أوّل الصرخة

«يدعو لأندلس إن حوصرت حلب»، قالها محمود في قصيدته الشهيرة «مديح الظل العالي»، وهذا حال بعضنا نحن العرب حيال فوز زهران ممداني بولاية نيويورك. الاحتفاء الذي نشهده، والذي نقرأه على صفحات الناشطين والناشطات في العالم العربي هائل، منه فارغ، وليس أكثر من متابعة لـ«ترند» هذه الأيام، والأيام القادمة. لكنّ منشورات كثيرة أخرى، فيها ما هو مهم ويُنظر إليه بعين الاعتبار والتفحّص، والقراءة بتمعّن.
هذا الاهتمام من الجادّين، ليس اهتماماً بممداني، ولا بولاية المال والأعمال والملايين والمليارات، ولا بأميركا البعيدة عن بلادنا ساعات من السفر، والتي ليلها نهارنا، ونهارها ليلنا. بل إنه اهتمام ببلادنا الحزينة المملوءة بالموت والتدمير والجوع والعطش والعتمة. وببلادنا التي تحوّلت إلى كومة ركام ودمار أبنية، وحاجة إلى إعادة إعمار، في ليبيا، وفلسطين (غزة وشمال الضفة)، وسوريا، ولبنان.
هذه البلاد التي يفقرها ويدمّرها حكامها، والفاسدون فيها، وأجهزة الأمن فيها، من صغار هؤلاء إلى «كبارهم»، تؤلم، وتؤلم كثيراً، فبلادنا جاهزة لقتلنا، واحتجازنا، وإخفائنا، إن قلنا رأياً لا يعجب أحداً من جوقة الحكم والحاكمين. هذه البلاد القاتلة، أهلها «محكومون بالأمل» كما يقول المسرحي السوري الراحل سعد الله ونوس، فهم وإن كانوا يبحثون عن هجرة إلى بلاد الغرب، لا يتركون بلادهم، ويعودون إليها، فنحن كما يقول الشاعر التونسي الراحل الصغير أولاد أحمد: «نحب البلاد، كما لا يحب البلاد أحد، نحجّ إليها، مع المفردين، عند الصباح، وبعد المساء، ويوم الأحد. ولو قتلونا، كما قتلونا، ولو شرّدونا، كما شرّدونا، ولو أبعدونا، إلى برك الغماد، لعدنا غزاة، إلى هذا البلد».
بلادنا التي ليست فيها انتخابات حقيقية، لا تجعل أحداً يشعر بأنه مُنتمٍ إليها، اللهم إلا لبنان الذي ينتخب الناس فيه مَن يريدون، رغم أنهم ينتخبون على أساس انتماءات صغيرة، لكنهم ينتخبون فعلاً، وتجري معركة انتخابية حقيقية. بينما في باقي بلادنا، فالحاكم المنتخب، مُعيّن، بالأحرى عيّن نفسه، وعيّنه رجالاته الذين عيّنهم. ومع ذلك، «يستحمر» الحكّام شعوبهم، «يستحمروننا»، ويجرون «انتخابات» شكلية، لكن «علو» وعدم تواضع هذه الأنظمة، يجعلانها لا تكمل المسرحية إلى آخرها، فتأتي النتائج تقارب التسعين أو التسعة والتسعين بالمئة، وسبب ذلك بسيط، الحاكم مقتنع أنه يقوم مقام الآلهة، والنصف الناقصة من نتيجة «انتخابه» ما هي إلا تواضعه وحسن خلقه، وعلى الشعب أن يؤمن أن الحاكم جميل وجيّد، ولولا ذلك لكانت النتيجة 100%.
بلادنا القاتلة، تقتلنا، وتمنعنا من منع المقتلة في فلسطين، وفي بعض هذه البلاد، مُنع الكُتّاب من الكتابة عن قطاع غزة كما يريدون، حفاظاً على العلاقات مع الاحتلال، وحفاظاً على رضى الغرب، أو بعض دوله، ولا سيّما تلك التي تقدّم مساعدات مالية أو عسكرية. على الرغم من أن هذا الغرب خرجت في عواصمه ومدنه المختلفة تظاهرات للتضامن مع الشعب الفلسطيني وقضيته، ولمّا جرّبت حكومات الغرب قمع هذه التظاهرات، تعاظمت، وتعالت أصوات أخرى في الشوارع، ليس بالضرورة متضامنة مع فلسطين، لكنها رافضة لقمع المتظاهرين ورأيهم، فالحرية التي وصلوا إليها، دفعوا ثمنها دماً، وليسوا مستعدّين للتفريط فيها كرمى لعيون أيّ دولة كانت.
هذا الغرب الذي انتخب ممداني المُحتفى به، لا تريد حكوماته، لشعوبنا العربية أن تتظاهر وتتضامن مع فلسطين وشعبها، وباقي الشعوب العربية التي تُحتل أراضيها في الآونة الأخيرة، والحكومات الحاكمة لبلادنا كما تولّت المهمة لعقود، تتولّاها الآن، ومطلوب منها لضمان حكمها أن تمنع احتمال أي مواجهة مع الاحتلال في المستقبل.
وحتى نصل إلى لحظة نحتفي فيها بانتخابات حرة وديمقراطية في بلادنا، علينا أن نصرخ، وقبل أن نصرخ، علينا أن نتعلّم سرّ الصرخة، فهي إن خرجت من عقول شعوبنا، كما قلوبنا، فسترعب الحكّام، وسترعب رعاتهم الذين عيّنوهم علينا، وحتى نتعلّم السرّ، علينا أن نعرف أنّ عامين في غزة، لم يغيّرا التاريخ فقط، بل كانا أوّل الصرخة.
* كاتب فلسطيني
