«الإمبريالية والهدر» في طبعته العربية: علي القادري يشتبك مع الماركسية الغربية


صدر عن مركز دراسات الوحدة العربية كتاب «الإمبريالية والهدر» للمفكر علي القادري، وهو أستاذ جامعي وباحث في الاقتصاد السياسي في جامعة سون يات-سين في الصين، وزميل أقدم في قسم التنمية الدولية في كلية لندن للاقتصاد، .
الكتاب الصادر حديثاً بنسخته العربية (ترجمة علاء بريك) بعنوان محدّث ونص منقّح، ينقل مساهمة القادري في نقد الماركسية الغربية، وتنشر «الأخبار» في ما يأتي تمهيد المؤلف إلى القارئ العربي.
ينضمّ هذا الكتاب إلى سجالٍ دار بين دايفيد هارفي وجون سميث على صفحات فصلية «الدراسات الراديكالية الأفريقية» (ROAPE) عام 2018.
في هذا السجال، أغفل الكاتبان دور الحروب في توسيط أزمة رأس المال. إغفال دور الحروب هو تجاهلٌ للجنوب ودوره في عملية تراكم رأس المال. يتجاهل هارفي وسميث، بفعلتهما هذه، عمليةَ التراكم التاريخية في إتيانها على الإنسان والبيئة معاً، أي الطبيعة الاجتماعية.
وبذلك يجوِّف الباحثان أيضاً، أيّما تجويف، مفهومَ الإمبريالية كمرحلة تاريخية تتكثّف في رحمها علاقة رأس المال. وعلاقة رأس المال هذه هي الذات أو الفاعل الذي يتماثل بالمال والسلع. وقوّة رأس المال هذه مستمدَّة من خضوع الشعوب له، أو من رضوخهم لمبادلة حيواتهم بالأجر الذي يوفّر قوتهم اليومي. وبتكثيف رأس المال يزداد معدَّل سلب المجتمع رزقَه، الذي سيعني بالضرورة تسارع الحروب في توسّطها للتناقض بين علاقات إنتاج تتحكّم فيها دورة نقدية تتوسّع من ذاتها وعملية إنتاج حقيقية تخضع لهذه الدورة النقدية، وتتطلّب استهلاك العمل والطبيعة بصيرورة استغلالية متعاظمة. النقد/المال المتكاثر من ذاته (الرأسمال الوهمي) يفرض على المجتمع استهلاك ذاته من أجل معدّل استغلال أو فائض قيمة أعلى يمثّل بذرة الربحية. وهذا، بدوره، يفتح المجال أمام تسليع غير مسبوق للبشر والبيئة.
كما هو واضح من الظاهرة أو التجربة، يتزايد معدّل الأرباح كلّما تحمَّل المجتمع تكاليف الإنتاج بدلاً من أن يتحمَّلها المنتِج. أي كلّما تدنّت تكلفة إعادة إنتاج المجتمع، وكلّما تحمّل المجتمع تكاليف التلوّث والحروب والأجور المتدنِّية، تضاءلت حصّته من الناتج الاجتماعي، وزادت حصّة رأس المال وزادت معها معدّلات الربح. بمعنىً آخر، إنّ عملية الاستغلال تتطلّب البطش بالمجتمع لاستلابه قوّته وحقّه من المُنتَج الاجتماعي. وما يزيد الطين بلّة أنّ مجتمعاً ينقسم على ذاته برموز هوياتية فرضها رأس المال، ولا سلطة له على عمله وبيئته، يتحمّل تكاليف الإنتاج من دون مقاومة.
وكلّما زادت تكاليف الإنتاج على حساب القيمة الضرورية، أي ما يتطلّبه المجتمع لحياة أفضل، أعادت هذه المعادلة إنتاج المجتمع ولكن بصورة أسوأ. وكلّما أزاح رأس المال تكاليف الإنتاج عن كاهله إلى كاهل المجتمع، تدنَّت نوعيّة عيش المجتمع، وتقلّص متوسّط الأعمار المتوافر في مرحلة تاريخية ما. وفي هذا الجدل السلبي، حيث الأمور تسير من سيئٍ إلى أسوأ، تهيمن علاقة رأس المال على كل العلاقات الاجتماعية.
هكذا يشيِّئ رأسُ المال ويسلِّعُ حتى الإنسان، ويجعل من الإتجار بتقصير عمر المجتمعات، إنْ بالحرب أو بالتقشف، عمليةً صناعيةً رابحة. وبالطبع، إنّ تشييء البيئة وتسليعها ومسعرتها، حتى ما يُهدر منها، أمرٌ مفروغ منه.
