ENsamaha
لبنان
سوريا
فلسطين
عرب
عالم
قضايا وآراء
ثقافة
كاريكاتور
رياضة
حياة وناس
تغطيات
المزيد
عدد اليومكتاب الأخبار كلماتأرشيف الأعدادفيديوصورأرشيف جوزيف سماحةأرشيف أنسي الحاجزياد الرحباني
PDFعدد اليوم

أخلاق المتسوّلين: الاستذلال بوصفه تقنية للولاء والتنمر

قضايا وآراء
|رأي
حفظ المقالة
كريم حداد
كريم حداد
الجمعة 21 تشرين الثاني 2025
الخط


منذ أن بدأ الإنسان ينشئ نُظماً للهيبة والفضل والعطاء، كانت علاقة المتسوّل بالمعطي أحد أقدم المشاهد الاجتماعية التي تكشف البنية الأخلاقية العميقة للمجتمعات. ليست المسألة مجرد حاجة مادّية أو فقر معزول، بل شبكة معقّدة من الرموز، والهيمنة، وتبادل الامتنان، وأنماط خفية من السلطة. فالتسوّل، كما يظهر عبر الثقافات، ليس فعلاً اقتصاديّاً فقط، بل ممارسة سياسية - أخلاقية تُعيد ترتيب المواقع بين الذات والآخر، بين اليد السفلى واليد العليا، بين الاستذلال الظاهر والاستقواء المستتر.

في الأنثروبولوجيا، تُفهم ممارسات الاستعطاء بوصفها طقوساً تؤدَّى أمام الجمهور: إيماءات مطأطأة، نظرات شاحبة، لغة جسد منكسرة، وبنية خطابية تبالغ في عَرْض الألم والعجز. هذا «المسرح» ليس بريئاً؛ إنه جزء من اقتصاد رمزي يُقنع المعطي بأنّ ما يقدمه ليس نقوداً فقط بل هو رحمة، فضل، وتفوّق معنوي.

هنا يتأسس ما يمكن تسميته أخلاق المتسوّلين: منظومة قيمية تقوم على إظهار الخضوع استراتيجياً للحصول على المنفعة. هذا الخضوع ليس إحساساً داخلياً بالمهانة دائماً، بل مهارة يُعاد إنتاجها. فكما في الطقوس الدينية، يتكرّر المشهد حتى يصبح المتسوّل خبيراً في أداء الانكسار، يضبط نبرة صوته، يختار مفردات الذل المناسبة، ويستثمر صورته كضحية كي يفتح باب العطاء.

الاستذلال هنا ليس موقفاً وجودياً، بل تقنية اجتماعية: تقنع الآخر بأنه الأقوى، الأكثر نبلاً، الأكثر قدرة على المنح، وفي الوقت نفسه تجعل المتسوّل شخصاً ضرورياً، يذكّر الآخرين بقدرتهم على الرحمة وبالتالي بامتلاكهم قوة فائضة.

حين يدخل المتسوّل شبكة منتظمة من العلاقات – كأن يعتمد على معطٍ بعينه أو جماعة معطين – يبدأ نمط آخر بالتشكّل: الولاء. هذا الولاء يقوم على قاعدة بسيطة: أنا أستجلب عطفك، فأنت تمنحني الحياة؛ لكنني في المقابل أمنحك حضوري كامتداد لهيبتك.

بهذا المعنى، يصبح المتسوّل مرآة للمعطي. يتماهى معه، يدافع عنه، يروّج لصورته أمام الآخرين، ويُظهر معرفة دقيقة بما يريده كي يبقى ضمن دائرة عطائه. الولاء هنا ليس خياراً حراً بالضرورة، بل نتيجة هندسة اجتماعية تُحوّل الاعتماد الاقتصادي إلى عبودية وجدانية.
هذه الظاهرة نجدها في ثقافات كثيرة، حتى ما قبل الدولة الحديثة. في القرى القديمة كان المتسوّل يتبع بيتاً معيناً، يمدحه، يتعصّب له، ويعامل خصوم ذلك البيت كخصوم له. في المدن المعاصرة نرى متسوّلين يفضّلون أحياء معيّنة، متاجر محدّدة، أو زبائن معينين، يحيطون بهم بهالة تبجيل، ويقابلونهم بلغة تفخيم: «أستاذي»، «معلمي»، «كريمي»، «سيدي».

