هل «التضامن» للغرب و«التخاذل» للشرق؟

مقال محمد علي فقيه المنشور في «الأخبار»، «الصين والصهيونية: قراءة معاكسة للسردية السائدة»، مهم جداً، إذ إنه يكشف الصفة الإبادية ليس للغرب بل للطبقة الرأسمالية الدولية بشكل عام. فكرة أن نعرف ما للدول الغربية وما عليها وما للصين وفيتنام وما عليهما، كل ذلك مهم لفهم تصرف الحكومات وليس الشعوب، وبالأخص في سياق ما يسميه عوني بلال «لوجستيات الإبادة».
إنّ فهم تلك الإحداثيات على خريطة الطبقة الرأسمالية الدولية، يساعدنا بداية على التفكير اليقظ الذي يبدد التضليل الأيديولوجي الذي تمارسه الطبقة الوسطى العربية عندما تلوم «حماس» أو «الممانعة» أو «العقل الميليشياوي العربي» (للمفارقة، سيؤرخ هذا مستقبلاً ليس كخطاب أخلاقوي بل كتبرير فكري للإبادة).
وإذا كان هذا النقد الطبقي ينفي جلد الذات المقاومة، فهو في الوقت ذاته يشتبك مع فكرة النقد التبسيطي الجوهراني للآخر الغربي. عوني بلال، مثلاً، يرى أنه كان جديراً بالمجزرة أن تضع نهاية للعلاقة مع الغرب؛ تبدو تلك الدعوة مبهمة متراوحة ما بين إنهاء الاحتلال العسكري الأميركي لبلداننا (وهنا علينا أن نعترف بالدور الدموي لحكومات دولنا)، وما بين القطيعة مع المجتمعات الغربية التي توجب منا تباعاً القطع مع محاولات الاستفادة من التناقضات الكبرى داخل تلك المجتمعات.
محمد علي فقيه يقع في الغموض ذاته عند حديثه عن الصين، عندما يحمّل الحزب الشيوعي الصيني مثلاً مسؤولية «وعد بلفور الصيني» الصادر بالعشرينيات عن سون يات سين، زعيم غريمهم الأيديولوجي: الحزب القومي الصيني (الكومينتانغ)، على شاكلة تجعل من السهل تحميل الصينيين أخطاء أسلافهم السابقين، أو حكومتهم الحالية، أو تحميل البيروقراطية الصينية الواسعة والمعقدة، أخطاء أفراد أو مؤسسات فيها.
لا نقول هنا إن بلال وفقيه يهملان نقد قرارات الدول ويركزان على نقد الحضارات والشعوب والثقافات، بل الفكرة هي في خلطهما أحياناً بين الاثنين. في كتابه الناقد لإدوارد سعيد «هل القلب للشرق والعقل للغرب؟» يحذّر مهدي عامل من التشاؤم الذي يسبغ الفكر الرجعي للطبقة المهيمنة داخل الأمم على كل من فيها، فيغدو ذلك استسلاماً وتمكيناً لتلك الهيمنة، ورؤية للتاريخ «بعين الفكر المسيطر» حتى لو كنا ضده.
التحليل الذي يضع الدول والأمم كافة، كبنى جامدة أبدية، إما في خانة عدو أو صديق، يمنعنا من رؤية الاختلافات والتناقضات داخل كل مجتمع. صحيح، هنالك مواقف متواطئة داخل الطبقة السياسية الصينية لكن هناك مواقف معاكسة؛ مثلاً، سفير الصين لدى الأمم المتحدة تشانغ جون، أكد أن استخدام الفلسطينيين للقوة لمقاومة الاحتلال هو حق غير قابل للتصرف.
التحليل الذي يضع الدول والأمم كافة، كبنى جامدة أبدية، إما في خانة عدو أو صديق، يمنعنا من رؤية الاختلافات والتناقضات داخل كل مجتمع
وهذا غير الموقف العام داخل المجتمع الصيني. يتحدث الناشط الصيني تشانغ شنغ عن التضامن الصيني مع فلسطين في «المعهد عبر-الدولي» المؤسس من قبل المفكر الباكستاني الراحل إقبال أحمد. يقول شنغ إن الكثير من الصينيين يعتبرون أن «فلسطين اليوم هي صين البارحة»، كما ويصفون المقاتلين والمظليين الفلسطينيين بـ«الهندباء» ويصفونهم كذلك بـ«مقاتلي ريفنا» نسبة للمقاومة الريفية ضد الاحتلال الياباني.