أمّا ما يُهدر أو يموت قبل أوانه المحدَّد تاريخياً بالنسبة إلى تقدّم قوى الإنتاج، فهو يُسعَّر إيجابيّاً أو سلبيّاً؛ فالأسعار الإيجابية هي مثلاً ريوع سندات الخزينة التي تموِّل الحروب الإمبريالية، أو ريوع الإنفاق على ثقافة الحرب والأنجزة التي تفتك بالمجتمعات. أمّا السلبية منها، فهي حسابياً تلك الأضرار البيئية أو الاجتماعية التي يدفعها المجتمع على حساب حيواته ودخله على المدى الطويل أو على مدى إعادة إنتاج المجتمع في دورته الحياتية.
إذاً، يراكم رأس المال نفسه بإماتته المبكرة للإنسان والبيئة، وبزيادته أيضاً حصة تكاليف الإنتاج التي يتحمّلها المجتمع، وبصناعة الموت والهدر البيئي على الدوام. هذه حالة أنطولوجية، أو قوانين تطوُّر الوجود في ظلّ ثقل المرحلة الرأسمالية التي، إذا ما تحكَّمت أكثر فأكثر بسيرورة إعادة إنتاج المجتمع، جعلت من عملية تدمير الذات أو المجتمع السند الأوّل للربحية وغاية الربحية أيضاً.
وفي عالم أضحت فيه شعوب الجنوب الحلقة الأضعف في عملية التراكم، تُستهلك حيوات هذه الشعوب بأزمان أقصر فأقصر بالنسبة إلى ما هو محدّد تاريخياً – لأن الزمن نوعي – وبذلك تُوصف الإمبريالية بالعلاقة التي يحتلّ الجنوب فيها دور العمل في تناقض مع الشمال الذي يحتلّ دور رأس المال. وهي، كما ذكرت، تكثيفٌ لرأس المال بمدى تسلُّط رأس المال أو تسلُّط الطبقة المالية على المجتمع. وفي السياق نفسه، تحرير علاقة القيمة، أي تحرير الاستغلال باستلاب الطبقة العاملة، هو تكثيف لرأس المال. وبموازاة استهلاك الطبقة العاملة تغدو عملية تدمير البيئة ماكينةً تأتي على الإنسان والكوكب في آنٍ واحد.
وعندما تكون عملية الاستهلاك مكتملة، أي إنّ كل ما ينتج من تلوّث وقتل يُستهلك بثمن ما ينفقه المجتمع، يصبح الموت المبكر للكوكب بما فيه نهايةً منطقية لعلاقة رأس المال. وإذا ما حكم رأس المال دونما قيد، أصاب بالقتل المجتمعات بنسب تتوافق مع قدرة طبقاته وفئاته على حماية نفسها من الخراب. ورغم الدمار الهائل في البشر والبيئة الذي راكمته الحقبة الرأسمالية، فإنّ الطبقات العاملة في الشمال تشاطر رأس المال أهدافه ومسيرته، فهي جيش رأس المال وتجسيده. تعيد هذه الطبقات إنتاج ذاتها بالريع الإمبريالي، ويشكّل تدمير الجنوب السبب التاريخي والمنطقي لحفاظها على نمط حياتها؛ فقبل أن تصنع آلاتُهم المتقدّمة سلعاً بقيمة مضافة في الشمال، أسّس الإتيانُ على الجنوب وتدميرُه لانفراد هذا الشمال من دون الجنوب، بالتكنولوجيا والتطور الصناعي والعلمي.
لذا، المسألة هنا لها علاقة بعلّة وجودها ككيان متطوّر تقنياً لا بنسب الاستغلال القائمة على فارق الإنتاجية بين الشمال والجنوب؛ فالنسب قياس ذاتي ورمزٌ تصنعه القوّة الاجتماعية. لكن عندما نأخذ في الحسبان أن لا وجود لثراء الشمال من دون تدمير الجنوب، وعلى نحوٍ تصاعدي بالنسبة إلى المعدلات المحددة ظرفيّاً/تاريخيّاً، تصبح علاقة تدمير قوى الإنتاج في الجنوب السبب التاريخي والسند المنطقي لتطوّر قوى الإنتاج في الشمال. وهذه العملية تستوجب زهق أرواح الناس أولاً. وللتنويه، إنّ تطوّر الإنتاجية موضوعيٌ وله صلة بتطوّر العلوم الطبيعية الموضوعي بدوره.
