هل لدينا فكرة عمّا نريد؟

جزء أساسي من مشكلاتنا، حتى الأمنيّة، هي أنه لم يكن لدينا تصوُّر: أيَّ عالمٍ نريد. لم يكن العمل الأمني أمراً تقنياً يوماً، بل هو امتداد للسياسة بطرق أخرى. معظم النقد الموجّه إلى حزب الله اليوم ينصبّ على إدارته للملف الأمني، فيما الموضوع سياسي بالدرجة الأولى: كان علينا أن نتخلّى عن منطق المقاومة باتجاه المبادرة والفعالية، لأن المقاومة كانت تَعني أن الحاضرة الإمبريالية لديها متّسع من الوقت لتجرّب الطريقة تلو الأخرى لاختراق دفاعاتك، وطالما أنك في وضعية دفاعية فهي ستجد الطريقة المناسبة في نهاية المطاف.
تعقّب مَنْ سَمَح لهذا الجهاز أو ذاك بالمرور هو تفصيل غير مُجْد. تصوّرك حول العالم الذي تريد هو الذي يَسمح لك بالتحالف مع قوى في هذه القارة أو تلك، في البلد أو ذاك، وضمناً يمنحك القدرة على تجنيد أفراد. هل فعلاً نريد العالم متعدد الأقطاب الذي تدعو إليه الصين (رأينا بعض مزاياه السَّنية خلال العام الماضي)؟ هل فكرة السيادة لا تزال قائمة، إنْ كانت الإجابة بالسلب، فما الذي ندعو إليه إذاً؟ ما الذي نَطرحه بديلاً عن الدولة-الأمّة؟ ما هو شكل الاقتصاد العالمي الذي نريد؟
خلال السنوات ما قبل الحرب الأخيرة، كان هناك تشتُّت هائل في الخطاب السياسي الإيراني، عدم قدرة على إيجاد لغة مشتركة مع أيّ كان حول العالم وفي الإقليم، وحتى تصوُّر للداخل الإيراني نفسه (يَكفي أن تطّلع على «وثيقة النموذج الإسلامي الإيراني التأسيسي للتقدّم للأعوام الخمسين المقبلة» الصادرة عام 2018، لتَكتشف أن هناك رفضاً ممنهجاً لمعرفة العالم بشكل منظّم واكتفاء بعبارات تبسيطية جداً يَستسيغها الجهاز الأمني.
صحيح أن المثقفين بشكل عام لم يبذلوا جهوداً لتقديم أطروحات جدّية، إلا أن الجهاز الأمني الذي يرغب بشدة بنماذج سالم زهران ووئام وهاب عَمّم منطقَه على باقي المؤسسات). لم يكن ممكناً تحقيق ما هو أفضل من الجدارية في كاراكاس حيث يَظهر السيد المسيح مع الإمام المهدي وإلى جانبهما هوغو تشافيز وقاسم سليماني (مَنْ يتذكّر كم كان الغرام بصورة المجاهد الذي يضرب التحية للسيدة العذراء).
حتى على مستوى القضية الأساس، القضية الفلسطينية، ما هو المشروع المطروح؟ حلّ الدولتَين؟ دولة واحدة متعدّدة الأعراق أو الأديان؟ التفاهم مع الروس على صيغة حكم ما (بوتين طَرَح خلال الحرب على إيران فكرة أن إسرائيل دولة روسية «تقريباً»)؟ مثلاً تعزيز الهجرة المعاكسة لليهود الروس (أو أي جماعة أخرى نُشخِّص أنها مركزية في التشكيل الاجتماعي السياسي الإسرائيلي وتفكيكها يفكّك مجمل المشروع الصهيوني)؟
هذا المشروع هو الذي يمكِّنك من تجنيد أفراد حول العالم وضمناً في إسرائيل. كلاوس فوكس سَرّب أسراراً نووية أميركية للاتحاد السوفياتي ورفض أخْذ بدل مالي لقاءها لأنه اعتبرها واجبه الأخلاقي تجاه الشيوعية. التجنيد من خلال دفْع الأموال الطائلة هو استراتيجية يفترَض أنه تبيّن فشلها الذريع. القول بأن المقاومة تَضرب والمشروع يُولَد تلقائياً لم يكن سوى طريقة للتهرُّب من حقيقة أنه لم يكن لدينا أي مشروع ليس فقط لمستقبل فلسطين بل لمستقبل الولايات المتحدة، لمستقبل أميركا اللاتينية، لمستقبل لبنان نفسه، كان لدينا رفض ممنهج لعدم صياغة أطروحة للعالم الذي نريد والأمر لا يتعلق بفلسطين. قدرتنا على التعامل مع الأفرقاء اللبنانيين الآخرين كانت شبه معدومة.
فعلياً، أيّ نقد لتجربة حزب الله وإيران لا يتناولها كجزء من أزمة اليسار حول العالم وأزمة انخفاض مستوى العداء للإمبريالية حول العالم لن يصل إلى نتيجة جدّية يُبنى عليها
كان لدينا قبيل الحرب فنون في استعداء الأطراف اللبنانية الأخرى من خلال الإصرار على عدم فهمها (أموال ممالك الخليج تَأتي لتصبّ في قوالب جاهزة). كان هناك رفْض ممنهج لأي تفسير للظواهر والاعتماد على منطق أمني بسيط جداً في التعامل معها (التقارير الأمنية).