حتميةٌ هي آثار التضامن بكل من المجتمعات الغربية والمجتمع الصيني، إلا أن غياب وعينا بشأن التضامن بالمجتمعات الشرقية يختلف في أنه يأتي مثقلاً وملغوماً بفرضيات استشراقية، تحول الشعوب الآسيوية إلى «لا-مجتمعات» خانعة و«غير حرة» بطبيعتها. تختلط هذه التفسيرات الخبيثة ببراءة إدانات تخاذل العرب والمسلمين، فينتج منها تحليل أن تلك الكتل والجحافل البشرية بالشرق هي عديمة الحرّية فكيف لها أن تتحدّث عن حرّية فلسطين؟
هنا تصبح الصورة متكاملة عند الليبرالي العربي؛ «المستبد الشرقي» الحمساوي ألقى بشعبه إلى التهلكة، أما المستبد الشرقي «الروسي والصيني»، فهو لم يصنع مجتمعاً ناضجاً يخرج للتظاهر من أجل فلسطين (وأما المستبد الإيراني واليمني، فهو يجبرهم على تلك التظاهرات). النقيض الوحيد لهؤلاء الذي يمكن له أن ينقذ الغزيين، هو الفرد الأوروبي المتنور، وهو من خلال حركات مثل أسطول الصمود والمظاهرات العارمة في إيطاليا، يسجل نجاحاً جديداً للغرب مقارنة بالشرق.
سؤال «أين المظاهرات من أجل فلسطين بالمجتمعات الشرقية»، يفترض أن تكتيكات التضامن الغربي منذ سنتين (أقله قبل أسطول الصمود) إنجاز عظيم بعكس الواقع، عندما تكشف الحركة الطلابية الغربية من أجل فلسطين محدودية الحقوق المدنية والفردانية التي يتغنى بها التنويريون. يقول أحمد ضياء دردير إن جزءاً كبيراً من الحركة في أميركا أصيب بداء «التضامن مع الذات» (أنا مع فلسطين بسبب هويتي العرقية أو الجندرية) والذي عمل الحزب الديمقراطي على تكريسه كعقيدة لليسار. كما إن حركة الديموقراطيين الاشتراكيين بالحزب لم تتمكن من خلق توازنات قوى جديدة في الساحة السياسية الأميركية قبيل انتخاب ترامب، والذي إن كانت له فائدة فهو في نفيه التام لأسطورة «الغربي المتنور».
يعيش العلمانيون والتنويريون العرب بحالة إنكار لهذه الحقبة الانهيارية للغرب، مصرين على رسمهم تلك الصورة «الكاريكاتورية» له؛ وكأن البلاد الغربية هي مجموعة كبيرة من «ساحات النقاش» أو «Fora»، يقف فيها الأوروبيون وهم يلبسون الزي اليوناني التقليدي والصنادل الرومانية وهم يتناقشون عن أمور وجودية مهمة. تصورات «حكم الفلاسفة» هذه تحمل في طياتها آمالاً وتوقعات مفروضة من التنويريين العرب على الإنسان الغربي المسكين، وكأنه أصلاً «فاضيلهم» وهو يركض وراء لقمة العيش بعد أزمة «اليورو» بالعقد السابق. على العكس من ذلك، هذا الإنسان الأوروبي المتوسطي، ربما قد يتضامن مع فلسطين بعد أن شهد كيف أن النظام الاقتصادي الغربي الذي أفقره وزاد من بؤسه قد تم توظيفه للإبادة في غزة.
في المؤتمر الدولي الطارئ من أجل فلسطين في كولومبيا، أعطى بالتزار غارثون، القاضي الإسباني السابق ومحامي القانون الدولي الجنائي، درساً قيماً في علاقتنا مع رفاقنا في شمال المتوسط وعلاقتنا كلينا مع النخب الأوروبية والغربية عندما قال: «أنا لست من الجنوب العالمي، لكنني من إسبانيا التي هي من جنوب الشمال العالمي، لكن في إمكاني أن أؤكد لكم الآن أنه يخجلني أن أكون من الاتحاد الأوروبي».
* كاتب فلسطيني
