سعد الحريري: أما آن...؟!

قبل ثماني سنواتٍ ونيف، استُدعي الرئيس سعد الحريري إلى المملكة العربية السعودية. فوجئ اللبنانيون والعالم به يُعلن، عبر التلفزيون السعودي، استقالته من رئاسة الحكومة اللبنانية. جاء في بيانه أن حياته مهدَّدة من قبل إيران و«حزب الله». الجهة المتهَمة نفت واستنكرت ما نُسب إليها. أثارت الاستقالة المفروضة موجة واسعة من الاستغراب والاستنكار. هي سابقة نادرة بكل معنى: الرجل رئيس ممارس لحكومة دولة مستقلة، ولو كان يحمل الجنسية السعودية، وأخرى فرنسية، إلى جانب الجنسية اللبنانية.
إلى فرض الاستقالة، نية الاحتجاز بدت واضحة من الزعم بأن حياته مهددة في لبنان. توجيه الاتهام إلى إيران و«حزب الله» له بُعدان: سياسي يتصل بالصراعات في لبنان والمنطقة، ومذهبي خطره مباشر، من حيث يُقصد منه وعبره، إثارة فتنة مذهبية داخلية!
أدى تدخل خارجي، وموقف رسمي لبناني، ومواقف مرجعيات «تيار المستقبل» وسواه، إلى وضع حد للسابقة السعودية تلك، لكن مفاعيلها قائمة حتى يومنا هذا!
وقعت هذه الحادثة، الغريبة في العلاقات بين الدول خصوصاً، في سياق إجراءات جامحة أُخرى، منها احتجاز معارضين فعليين أو محتملين لانقلاب الأمير ابن سلمان على ولي العهد المعين محمد بن نايف. كذلك ترهيب معارضين سياسيين وإعلاميين بطريقة التهديد والإقصاء وصولاً إلى القتل كما حصل بالنسبة إلى الصحافي السعودي جمال الخاشقجي الذي استُدرج إلى القنصلية السعودية في إسطنبول التركية، وأُعدم فيها بطريقة هزّت العالم. حصل ذلك في 2 أكتوبر عام 2018، أي بعد أقل من سنة من حادثة الحريري ومن احتجاز أمراء وأثرياء سعوديين بارزين في أحد فنادق العاصمة السعودية.
الغريب في الأمر، آنذاك، أن حادثة احتجاز سعد الحريري، لم تحرك حلفاءه من «السياديين» في لبنان ممّن كانوا ينسّقون نشاطهم السياسي عبر «أمانة سر 14 آذار» بإدارة «المقاوم» الدائم النائب السابق فارس سعيد وممثلي «القوات اللبنانية» و«الكتائب» وشلل «يسار» متأمرك!
المفارقة، أن من نظّم حملة مثابرة وفعّالة في لبنان، انتصاراً لسعد الحريري، واستنكاراً لاستهدافه ولاستهداف سيادة لبنان، هم، في معظمهم، خصومه التقليديون في السلطة وخارجها! في ملابسات تلك الحادثة، أن القيادة السعودية، وبعد أن فشلت في محاولتها إثارة فتنة داخلية ضد «حزب الله» عبر الرئيس سعد الحريري وبسبب رفضه للانخراط فيها، لجأت إلى استدراجه واحتجازه وإجباره على الاستقالة. أمّا بعد فشل الاحتجاز، فقد قررت «الانكفاء» عن الوضع اللبناني حتى تلبية شروطها بالضغط على «حزب الله» بسبب اتهامه بدعم حركة «أنصار الله» في صنعاء.
فيما يخص سعد الحريري، فقد واصلت سلطات المملكة حملتها عليه، بكل ضراوة وشمولية. باشرت فوراً تقويض مشاريعه ومؤسساته المالية والاقتصادية والمصرفية. قررت إنهاء دوره السياسي ودور التيار الكبير الذي أنشأه والده الشهيد الذي كان الأقرب إلى قيادة المملكة: كان موفدها ووسيطها وممثلها في لبنان والعالم، قبل توليه رئاسة الحكومة اللبنانية. وهو أصبح رجلها القوي في ثلاثي فريق تسوية «الطائف» لعام 1989 التي ضمّت، أيضاً، واشنطن ودمشق في حينه!
