ENsamaha
لبنان
سوريا
فلسطين
عرب
عالم
قضايا وآراء
ثقافة
كاريكاتور
رياضة
حياة وناس
تغطيات
المزيد
عدد اليومكتاب الأخبار كلماتأرشيف الأعدادفيديوصورأرشيف جوزيف سماحةأرشيف أنسي الحاجزياد الرحباني
PDFعدد اليوم

كيف تعيد الرأسمالية تدوير الألم في «فرص استثمارية»

قضايا وآراء
|رأي
حفظ المقالة
علي مهدي ياسين
علي مهدي ياسين
الجمعة 7 تشرين الثاني 2025
الخط

قدّمت الرأسمالية نفسها للمجتمع البشري باعتبارها أعظم اكتشافات الإنسان، وسرّ ازدهار الحضارة الحديثة، والوصفة الغربية السحرية لحلّ المشكلات. ونظّر لها الفلاسفة، ودرّسها الأساتذة في كراسات مقدسة، وأقيمت لها حفلات التعظيم والتبجيل. وحيكت حولها سرديات «الخروج من الظلمات إلى النور» و«نهاية التاريخ»، حتى بلغ الغرور بالعقل الغربي أن يدّعي «الانتصار على الله» نفسه.

لكن الأمر لم يدم طويلاً عندما بدأت روائح الأزمات التي تنتجها الرأسمالية تزكم أنوف حرّاسها قبل خصومها، وكانت الرائحة الأبرز تلك التي رأت في الإنسان مستهلكاً يجب مص دمه وطحن عظامه. لكن علاج تلك الرائحة لم يكن بالعودة خطوة إلى الخلف وتصحيح الانحراف، بل كان مزيداً من مص الدماء بأنبوب أوسع، وطحن العظام بمطحنة أضخم.

كانت القاعدة أو الاكتشاف الكبير للواقفين في كواليس الرأسمالية: أن الأزمات التي أنتجتها الرأسمالية تولّد فرصاً لمزيد من الأرباح، فلمَ معالجة الأزمات؟ إذاً، هيّا بنا إلى مزيد من الاستثمار في فرصٍ جديدة. كان الأمر أشبه بذلك «البنشرجي» الذي يُرسل أحد عمّاله ليرمي المسامير في الطريق، ثم يقف عند زاوية الشارع ليصلح العجلة المثقوبة أو يبيعك عجلة جديدة مع حسمٍ مغرٍ وابتسامةٍ جميلة.

منذ أن تمدّد هذا النظام على رقعة العالم، لم يترك شاردة ولا واردة إلا وحوّلها إلى سلعة. بات كل شي يُشترى، حتى الفرح والبهجة أوجدت لهما الرأسمالية حبوباً ومهلوسات تنقلك إلى عالم من الخيال لمدة ثماني ساعات حتى يحين موعد «الحبة» الأخرى. ليس مهماً إن كانت هذه الحبوب ستنتج لك مشكلات أخرى، لا تقلق، لدى الرأسمالية حبوبٌ من نوع آخر، تضمن لك معالجة العوارض. وإن بدت عوارض جديدة للحبوب الجديدة، فلدينا حبوبٌ جديدة أيضاً.

في الرأسمالية لا شيء لا يباع: السعادة، الجمال، الشهرة... وما لا يصلح سلعة من اللحظة الأولى، لا بأس! فليُترك ليختمر قليلاً، حتى يتحوّل إلى مشكلة، حينها تحضر رحمة الرأسمالية فتصيغه كسلعة مبتكرة، وتزينها، ليس بالضرورة أن تكون محتاجاً إليها، فالدعاية ستعالج الأمر بطريقتها. أنت لا تعرف نفسك، هذا ضروري لك، فتصدّق ذلك. هذه عبقرية الرأسمالية: ليست مهمتها أن تحلّ المشكلات، بل أن تُديرها بطريقة تضمن استمرار تدفّق الأرباح. هي لا تبحث في جذور المشكلات، بل تُخصب تربتها لتنبت مشكلات جديدة. وكلّما ازداد الألم البشري، ازداد حجم «الفرص الاستثمارية».

لنبدأ من بطوننا، فالأمثلة كثيرة: هل كان يتصور أحدنا أن رأسمالية الطعام في استطاعتها تحريك السوق وتطوير تجارة غير مسبوقة! كيف ذلك؟ النظام الغذائي الذي تفرضه الشركات الكبرى ليس سوى وصفة جاهزة للمشكلات الصحية: وجبات سريعة مشبعة بالدهون، غنية بالتوابل التي لو وضِعت على حذاء لصار لذيذاً، مشروبات غازية محلاة بكميات هائلة من السكر، وحملات إعلانية تُقدّم هذه الوجبات على أنها من مفاخر نمط الحياة العصري. لم تكن هذه الشركات جاهلة بالعواقب؛ تقاريرها الداخلية نفسها تكشف معرفتها التامة بأنّها تبيع «قنابل سعرات حرارية». ليس ذلك مهماً، ففي الرأسمالية طالما أنك تربح فأنت ناجح.

