرتبة أكثر منه حمايةً للبيئة. وقد عوَّدت ولديّ على ذلك فصارا يقومان بفصل النفايات البلاستيكية عن تلك العضوية والورقية والزجاجية بحرص شديد أيضاً. إيماني بعملية إعادة التدوير جعلني أشتري المنتجات المغلفة بعبوات بلاستيكية براحة ضمير أكبر، فما الضير من ذلك إن كنت أقوم بإعادة تدويرها؟ بعد دفاعي الشرس عن إعادة التدوير، توسّع اهتمامي بإراحة نفسي من الذنب، ورحت أحاضر بالبصمة الكربونية.
ثم اكتشفت أنني ضحية خديعة كبرى: مصطلح البصمة الكربونية، التي تقيس الأثر البيئي لكل فرد منّا، ظهرت للمرة الأولى في حملة تسويقية لشركة النفط والغاز البريطانية «بريتيش بتروليوم»، لدفع المسؤولية عن شركات الوقود ورميها بدلاً من ذلك على الأفراد، وقد نجحت في ذلك إلى حد بعيد.
جرأة هِكِل تكمن في دحض أسطورة النمو التي يكاد يكون مجرّد نقاشها كسراً للمحرّمات في الثقافة المهيمنة. استنتاجه قاطع: لا خلاص للبشرية من التهديد البيئي إلا بالتخلّي عن الرأسمالية أي في كبح النمو اللامتناهي
كتاب هِكِل يعيد تحديد المسؤوليات بالأرقام والحقائق، حتى بدا لي بعد أن أنهيت قراءته أننا في عملية إعادة التدوير حتى على نطاق جماعي واسع، كمن يجفّف مدينة غمرتها السيول باستخدام غطاء عبوة مياه، بينما يستمرّ المطر بالهطول بغزارة. يقول هِكِل إن «الاتحاد الأوروبي أعجب بإعادة التدوير ليس سوى لأنه رأى فيها خطة مثالية لإنقاذ الرأسمالية».
ليست هذه دعوة للتخلّي عن التدوير، فأنا لا زلت أواظب عليه بسبب العادة ربما، لكن إن كان من مسؤولية على الأفراد فهي في فهم مخاطر الرأسمالية وبالأخص، بحسب هِكِل، ارتباط ذلك بالترويج المفرط لأهمية النمو المستدام. قبل أيام فقط، حذّر صندوق النقد الدولي من تباطؤ النمو العالمي من ٣،٣% في عام 2024 إلى 3،2 في العام الحالي (مع أنه لا يزال نمواً إيجابياً).
يشير هِكِل إلى أن دول الشمال مسؤولة عن أزمة المناخ والأضرار الناتجة منها بنسبة 92% فيما لم تتخطَ دول الجنوب حدود الانبعاثات المسموح بها عالمياً، ومع ذلك فإنّ دول الجنوب وشعوبها هي التي تدفع الثمن إذ «تتحمّل 82% من كلفة الضرر المناخي وهي نسبة مرشحة للوصول إلى 92% بحلول عام 2030». يعتبر هِكِل هذا الأمر بمنزلة جريمة ضد الإنسانية. وبما أن 1% من أغنى أغنياء العالم يستحوذون على ربع مجموع الناتج العالمي، يعني أن قيمة عمل باقي البشر يذهب لجعل الأثرياء أكثر ثراءً. بمعنى آخر، لا يكفي أننا نقوم بتدمير الأنظمة البيئية بل نقوم بذلك كرمى لعيون حفنة من أصحاب المليارات.
رغم أن تكرار بعض الأفكار مقصود ربما للتدليل على أننا أمام خطر وجودي حقيقي، يوازن الكاتب بين نبرة التحذير والإلحاح من جهة والأمل بإمكانية التغيير من جهة أخرى. يحذّر من أنّ ارتفاع حرارة الأرض بدرجة مئوية واحدة عن مستويات ما قبل الثورة الصناعية، أدّى إلى انقراض أنواع حيوانية وبحرية لا تحصى وإلى أعاصير وفيضانات وجفاف وحروب ونزوح جماعي.
وإذا استمر المسار الحالي، قد ترتفع الحرارة بنحو أربعة درجات بحلول نهاية القرن، وهو سيناريو كارثي. ويضيف أننا حتى لو حققنا هدف اتفاقية باريس للمناخ الهادفة إلى عدم تخطي ازدياد درجات الحرارة الدرجتين كحد أقصى، ففي مثل هذه السيناريوهات، ستختفي دول بأكملها، وتطمر المياه مدناً كنيويورك وريو دي جانيرو، وتتحوّل دول مثل إسبانيا وإيطاليا واليونان إلى صحاري ويغرق الشرق الأوسط في جفاف دائم.
