ENsamaha
لبنان
سوريا
فلسطين
عرب
عالم
قضايا وآراء
ثقافة
كاريكاتور
رياضة
حياة وناس
تغطيات
المزيد
عدد اليومكتاب الأخبار كلماتأرشيف الأعدادفيديوصورأرشيف جوزيف سماحةأرشيف أنسي الحاجزياد الرحباني
PDFعدد اليوم

العنف الاستيطاني في الضفّة الغربية: جذور قديمة وواقع متفجّر

قضايا وآراء
|رأي
حفظ المقالة
شهد أبو هلال
شهد أبو هلال
الثلاثاء 4 تشرين الثاني 2025
الخط

منذ أكثر من نصف قرن، شكّل الاستيطان الإسرائيلي في الضفة الغربية أحد أعقد ملفات الصراع، لأنه ركيزة لمشروع السيطرة على الأرض الفلسطينية، لا مجرد خرق للقانون الدولي. بعد السابع من أكتوبر 2023، تصاعد العنف الاستيطاني إلى مستويات غير مسبوقة، وباتت الاعتداءات تجري في وضح النهار بحماية جيش الاحتلال، ما حوّل العنف من ظاهرة متفرّقة إلى موجة منظّمة بأهداف سياسية واضحة.

الجذور التاريخية

بدأت ملامح المشروع الاستيطاني الإسرائيلي في الضفة الغربية منذ عام 1967، حين أقيمت أولى المستوطنات الزراعية في مناطق استراتيجية مثل وادي الأردن والمناطق المحيطة بالقدس. كان الهدف المُعلن في تلك الفترة هو إقامة أحزمة استيطانية تشكّل «خطوط دفاع أمامية»، غير أن الهدف الحقيقي كان ديموغرافياً وجيوسياسياً، يسعى إلى تفتيت الأرض الفلسطينية ومنع قيام دولة متماسكة وفرض وقائع يصعب التراجع عنها.

وبحسب دراسات وتقارير دولية، فقد بلغ عدد المستوطنات مع نهاية السبعينيات نحو 36 مستوطنة، يقطنها آلاف المستوطنين. ومع صعود حزب الليكود إلى الحكم عام 1977، تسارع التوسّع الاستيطاني بشكل كبير، خصوصاً في مناطق التلال الوسطى، مع بناء مستوطنات ضخمة مثل معاليه أدوميم بهدف ربط القدس الشرقية بالكتل الاستيطانية وقطع التواصل الجغرافي الفلسطيني بين مدن الضفة.

لتحقيق هذا الهدف، استخدمت سلطات الاحتلال أدوات قانونية وإدارية؛ إذ أعلنت مساحات شاسعة من الأراضي «أراضي دولة»، ما مكّنها من السيطرة التدريجية على الأراضي الفلسطينية وتقييد البناء الفلسطيني فيها. كانت هذه الإجراءات القانونية جزءاً من سياسة مدروسة تهدف إلى السيطرة على أكبر مساحة ممكنة من الأراضي الفلسطينية، وخلق وقائع ديموغرافية وجغرافية تخدم مشروع الضم الزاحف، وتُضعف فرص أي تسوية سياسية مستقبلية.

السيطرة على الأرض: العنف كأداة

لم يكن المشروع الاستيطاني مجرّد عملية بناء على أرض محتلة، بل كان ولا يزال أداة للهيمنة والسيطرة على الجغرافيا الفلسطينية. ومنذ بداياته، كان العنف جزءاً أصيلاً من هذه المعادلة، يُستخدم لترسيخ الوجود الاستيطاني وتوسيع حدوده، وليس مجرد سلوكٍ عشوائي.
خلال العشرين عاماً الماضية ظهر نمط متكرّر: مجموعات من المستوطنين تقيم بؤراً استيطانية صغيرة في محيط القرى، ثم تتحوّل هذه البؤر إلى مستوطنات ثابتة بدعم رسمي.

اختيرت مواقع هذه البؤر بشكل دقيق لتكون على مفاصل استراتيجية: نقاط مرتفعة تطل على القرى، أو تفصل بين تجمعات فلسطينية متقاربة. هذه المواقع تتيح للمستوطنين فرض واقع جغرافي جديد يحدّ من حرية الحركة الفلسطينية ويُسهّل التمدد الاستيطاني لاحقاً.

أمّا العنف الميداني فقد أصبح أداة مركزية في المشروع؛ إذ وثّقت منظمات حقوقية عديدة منذ مطلع الألفية مئات الاعتداءات: حرق حقول، واقتلاع أشجار زيتون، وسرقة محاصيل، ما يؤكّد أنها استراتيجية منظّمة لا أحداث عرضية.