يُحيلنا ذلك إلى إشكالية المعارف التي نُنتِجها حول أنفسنا وحول العالم؛ كثيراً ما نجد أنفسنا ندافع عن عبارة ما أو مقاربة ما لأنها تَخدم قضيتنا إعلامياً وفي المجتمعات «المتقدّمة» (مرّ زمن لم نعد نسمع فيه هذه العبارات التافهة، مَنْ يَذكر كيف كان مثقّفونا يقولون إنه في الغرب يَنتخب المواطنون حكّامهم بناءً على مشاريعهم ويحاسبونهم عليها في الانتخابات التي تَلي، بينما نحن مجتمعات طائفية غير عقلانية تَنتخب بدافع التعصّب، تبدو هذه الأفكار اليوم بعيدة جداً، وهذا جيد بلا شك).
هناك جهد يُبذَل من أجل إثبات أن ما حصل في قطاع غزة هو إبادة؛ اليسار الأرجنتيني تورّط في هذا المسار قبلاً في تناول مرحلة الحكم العسكري الفاشي، وتمّ احتواؤه في لغة قانونية غير تحليلية غير منهجية.
فعلياً، أي نقد لتجربة حزب الله وإيران لا يتناولها كجزء من أزمة اليسار حول العالم وأزمة انخفاض مستوى العداء للإمبريالية حول العالم لن يصل إلى نتيجة جدّية يُبنى عليها. السبب في السعي لإثبات أن ما جرى في غزة هو إبادة هو أن الولايات المتحدة الأميركية هي في الأساس «أرستقراطية محامين» كما وَصفها دي توكفيل في القرن التاسع عشر، وإبستيمولوجيات مدرسة الحقوق اخترقتْ معظم الأطروحات السياسية، أي بَدأ الجميع بوعي السياسة باعتبارها دعاوى قضائية وقرارات من المحكمة العليا. الفلسفة السياسية الفرنسية أكثر غنىً من ثنائية شرعي/غير شرعي أو مُدان/غير مُدان الإنكليزية.
هذا الجهد هو جزء من سياسة التطويق الأكاديمية (لدى الشرطة آلية تُسمى «kettling» بحيث يُحاط المتظاهرون ويتمّ دفعهم بشكل تدريجي إلى مكان بعيد عن الأضواء وكاميرات وسائل الإعلام)، حين تُصاغ عبارة غير تحليلية، ذات طابع نفسي، مثل العداء للسامية، فأنتَ أطلقتَ بذلك مساراً بحثياً أكاديمياً سـ«يَكتشف» من خلال سلسلة من الإصدارات «المفصلية» أن كل المجتمعات غير اليهودية هي معادية للسامية؛ إذاً؟ لا خطوة تالية.
والأمر نفسه مع عبارة مثل «إسلاموفوبيا»، وهي عبارة لا تقدّم ولا تؤخّر في التأويل المنهجي للأحداث والظواهر، لكنها تطلق أيضاً مساراً بحثياً يجد الباحث المسلم نفسه مُجبراً على سلوكه لأنها الطريقة الوحيدة التي تمكّنه من أن يكون مسموعاً ومفهوماً في الجامعة الأميركية، يَكتشف فيه تدريجياً أن كل المجتمعات غير المسلمة هي مجتمعات إسلاموفوبية، وكل غير النساء هم ميزوجينيون وكل غير المثليين هم هوموفوبيون... المشكلة أن هذه العبارات (التي هي مشاريع مؤسساتية ومسارات تمويل بحثي) هي ضد-تأويلية، فبدلاً من تحليل موقع اليهود أو المسلمين أو النساء أو المثليين في نظام اجتماعي سياسي اقتصادي ما، أو حتى كيف تشكّلوا كيهود أو مسلمين أو نساء أو مثليين، يصبح الهدف هو محاكمة هذا النظام ما إذا كان معادياً للسامية أو إسلاموفوبياً أو ميزوجينياً أو هوموفوبياً، وطبعاً ستكون الإجابة بالإيجاب.
الخطوة الثانية الأخلاقوية القانونية ضد-التأويلية تصبح اكتشاف الكاره لنفسه اليهودي والمسلم والمرأة والمثلي...
بالتالي حين كنا نرى أن حزب الله لديه إصرار منهجي على عدم تحليل الآخر أو الظاهرة، فهذا جزء من آليات التطويق المعرفية وإغراقنا بعبارات غير تحليلية، ذات طابع نفسي أو قانوني، ننهمك فيها أكاديمياً، وتُترجَم محلياً بصيغة تقارير أمنية بدل التفسير المنهجي. هل لدينا فكرة عمّا نريد؟ كلا، والجامعة الأميركية بَذلتْ جهوداً مؤسساتية-منهجية تطويقية واحتوائية هائلة كي لا تكون لدينا فكرة عمّا نريد.
* باحث