يفرد هِكِل قسماً من كتابه لدحض النظريات التي تقول إن التقدّم التكنولوجي قادر على إنقاذنا ثم يعود ليؤكد بأننا حتى لو افترضنا أفضل السيناريوهات فنحن نقامر بحياة الأرض والبشر من دون ضمانات. مع ذلك، أليس من المفارقة أن جائزة نوبل للاقتصاد مُنحت أخيراً لثلاثة اقتصاديين مكافأة «لشرحهم كيف يُمكن للتقنيات الجديدة أن تُحفّز النمو المُستدام»؟ لكن لا غرابة، فالهولندي جويل موكير الذي حاز على نصف الجائزة، يعلّم في إحدى الجامعات الإسرائيلية في تل أبيب.
جرأة هِكِل تكمن في دحض أسطورة النمو التي يكاد يكون مجرّد نقاشها كسراً للمحرّمات في الثقافة المهيمنة. استنتاجه قاطع: لا خلاص للبشرية من التهديد البيئي إلا بالتخلّي عن الرأسمالية أي في كبح النمو اللامتناهي. لكن الكاتب ليس سوداوياً. يسأل: «ماذا لو كان بالإمكان تحسين حياة البشر من دون الحاجة إلى نمو الاقتصاد؟» يشرح بأنه لا يدعو إلى الانكماش، بل إلى تخيّل شكل اقتصاد جديد، لا يدّعي بأنه يمتلك تصوراً كاملاً أو وصفة جاهزة له، لكن يقول إنه ينبغي أن يكون اقتصاداً أكثر عدلاً ورعاية، يضع خدمة الإنسان والتوازن البيئي في مركز اهتمامه ولا يكون النمو أحد شروطه.
في القسم الأخير، يقترح هِكِل ملامح اقتصاد ما بعد الرأسمالية؛ منها إنهاء عملية التعطيل المقصود للمنتجات والحد من الإعلانات والتحوّل من التملّك إلى تشاركية الاستخدام وإنهاء هدر الطعام والحد من الصناعات المدمرة للبيئة مثل صناعة اللحوم (60% من الأراضي الزراعية في العالم تستخدم إمّا لرعي الأبقار أو لزراعة الأعلاف). كما يدعو إلى تقليص الهوة الاجتماعية وفرض ضريبة على الثروة وسقف لاستخراج الموارد وتقليص أسبوع العمل وتوسيع الخدمات الاجتماعية العامة.
يرفض هِكِل الزعم بأن عكس مسار النمو يؤدّي إلى البطالة، مؤكداً أن البطالة هي نتاج لما يسميه «الندرة المصطنعة» التي يخلقها النظام الرأسمالي لإبقاء الناس في دوامة العمل والاستهلاك (وهو في اعتقاد هِكِل لا يختلف كثيراً عن العبودية). يقول هِكِل إنّ القضاء على الرأسمالية يؤدّي إلى الوفرة التي هي -وليس الانكماش- نقيض النمو.
يخلص الكاتب إلى أنّ «عملية التحرّر من النمو الدائم هي في نهاية المطاف عملية تحرّر من الاستعمار». يرسم لنا في ختام كتابه صورة جميلة عن عالم غدٍ متخيّل، تتعافى فيه الأرض، ولا يتمحور حول العمل والاستعباد للشركات الكبرى وأصحاب المليارات، ففي اقتصاد «عكس النمو» يعمل الناس ساعات أقل من دون أن يتأثّر مستوى حياتهم. هو عالم لدينا فيه متّسع من الوقت لنمضيه مع مَن نحبّ وأن نمارس هواياتنا وننمّي مواهبنا ونكتشف ذاتنا.
يذهب هِكِل بعيداً حدّ لوم ديكارت عمّا وصلنا إليه، فيسأل لو بدلاً من أفكار ديكارت انتصرت أفكار سبينوزا المعاكسة هل كنا نواجه اليوم أزمة بيئية؟ لكني أتساءل: ماذا لو تنتصر أفكار غريتا تونبرغ بأن «قواعد اللعبة نفسها يجب أن تتغيّر لكي نغيّر هذا العالم».
* كاتبة لبنانية