لكنها، أي الإنتاجية في الغرب، ترتفع بمدى بطشه بالجنوب. وتصبح النسب، أي نسب معدّلات الاستغلال، هي تلك التي تقاس آخذين في الحسبان رجحان موازين القوى لمصلحة الغرب الذي يحاول أن يمحو ارتباط ثروته بتدميره الجنوب. وغني عن القول أنّ الديموقراطية في الشمال تصبح، بهذا، شكلاً من أشكال ممارسة السلطة بالتزام وعي طبقي يصون للديموقراطيين أو الجمهوريين في أميركا، على سبيل المثال لا الحصر، المُستحصَل بالحروب الإمبريالية ألا وهو الريع الإمبريالي.
تطوّرَ وعيٌ انعزالي يتغنَّى بالأممية لكنه يخدم الإمبريالية عند تجنب التصويب على التناقض الرئيسي مع الإمبريالية وعدم تجيير السياسات الاجتماعية لهذه الغاية
الأمر مختلف في الجنوب، ولا أعني بالجنوب الجغرافيا فحسب، إنما امتداده الطبقي الذي يتمثّل بالشرائح الاجتماعية المُستنفذة من الأقليات العرقية في الشمال. الجنوب يُستهلك ببشره وحجره. ومعدّل تقصير أعمار أهله وهلاك الأرواح مرجعُنا لقياس معدّل الاستغلال، ومعدّل الاستغلال هذا هو معدّل فائض القيمة الذي يُوسَّط بالبنى القومية لرأس المال ليظهر بأسعار الربح. وبذلك تتّضح الصورة: تتلخّص الإمبريالية بحالة تستهلك فيها طبقات الشمال «البيض أيديولوجيّاً» حيوات طبقات الجنوب «الملوَّن أيديولوجياً» أيضاً. وبهذا يصبح معدّل الأرباح متناسباً مع استهلاك لحوم البشر.
الواقع جذري ويجب على النظرية أن تكون جذرية. وفي غياب النظرية الجذرية التي تشكّل الأرضية لاستقاء الأيديولوجيا الثورية منها، يبقى العمل أو المجتمع شكلاً من أشكال رأس المال يعيد إنتاج رأس المال. ورأس المال هذا هو العلاقة التي تسود بالأيديولوجيا السائدة والمؤسسات السائدة. فكر رأس المال الممارس، أو الفكر السائد، بغياب الوعي الثوري، زرعَ وحصد حتى هذه اللحظة الهدر الهائل الذي أصاب الكوكب. ومن دون وعي ثوري تبقى الطبقة العاملة امتداداً لرأس المال ولا تتحوّل إلى بروليتاريا، أي إلى طبقة مفعمة بالوعي الطبقي. وكذا تبقى الشعوب حصن رأس المال، بدلاً من أن تتحوّل إلى الجماهير الفاعلة تاريخياً.
إلا أنه، بخلاف طبقات الشمال العاملة التي يتحقّق جوهرها أولاً بالريع الإمبريالي وما يكمن ثانياً فيها من قدرات في إبادة الجنوب المطلقة والنسبية، تكمن قدرات طبقات الجنوب العاملة على إنتاج ذاتها بصورة أفضل بالتحرّر من قبضة الشمال؛ فـ«كامن» (Potential) الشمال تدمير الجنوب، وكامن الجنوب التحرُّر من الشمال، لذا من غير الممكن أن تشكّل طبقات العمل في الشمال طبقات ثورية، والعكس ينطبق على الجنوب.
في مرحلة ما بعد الاستقلال من الكولونيالية مباشرة، كانت للجماهير قدرة على الصمود نظراً إلى قدراتها على الاكتفاء الذاتي، وبخاصة في الزراعة، وهو ما جعل تكلفة النضال أقل. لكن مع الهزائم التي مُنيت بها الطبقة العاملة، وبانحسار الأيديولوجيا الثورية مع تفكك الاتحاد السوفياتي، وتزايد السكّان في العالم الثالث مقروناً بتقلّص الطاقات الإنتاجية وتزايد المديونية، زادت تكاليف المرحلة النضالية. وما لا شكّ فيه أنّ الممارسة الخاطئة ما بعد مرحلة الاستقلال أودت إلى وعي خاطئ.
بممارسةٍ جانبت التصويب على التناقض الرئيسي مع الإمبريالية وعدم تجيير السياسات الاجتماعية لهذه الغاية، تطوّرَ وعيٌ انعزالي يتغنَّى بالأممية لكنه يخدم الإمبريالية. وبما أن الممارسة هي مصدر الوعي، فقد كانت النضالات التي تُسقِط العنفَ الثوري وحربَ الشعب من سياسات بناء التنمية هي المؤسّس للمُثُل التي تحكَّمت في الوعي الذي يتوافق مع رأس المال.