عام 2015 أقدم مستوطنون على حرق منزل عائلة دوابشة في قرية دوما، ما أدّى إلى مقتل ثلاثة من أفرادها. كانت هذه الجريمة جزءاً من نمط متصاعد من الهجمات العنيفة التي تستهدف خلق بيئة تطرد الفلسطينيين في محيط المستوطنات. وفي قرية بورين، تكرّرت الاعتداءات من مستوطني «يتسهار» تحت حماية قوات الاحتلال، ما أجبر المزارعين على ترك أراضيهم في المناطق القريبة من المستوطنة.

وفي مسافر يطا، أعلنت سلطات الاحتلال مناطق شاسعة «مناطق تدريب عسكري»، ما أدّى إلى تهجير مئات العائلات والتجمعات البدوية منذ نهاية عام 2023 بسبب الاعتداءات وتقييد الوصول إلى مصادر المياه. وبهذا النمط المتكرر: بؤرة استيطانية، يليها تضييق ميداني لتتحوّل إلى مستوطنة رسمية، يصبح العنف تمهيداً لبسط السيطرة الاستيطانية.

التحالف بين دولة الكيان والمستوطنين

تبلور التيار الاستيطاني مع الوقت ليصبح جزءاً لا يتجزّأ من البنية السياسية الإسرائيلية. فالأحزاب اليمينية المتطرفة، التي صعدت منذ التسعينيات، اعتمدت على المستوطنين كقاعدة انتخابية صلبة، فيما خرج كثير من قادة هذه الأحزاب من رحم الحركة الاستيطانية نفسها.
وبحسب تقارير منظمة «ACLED»، فإن ما يقارب نصف الاعتداءات التي نفّذها المستوطنون عام 2023 تمّت بمشاركة أو حماية مباشرة من الجيش الإسرائيلي. العلاقة بين الجيش والمستوطنين تكاملية: الجيش يوفّر الغطاء، والمستوطنون يوسّعون السيطرة الميدانية ليتم تقنينها لاحقاً ما يجعل العنف جزءاً من بنية السيطرة الرسمية وليس تجاوزاً لها.

العنف الاستيطاني بعد 7 أكتوبر

شكّل هجوم السابع من أكتوبر والحرب الأخيرة في غزة لحظة استثنائية أعادت ترتيب أولويات الاحتلال الإسرائيلي. ففي ظل انشغال الجيش في الجنوب، تحرّك المستوطنون في الضفة بحرية أكبر، وارتفعت وتيرة العنف إلى مستويات غير مسبوقة.

وقد شهدت الضفة الغربية خلال السنتين الماضيتين أكثر من 1800 اعتداء نفّذها مستوطنون ضد قرى فلسطينية، بينها عمليات حرق لمنازل ومزارع، واعتداءات مسلحة، وعمليات تهجير قسري للتجمعات البدوية، خصوصاً في المناطق المُصنّفة «ج» والتي تشكّل نحو 60% من مساحة الضفة. ووفقاً لتقارير «هيومن رايتس ووتش» فقد لعب الجيش الإسرائيلي دوراً في أغلب هذه الاعتداءات بمرافقة المستوطنين أو بعدم التدخل لوقفهم.

وقد يبدو هذا التصعيد عشوائياً. إلا أنه جاء متزامناً مع خطط حكومية لتوسيع مستوطنات قائمة، وتثبيت بؤر جديدة، وإغلاق طرق رئيسية تربط شمال الضفة بجنوبها، في خطوة تعيد رسم الجغرافيا.

الأبعاد الاجتماعية والديموغرافية

العنف الاستيطاني لا يغيّر معالم الأرض فقط، بل يعيد تشكيل المجتمع الفلسطيني نفسه. وقد ذكرت تقارير مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (OCHA)، أن تصاعد الاعتداءات قد أدّى إلى نزوح آلاف الفلسطينيين من المناطق الريفية والبدوية، ما أضعف الوجود الفلسطيني في المناطق المفتوحة، وهو ما يتوافق تماماً مع الأهداف الاستيطانية الطويلة المدى.

في مسافر يطا مثلاً، ترافقت الاعتداءات مع هدم منازل وحرمان السكان من المياه، ما أدّى إلى تفريغ المنطقة من قسم كبير من سكانها. وفي بورين، أجبرت الاعتداءات المتكررة على موسم الزيتون المزارعين على التراجع عن أراضيهم. أما في شمال الأغوار، فقد وثّقت الأمم المتحدة تهجيراً كاملاً لتجمعات مثل عين الحلوة، بينما اتسعت مستوطنة معاليه أدوميم في وسط الضفة لتكون ركيزة لمشروع ربطها بالقدس الشرقية.

