«الديمقراطية» والنظام السياسي الفلسطيني... عاطلون عن العمل

في ظل ضعف وتعقيدات النظام السياسي الفلسطيني عبر العقود الماضية، وتعقيدات اللحظة الراهنة، نظمت «الجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين» بحضور أمينها العام فهد سليمان ندوة حوارية في مخيم مار الياس لمناقشة دراسة كتبها سليمان تحت عنوان «النظام السياسي الفلسطيني والاستحقاق الديمقراطي المفوَّت»، وقد جمعت في مضمونها ما بين الطموح الوطني، ومتطلبات الحكم والإدارة، التي تحتاج إلى إرادة وآليات عمل جديدة من داخل النظام السياسي الفلسطيني الحالي، كالمجلس الوطني واللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير، وذلك وفق الآليات الناظمة لها وللقانون الأساسي الذي أقره المجلس التشريعي الفلسطيني عام 2002، الذي يعتبر بمثابة الدستور المؤقت للسلطة الوطنية الفلسطينية إلى حين قيام الدولة الفلسطينية.
ولما كانت ولاية السلطة الفلسطينية محصورة في الأراضي الفلسطينية المحتلة بالضفة الغربية وقطاع غزة، فإن ولاية منظمة التحرير الفلسطينية بصفتها الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني تشمل كل الأراضي الفلسطينية المحتلة، وكل الشعب الفلسطيني في الضفة الغربية والقدس والداخل وقطاع غزة والشتات، وبالتالي فإن الحديث عن النظام السياسي هو حديث عن المنظمة وفصائلها.
وإن كان المعنيون في حل المشكلة البنيوية في النظام السياسي الفلسطيني هم الشعب والفصائل ووحدة البرنامج السياسي، فإن المشكلة هي الفصائل التي عجزت عن إنجاز الوحدة والمصالحة رغم حرب الإبادة، وكل المخاطر والصعوبات والتحديات التي تتطلب إعادة بناء وتفعيل المنظمة والنظام السياسي الفلسطيني الذي يعاني من الترهل والتآكل والانقسام.
وكان لافتاً في الكلمة الافتتاحية التي سبقت الحديث عن الدراسة، الإشارة إلى تأثير معركة «طوفان الأقصى» باعتبارها فعلاً عسكرياً استراتيجياً وتاريخياً، وليس باعتبارها أسست لمرحلة سياسية جديدة، سيكون لها تأثير كبير على النظام السياسي الفلسطيني، وفق ما يريده الشعب الفلسطيني بمواجهة ما تطرحه خطة ترامب على صعيد الحكم والإدارة، كشكل من أشكال الاحتلال الجديد، إضافة إلى المطالبة المتكررة بإصلاحات بنيوية تتعلق بالسلطة الفلسطينية التي تتحكم الإدارة الأميركية وبعض الأنظمة العربية في قرارها السياسي والأمني، وهذا ما يجعل مسألة النظام السياسي فاقدة للمعنى رغم كل ما حصل من اعترافات بدولة فلسطين وتضامن دولي مع قضية فلسطين.
يسجَّل للجبهة الديمقراطية طرحها للأسئلة حول النظام السياسي الفلسطيني الذي أصبح يحتاج إلى مراجعة، ليس فقط على المستوى السياسي، بل على المستوى الأمني والاقتصادي والثقافي أيضاً، ولكن الجبهة ارتأت بأن إجراء انتخابات المجلس الوطني الفلسطيني تستطيع إعادة الاعتبار للنظام السياسي الفلسطيني، وخاصة أن البعض يرى بأن مسألة الوحدة الوطنية يمكن أن تتحقق من خلال تشكيل حكومة وحدة على مستوى السلطة، وليس عبر المجلس الوطني، ومؤسسات منظمة التحرير كافة.
وحول أسباب تآكل مكانة النظام السياسي الفلسطيني، قالت الدراسة إن السبب يعود إلى إدارة الظهر لصندوق الاقتراع وغياب البرنامج السياسي، إضافة إلى غياب التوافق الوطني الذي يُعتبر من العوامل الأساسية لمكافحة التآكل في النظام السياسي الفلسطيني، وأن الحاجة اليوم هي إلى تجديد شرعية النظام السياسي الفلسطيني عبر التوافق والانتخابات معاً.
وركزت الدراسة على الانقسام الذي حصل عام 2007، من دون الإشارة إلى أن عمر الانقسام السياسي في الساحة الفلسطينية لم يبدأ منذ ذلك التاريخ، وهذه الانقسامات تركت آثاراً سلبية على مسار النضال الوطني ضد الاحتلال الإسرائيلي والمشروع الوطني برمته، وهذا ما دفع نتنياهو إلى القول: إن الانقسام الفلسطيني - الفلسطيني هو مصلحة إسرائيلية عليا.
وبعيداً عن دور بعض الأنظمة الرسمية العربية على صعيد الانقسام، وإضعاف النظام السياسي، أشارت الدراسة في ما يتعلق بمسألة إضفاء الشرعية على النظام السياسي الفلسطيني، من خلال التمديد بالقانون، بدلاً من التجديد بالانتخاب، إلى أن لجنة المتابعة المنبثقة عن الجامعة العربية والمشكَّلة من مصر والأردن والسعودية والإمارات، مدّت يد المساعدة، وأكدت بأن يتابع الرئيس محمود عباس مهماته كرئيس للسلطة الفلسطينية إلى أن تُعقَد انتخابات جديدة. والسؤال ما هي الحاجة إلى هذه اليد كي يتابع الرئيس مهماته؟ ألا تكفي مرجعية المنظمة، أم أن هناك حاجة مستمرة إلى تدخّل النظام الرسمي العربي لشرعنة وهيكلة النظام الرسمي الفلسطيني، بعد أن أسهم النظام العربي في تأسيسه، ولا يمانع اليوم في تفكيكه؟
وشرحت الدراسة مسألة «الرئاسات الثلاث» في النظام السياسي الفلسطيني، التي هي بيد الرئيس الفلسطيني الحالي. كما تحدّثت عن الصلاحيات والشغور دون أن تجيب عن السؤال: هل الجمع بين الرئاسات الآن ولاحقاً، هو جزء من المشكلة، أو أن الفصل بينها جزء من الحل؟
إنها دراسة تعبّر عن موقف يدعو إلى بناء النظام السياسي الفلسطيني بالتوافق الوطني، عبر إنتاج مجلس وطني يمثّل كل الفئات في ساحة العمل، ويكرّس كما جاء في الدراسة، معادلة «رابح رابح» للجميع، على أمل أن تشمل هذه المعادلة ليس فقط الفصائل، بل حياة الفلسطينيين وأهدافهم بالعودة والدولة والعدالة وتحقيق الأهداف الوطنية المشروعة، وإلا فإن ما جاء هو مجرد محاولة لتحريك المياه الراكدة، أو أن فهد سليمان يطبق قول محمود درويش: «نفعلُ ما يفعلُ السجناءُ، وما يفعل العاطلون عن العمل: نُرَبِّي الأملْ»
*كاتب وإعلامي