لكنّ الذكاء الرأسمالي لا يقف هنا. فحين امتلأت العيادات بالمرضى، وارتفعت نسب البدانة (الولايات المتحدة قادمة على نسبة أن ثلثي عدد السكان سيكون بديناً)، وزادت حالات عدم استطاعة بعض الأشخاص البدينين الخروج من غرفهم، لم يظهر ضميرٌ جماعي يصرخ: «لنُصلح النظام الغذائي!»، على العكس، جرى التعامل مع هذه المأساة كفرصة استثمارية جديدة: شركات الأدوية سارعت لتطوير عقاقير «سحرية» لتخفيف الوزن، عيادات جراحية ازدهرت بفضل عمليات «شفط الدهون» وتنحيف الخصر، ومستشفيات امتلأت بطالبي «قصّ المعدة».

مراكز اللياقة البدنية تحوّلت إلى صناعة بمليارات الدولارات، تبيع «الأمل بالنحافة» على شكل اشتراك شهري كبير. مصانع الأدوية الرياضية بدأت تنتج آلات تنحيف لا تحتاج منك حتى حركة واحدة، استلقِ فقط، ونحن نحفر جسمك كما يشتهي متابعوك على وسائل التواصل الاجتماعي. وهكذا، تُصبح السمنة سوقاً لا ينضب: يُربَح في إنتاجها، ويُربَح في علاجها، ويُربَح حتى في النكات التي تُسَوّق عبر برامج الكوميديا.

لننتقل إلى ميدان آخر أقل «شهية»، لكن لا يقلّ غرابة. في عالم يرفع شعار الحرية المطلقة بلا ضوابط، ظهرت ظواهر «سوريالية» لا يعرف المرء إن كان يضحك عليها أم يبكي. خذوا مثال «الكلاب البشرية»: أشخاص يقرّرون أن يصبحوا كلاباً، فيزحفون على أربع، يلبسون الأطواق، وينبحون في الحدائق. بريطانيا اليوم وحدها تضم عشرة آلاف «كلب بشري».

في نظام عقلاني، يُفترض أن يُقال: هذه ظاهرة غير سوية تحتاج إلى دراسة ومعالجة اجتماعية ونفسية. لكنّ الرأسمالية، كعادتها، لا ترى في الأمر مشكلة، بل فرصة! فجأةً ظهرت معاهد لتعليم «فنّ التصرّف ككلب»، ومدربو نغمات صوتية لتعليم هذه الكلاب «كيفية العواء». أشخاص يعرضون أنفسهم ليصبحوا كلاباً مقابل رواتب شهرية. متاجر متخصصة في بيع «ملابس الكلاب البشرية» والإكسسوارات اللازمة، والدارجة. مسابقات يتوّج فيها «أجمل كلب بشري»، وبالطبع هذه فرصة لشركات الإعلانات للتواجد في هذه المسابقات.
وبدل أن تُعالَج الظاهرة في جذورها، جرى الاستثمار في تسليعها. الحرية هنا لم تعد قيمة إنسانية، بل مادة خام لصناعة ترفيهية مربحة، حتى لو كان الثمن هو الكرامة الإنسانية.

ثم نأتي إلى التكنولوجيا، ذلك الإله الجديد الذي يَعِدُنا بالراحة والحرية. شركات التواصل الاجتماعي والتطبيقات الرقمية قدّمت للعالم أدوات مذهلة، لكنها صنعت معها أزمات غير مسبوقة: إدمان الشاشات، العزلة الاجتماعية، تراجع التركيز، مشكلات النوم والقلق.
هل توقّف أحد ليسأل: ما الذي أوصلنا إلى هذه النقطة؟ طبعاً لا. فذلك خطر على هذه الشركات. فالحلّ جاهز في رفّ السوق: تطبيقات تُساعدك على تقليل وقتك على الهاتف عبر الهاتف نفسه! كتب ودورات تدريبية حول «فنّ الانفصال عن الشبكة». إنّها مفارقة ساخرة: الشركات التي صمّمت إدمانك، تعود لتبيعك ترياق «التحرر». وكأنّ مروّج المخدرات يقدّم لك، مقابل مبلغ إضافي، جلسة «علاج إدمان» في زاوية الشارع ذاته.

القاعدة الذهبية بسيطة: الرأسمالية لا تسرف، فهي لا تهدر أزمة أبداً. بل تُحوّلها إلى فرصة، تُسوَّق بحرفية، وتُباع في عبوة أنيقة، ويشتريها مستهلكون يلعنون الرأسمالية.

* أكاديمي

الأكثر قراءة

لبناننصار يقطع طريق بعبدا على غانم؟
الأخبار

24.08.2026

لبناناحفظوا هذا الاسم: معاوية أبو عرب!
الأخبار

24.08.2026

لبنانإجراءات جديدة في مطارَيْ بيروت ودمشق
الأخبار

24.08.2026

آسيامحاولة باكستانية لتدارك التصعيد: إيران تلوّح بـ«القنبلة»
محمد خواجوئي

24.08.2026

banner بنك عودةbanner بنك عودة
  • من نحن
  • وظائف شاغرة
  • اتصل بنا
  • للإعلان معنا
  • اشترك معنا

محتوى موقع «الأخبار» متوفر تحت رخصة المشاع الإبداعي 4.0 2026©

يتوجب نسب المقال إلى «الأخبار» - يحظر استخدام العمل لأغراض تجارية - يُحظر أي تعديل في النص، ما لم يرد تصريح غير ذلك