هذا الضغط الميداني يُترجم إلى تراجع اقتصادي واجتماعي بحيث يؤدّي إلى تقليص مصادر رزق آلاف العائلات ويخلق واقعاً يخدم استراتيجية إسرائيلية بعيدة المدى تهدف إلى تفكيك النسيج الجغرافي والاجتماعي الفلسطيني. فكل بؤرة استيطانية وكل عملية تهجير تُضعف إمكانية قيام دولة فلسطينية متواصلة جغرافياً، وتعزّز فكرة «الضم الزاحف» بحكم الأمر الواقع.

الضفة إلى أين؟

مع تصاعد موجات العنف الاستيطاني، تتجه الضفة الغربية إلى مرحلة حاسمة. المستقبل مرهون بتفاعل عدة عوامل: طبيعة الحكومة الإسرائيلية، شكل الرد الفلسطيني، ومستوى الضغوط الدولية. ورغم أن الاحتمالات متعدّدة، إلا أن ثلاثة سيناريوهات رئيسية تبدو الأكثر واقعية على المدى القريب:

1. استمرار التصعيد وتثبيت السيطرة الميدانية: هذا السيناريو هو الأقرب إلى الحدوث في ظل الحكومة الإسرائيلية الحالية والدعم السياسي القوي للمستوطنين، إذ سيؤدّي التوسّع الاستيطاني بالضرورة إلى تهجير تدريجي للفلسطينيين، وتراجع النشاط الزراعي، وتفكيك البنية الاجتماعية في المناطق الريفية. هذا السيناريو يخدم أهداف المشروع الاستيطاني الطويلة المدى.

2. تهدئة تكتيكية: قد تتدخّل ضغوط دولية لدفع إسرائيل إلى ضبط مؤقّت لسلوك المستوطنين عبر إجراءات شكلية، كحظر بعض البؤر مؤقّتاً أو تفعيل جزئي لإنفاذ القانون. قد تخفّف التهدئة من حدة العنف مؤقّتاً، لكنها لا تغيّر من جوهر المشروع الاستيطاني. تاريخياً، استُخدمت مثل هذه الفترات لإعادة ترتيب أدوات السيطرة، لا للتراجع عنها.

3. تصاعد المقاومة الشعبية: قد تؤدّي موجات العنف المتزايدة إلى تصاعد المقاومة الشعبية، عبر لجان محلية، أو احتجاجات جماعية، أو أشكال أخرى أكثر تنظيماً. وقد يعيد هذا فرض الوجود الفلسطيني ويؤخّر بعض مشاريع التوسّع، لكنه في المقابل قد يدفع الاحتلال إلى مزيد من القمع ويزيد من حدة التوتر الأمني.

الضفة الغربية تقف اليوم عند مفترق طرق. فاستمرار التصعيد يعني تكريس الضم الزاحف، فيما التهدئة التكتيكية لا تقدّم حلولاً حقيقية. أمّا المقاومة الشعبية، فمفتوحة على فرص ومخاطر في آنٍ واحد: فرصة للحفاظ على ما تبقّى من الأرض والهوية، وخطر التصعيد الذي قد يضاعف المعاناة الإنسانية. وفي ظل تردّد المجتمع الدولي في اتخاذ مواقف ملزمة، وتجاهل كلي من الأنظمة العربية يتحوّل الاستيطان إلى واقع ميداني مفروض.

في مواجهة الجرّافة والمستوطن، لا يملك الفلسطينيون سوى الذاكرة التي يحاول المشروع الاستيطاني محوها. والضفة الغربية اليوم ميدان يُرسم فيه مستقبل القضية بين من يفرض الوقائع ومن يحاول الدفاع عما تبقّى منها.

* كاتبة فلسطينية

الأكثر قراءة

لبناننصار يقطع طريق بعبدا على غانم؟
الأخبار

24.08.2026

لبناناحفظوا هذا الاسم: معاوية أبو عرب!
الأخبار

24.08.2026

لبنانإجراءات جديدة في مطارَيْ بيروت ودمشق
الأخبار

24.08.2026

آسيامحاولة باكستانية لتدارك التصعيد: إيران تلوّح بـ«القنبلة»
محمد خواجوئي

24.08.2026

banner بنك عودةbanner بنك عودة
  • من نحن
  • وظائف شاغرة
  • اتصل بنا
  • للإعلان معنا
  • اشترك معنا

محتوى موقع «الأخبار» متوفر تحت رخصة المشاع الإبداعي 4.0 2026©

يتوجب نسب المقال إلى «الأخبار» - يحظر استخدام العمل لأغراض تجارية - يُحظر أي تعديل في النص، ما لم يرد تصريح غير ذلك