هذا الوضع مستمر حتى الآن. وهو يشير إلى أحد أوجه الخلل في علاقات القوى السياسية اللبنانية بالخارج: السياسي، أو الطائفي، أو الاثنين معاً! يكاد لا يستثنى أحد من هذه «الميزة اللبنانية» التي اقترنت بولادة «الصيغة اللبنانية»، ثم بتكريسها في إدارة الحكم والسلطة: عبر المحاصصة الطائفية، وعبر تبعية، غالباً ما تكون مُفْرطة ومفَرّطة، للخارج: العربي أو الإقليمي أو الدولي.
يستمر الرئيس الحريري ممنوعاً من العودة إلى لبنان، وهو يستمر وتياره، في المشاركة في الحياة السياسية. لا يثير ذلك أي حرج للسلطة اللبنانية التي يتغنى رئيس الحكومة فيها بالعودة إلى «الحضن العربي» (السعودي)! ذلك ينطبق، قبل وبعد، على«السياديين» الذين تحولوا إلى وشاة ومحرّضين على «الشيخ سعد» لإزاحته. وهم تسابقوا على وراثته بعد معاقبته، والنيل من العمارتين المالية والسياسية اللتين ورثهما عن والده إثر إقصائه ومطاردته.
بعد تعدد المستفيدين (ووضاعة معظمهم) من عزل وإقصاء سعد الحريري و«تيار المستقبل»، ليس من المتوقع أن يتحرك كل «السياديين» القدماء والجدد من أجل رفع الظلم عن حليف سابق. هم منخرطون، بالكامل، في الضغط من أجل «حصر السلاح» وتعطيله في ظل الاحتلال الإسرائيلي، والوصاية الأميركية. ذلك هو الهدف الذي يلعب الإعلام السعودي دور «أم العروس» في الترويج له والإصرار عليه في لبنان وفلسطين: لتحقيق «حل الدولتين» واستعادة الأرض: بـ«قوة المنطق لا بمنطق القوة»، بحسب معادلة رئيس الجمهورية اللبنانية الجديدة!
عادت السعودية إلى لبنان بعد نتائج العدوان الإسرائيلي الأميركي على فلسطين ولبنان. التحقت بورشة أميركية شاملة لتصفية المقاومة وإخضاع لبنان للسيطرة الأميركية على المنطقة، وفي مرحلة الشروع في إقامة «إسرائيل الكبرى» الصهيونية.
المفارقة الآن أن السعودية تضع شروطها وتفرض الامتثال للشروط الأميركية، من دون أن تقدّم أي مساعدة للبنان الرسمي أو الشعبي، سياسياً أو مالياً، لمواجهة الاعتداءات الإسرائيلية المتواصلة أو لإعادة الإعمار.
في السابق، كانت السعودية وبعض أطراف فريقها في «مجلس التعاون الخليجي»، يبادرون إلى تقديم مساعدات مالية بصيغة قروض ميسرة أو هبات أو ودائع في المصرف المركزي لدعم الليرة اللبنانية. الآن لا شيء من ذلك، بل ضغوط مالية وسياسية وإعلامية لنزع سلاح المقاومة باعتباره الهدف «الأسمى» والممر الإجباري للحصول على رعاية «الحضن العربي» الذي يسبّح بنعمته الأتباع دون سواهم.
تقول أغنية معروفة: «رميت نفسك بـحضن. سقاك الحضن حزن»، فكيف إذا أُضيفت إليه الوصاية المزدوجة الأميركية السعودية؟! كان الله في عون من لم يتّعظ!
* كاتب وسياسي لبناني
