من العصابات إلى خرائط البيع: استمرارية المشروع في الجنوب

لا يدع الواقع التاريخي مجالاً للشك في طبيعة المشروع الصهيوني، الذي نشأ على فكرة اقتلاع السكان الأصليين من أرضهم وإحلال مستوطنين محلّهم، مستنداً إلى مزيج من الدعم الاستعماري والعقيدة الدينية والسياسية التي تُعلي من شأن السيطرة على الأرض بوصفها جوهر «الوطن القومي». ومنذ بدايات القرن العشرين، تبلورت هذه الرؤية في ممارسات ميدانية اتّخذت طابعاً عسكرياً عنيفاً، عبر العصابات الصهيونية المعروفة مثل «الهاغاناه» و«الإرغون» و«الشتيرن»، التي مهّدت لكيانٍ قام أساساً على الاحتلال والاستيطان والتهجير القسري.
تشير الوثائق التاريخية إلى أنّ الأطماع الصهيونية في الأراضي اللبنانية تعود إلى ما قبل قيام الكيان الإسرائيلي، إذ تقدّمت الوكالة اليهودية عام 1937 بمذكّرة إلى لجنة بيل البريطانية تطالب بضمّ أجزاء من الجنوب اللبناني إلى «الوطن اليهودي» المُقترح، بحجة الحاجة إلى مياه نهر الليطاني. وقد كرّر دافيد بن غوريون، أول رئيس وزراء لإسرائيل، في مذكّراته، القول بأنّ «حدود إسرائيل الطبيعية يجب أن تمتد إلى الليطاني»، وهو تصريح يعبّر بوضوح عن البعد التوسعي في الفكر الصهيوني منذ نشأته.
تجلّت الأطماع الإسرائيلية تجاه لبنان في سلسلة من الاعتداءات العسكرية التي بدأت منذ خمسينيات القرن الماضي واستمرّت بوتيرة متصاعدة، شملت القصف المتكرّر للقرى الحدودية ومحاولات التوغّل داخل الأراضي اللبنانية.
وقد بلغت هذه الاعتداءات ذروتها في الاجتياح الإسرائيلي للبنان عام 1978، ثم في الاحتلال الواسع عام 1982، وما تلاه من انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان، تمثّلت في مجازر صبرا وشاتيلا، والتدمير المُمنهج للبنية التحتية، وتهجير السكان من قراهم.
كل ذلك، أكّد أنّ الهدف الاستراتيجي لإسرائيل لم يكن أمنياً فحسب، بل جغرافياً وسياسياً يرمي إلى إخضاع الجنوب اللبناني والسيطرة على موارده الحيوية.
في هذا السياق، يُعدّ ما نُشر أخيراً حول تداول «مزاعم» تفيد بأن إسرائيل تُظهِر في خرائط رقمية أراضيَ في الجنوب اللبناني معروضة للبيع، مؤشّراً خطيراً، حتى وإن ثبت - على سبيل الافتراض- عدم صحتها الكاملة.
إنّ مجرد ظهور مثل هذه الخرائط أو التصورات الرقمية يُعبّر عن نزعة استيطانية متجدّدة تستخدم أدوات جديدة – اقتصادية وتكنولوجية هذه المرة – لبلوغ الغاية نفسها التي سعت إليها العصابات الصهيونية بالسلاح: السيطرة على الأرض وإلغاء الحدود.
ما بين عمليات القتل والتهجير في منتصف القرن الماضي ومحاولات التسلل العقاري أو الخرائطي في الحاضر، لم يتغيّر جوهر المشروع الصهيوني، بل تبدّلت وسائله بما يتناسب مع تحوّلات العصر. فالاحتلال العسكري الذي كان وسيلة الأمس، أصبح اليوم يتّخذ أشكالاً ناعمة عبر الاقتصاد والمعلومات والخرائط، في إطار سعيٍ مستمرّ إلى فرض أمر واقع جديد يتجاوز حدود الدول وسيادتها.
إنّ المؤشّرات الأخيرة، وإن بدت محدودة في شكلها الرقمي، تؤكّد أنّ التهديد الإسرائيلي للبنان لا يزال قائماً بأشكال متحوّلة، وأنّ المشروع الصهيوني لم يتخلّ يوماً عن تطلعاته التوسعية.
ومن ثمّ، فإنّ المواجهة مع هذا المشروع ليست ظرفية ولا عسكرية فقط، بل هي دفاع وجودي عن الأرض والهوية والسيادة، يتطلّب وعياً وطنياً ومؤسّساتياً لمراقبة كل محاولة جديدة – مهما بدت رمزية – لإعادة إنتاج فكرة الاستيطان تحت أي غطاء كان.
* باحث أكاديمي