وفي دورة يتآزر فيها الفكر الليبرالي مع القوى الإمبريالية الفعّالة، المتمثّلة أيضاً بالشرائح المرتبطة بالشمال عضوياً، تنحدر الشعوب إلى التفرُّج على مجازر غزة من دون أن تأتي بعملية واحدة فاعلة ضد المصالح الغربية الراعية للصهيونية. كما أضحت طبقات الشمال العاملة آكلة لحوم الجنوب من دون كامن ثوري، تَظهر لنا طبقات الجنوب وكأنها شكلٌ غير متغيّر لرأس المال تجد مبتغاها في تذويب نفسها من أجل دعم معدّلات الربح بموتها المبكر. لكن كامن طبقات الجنوب، أي الممارسة التي تتجلّى بأنماط حياة أفضل، يتطلّب الجبهات العريضة المعادية للإمبريالية، التي تتبنّى الأشكال الجديدة لحرب الشعب مهما بلغت التكاليف، لأن تكلفة الاستسلام أصعب من تكلفة الحرب.
ومع اختلال موازين القوى الدولي من جرَّاء صعود الصين، تتصدّع رموز القوى والمعرفة التي صاغتها الإمبريالية، ويتوسع أفق التغيير الثوري.
الدول المدينة، تلك التي تضحي بأطفالها كقرابين على مذابح ديون الدولار (الذي هو رمز لرأس المال، أو القيمة التبادلية، ويستمد قوته من قوة الإمبريالية الأميركية)، والتي ليست بحاجة إلى أن تُقصَف كي تخضع، إنما هي تخضع إذا ما تأخر عنها الدعم بالدولار لشهر واحد، كي تخدم ديونها، إذ يسقط سعر صرف العملة الوطنية، ويزيد التضخّم إلى أن يجوع المجتمع.
هذه الشعوب تملك اليوم خيارات أخرى، إذ تمثِّل الصين شريكها التجاري الأوّل، إذا ما قرَّرت التوقّف عن خدمة الديون وغير ذلك من طرائق النضال. غيَّر صعود الصين، التي كانت أساساً مشروع ستالين لسوفيات شرق آسيوي، خريطةَ السياسة الدولية. ومع هذا، لا تزال قراءة الأحزاب الوطنية تبحث عن أنصاف حلول تشرّع تقصير أعمار شعوبها.
لننظر إلى الواقع كما هو: بالنسبة إلى الوفرة وفائض الإنتاج الكوني الذي يفرض نقصاً في الاستهلاك بتحييده العمل ورأس المال المادي على الصعيد الكوني، وبالنسبة إلى قانون ربحي يفرض سفك دماء الأحياء بالضرورة لزيادة معدلات الربح، وهذا يحدث طبعاً بتواتر تصاعدي نسبة إلى القدرات المتوافرة من جرَّاء تطور قوى الإنتاج الموضوعي، فهذا يعني أن كل ليتر من الدماء المسفوكة في الإبادات البنيوية والمباشرة يُتَرجم إلى زيادة نقدية في الأرباح.
في هذا الواقع الأنطولوجي المبني على قوانين الوجود المستقلّة عنّا، كلّما تحكّمت سلطة رأس المال تصبح المقاومة المنظّمة هي التي تصنع من مقاومة الإمبريالية والصهيونية مسألة بقاء ووجود بالمعنى الحرفي للكلمة. وحالة تذويب الذات هي واقع تعيشه المجتمعات يوميّاً، لكنها بحكم تقيُّدها برموز رأس المال وثقافته لا تلامس هذا الواقع. ثقافة رأس المال لا تمكّن المجتمع من جسر البون بين كينونة الوعي والكينونة الاجتماعية. السجن الكبير هو فكر رأس المال، ثقافته، ومؤسساته التي تمثّل قضبان هذا السجن.
ففي حين يصب إنتاج رأس المال العلمي جوهرياً لا نسبياً، أي ضروريّاً لا حصريّاً، في خدمة آلة القتل الإمبريالية، وهي للتذكير أداة الربح، يرى السواد الأعظم من الشعوب أنّ التطوّر العلمي إنجازٌ للبشرية؛ هذا كلّه في كوكب يدبّ فيه الخراب، ومعظم التقارير البيئية تستشرف الدمار الشامل في السنوات أو العقود المقبلة. يرى السواد الأعظم في رموز «هارفرد» و«جائزة نوبل» منابر علم بدلاً من أن يرى فيها أدوات تقنية وأسلحة تقصّر الأعمار بالنسبة إلى ما هو محدّد تاريخياً. هذه المؤسسات الغربية ومستنسخاتها في الشرق هي قضبان الفولاذ لسجنه الكبير؛ فمن غير الممكن أن تأتي خيراً أدوات صنعها رأس مال جوهره، وجوهر وجوده، هو الاستغلال الذي يتطلّب البطش، ومن ثم الحروب والدمار البيئي كي يُصعّد معدّلات أرباحه.
والأسوأ من ذلك، أنّ مناهج التفكير فُرضِت في نمطَيها التجريبي والشكلي إلى أن جوَّفت الوعي باختزالها الزمن والتاريخ من المخيلة الاجتماعية. الزمن نوعي، والحساب الشكلي لا ينطبق على الواقع كما هو إلا كعامل قياس محدَّد بالزمن المملوك أساساً لرأس المال أو من أجل «المقارنة»؛ فالزمن الحقيقي أو الاجتماعي الذي تعيشه المجتمعات في عملها اليومي خاضع للزمن التجريدي أو زمن المال والدورة المالية التي تتوسع من ذاتها ويتحكم رأس المال فيها.
فكلما زاد حجم الاعتمادات أو المديونية وتوسع معها الريع النقدي، فرض رأس المال تكثيفَ العمل وتجويعَ المجتمعات وإماتَتَها في أزمان أقصر كي يرفد معدل الاستغلال معدل الأرباح أو الريوع النقدية (أمّا بالنسبة إلى «المقارنة»؛ فالرقم في ذاته، كشكل، لا يعني شيئاً إلا بمقارنته إلى ما يرمز إليه).
يتطلّب الخروج من قضبان السجن الثقافي قراءةً كليةً للواقع، لأنّ الحقيقة تكمن في الكل. وهذا العمل ما هو إلا مساهمة في هذا المضمار.
وسوى ذلك، هذا العمل أكاديمي الطابع، وجاء، كما ذكرت، تعليقاً على عمل أكاديمي. أعيد فيه طرح المُسلّمة أو الفرضية المجردة لأعمل على تطويرها بشكل ملموس سياقاً مع ما أناقش. ففكرة الإمبريالية يعاد تعريفها مراراً لمناقشتها مع الزمان أو المكان مثلاً، لكنه عمل مترابط إلى حد ما، الغاية منه تعرية زيف الماركسية الغربية بتواطؤها مع رأس المال.
المسلّمة التي أنطلق منها هي أنّ المنتَج من الهدر ودمار البيئة والإنسان يتخطّى كل ما هو ذو قيمة استعمالية مفيدة ولَّدتها الرأسمالية. والفرضية التي أعيد صوغها هي أنّ علاقة القيمة في ظلّ هذه المسلَّمة وفي دورة إعادة إنتاج اجتماعية وأيضية، يستهلك المجتمع الدمار بسعر ما، وهو ما يجعل الهدر المنتَج الأوّل لعلاقة رأس المال وجوهر علاقة القيمة.
منهجياً أنطلق من نقطة أنّ الجدلية هي عملية تطوّر مبنيَّة على نفي الذات؛ فالجدل يتقدّم بنفي الذات حتى يصل بعد مراحل من التطوّر إلى مرحلة نهائية، إذا صح القول، ترتقي بها المجتمعات بمقدار ما يخسر رأس المال دوره. هكذا عاين ماركس التحوُّل الاجتماعي، لكن كما ذكرت مقدار الهدر البيئي والاجتماعي اليوم أكبر من كل المنتجات المفيدة اجتماعيّاً. والمجتمع، على مدى حياته، يستهلك الموت المبكر والهدر، ويدفع أثمانه. هذه الصورة القاتمة لم تكن في الحسبان أيام ماركس.
وهذا يعني أن علاقة القيمة كانت في الأصل علاقة هدر، وأنّ نمط الإنتاج الرأسمالي مبنيٌّ على الهدر أولاً وآخراً. ومن النافل القول، إنّ الرأسمالية ليست بمرحلة تقدّمية على ما سبقها لأنها هدرت الطبيعة الاجتماعية إلى حدٍ لا يمكن إصلاحه. لذا، أستنتج مبدئياً أنّ ربط الممارسة التي تستهدف الإمبريالية بالوعي الثوري هو الضرورة التاريخية ونهج الحرّية.