هذا الخطاب ليس تملقاً محضاً، بل هو منطق تبادلٍ غير متكافئ: المتسوّل يمنح المعطي شعوراً بالسلطة الأخلاقية، والمعطي يمنح المتسوّل شعوراً بالأمان والاستمرار.

لكن الظاهرة الأكثر إثارة للانتباه في أخلاق المتسوّلين هي آلية التنمّر بالنيابة. فالمتسوّل، حين يشتدّ ولاؤه لمعطيه، يبدأ في استخدام ما يملكه من مهارات خطابية وجسدية ليتحامل على من يعتبرهم «أعداء» ذلك المعطي.

كيف يحدث ذلك؟

أولاً، لأن المتسوّل يعيش على الاعتراف. من يعطيه يعترف به، أما من يرفض، فهو يهينه. هنا تتحوّل العلاقة إلى ما يشبه معادلة أخلاقية: من لا يعطيني يهين معطيّ، ومن يهين معطيّ هو عدوي. فيصبح الرفض رمزياً أكثر منه اقتصادياً.

ثانياً، لأن المتسوّل حين يُرفض يشعر بأن كرامته - التي أعاد تشكيلها من خلال معطيه - قد مُسّت. فيردّ عبر التنمّر: يطلق الشتائم، يسخر من الرافض، يصفه بالبخل أو القسوة، ويتحوّل إلى حارس أخلاقي للمعطي: من يعطي هو الكريم، ومن لا يعطي هو «الشرير».
هكذا تنشأ طبقة أخلاقية جديدة: المتسوّل يصبح أداة لإنتاج ثنائية الخير والشر في الفضاء الاجتماعي، حيث الخير يتمثّل في معطيه والشر في باقي الناس. هذه الثنائية تمنح المتسوّل سلطة رمزية: فهو قادر – رغم ضعفه – على إصدار الأحكام، على “تأديب” الغرباء لفظياً، وعلى إعادة تعريف الأخلاق بحسب موقعه من المعطي.

إذا نظرنا إلى هذه الظاهرة من منظور أعمق، نكتشف أن التسوّل ليس مجرد علاقة فردية، بل هو امتداد لبنية اجتماعية أوسع. الاستذلال الذي يمارسه المتسوّل يشبه في جوهره استذلال الجماعات الفرعية التي تعتمد على راعٍ سياسي أو اقتصادي، فهي تُبجّله كي تُعادي خصومه. فكما يمدح المتسوّل معطيه ليهجو خصومه، تمدح بعض الجماعات راعيها في مقابل تنمّرها على خصومه أو على الفئات الأضعف منها.

إنّها أخلاق الهرمية: حين تكون القوة محصورة في يد القليلين، يصبح الطريق إلى النجاة بالولاء لهم، ويصبح التعبير عن الولاء في كثير من الأحيان تبريراً للعنف ضد الآخرين. المتسوّل هنا نسخة مصغّرة من النظام الكلي: يستذل نفسه أمام المركز ليمارس القسوة على الأطراف.
وهذا ما يجعل دراسة أخلاق المتسوّلين نافذة لفهم مجتمعات كاملة: كيف يتحول الخضوع من مجرّد حاجة فردية إلى منطق عام لإدارة العلاقات الاجتماعية؟

على المستوى الوجودي، يعيش المتسوّل حالة تذبذب بين ثلاثة مستويات:
- ذات مُهانة واقعياً بفعل الحرمان.
- ذات ممسرحة تؤدي دور المهانة للحصول على العطاء.
- ذات متعالية على من يرفضها أو يعادي معطيها.
هذا التلاقي بين الذل والتعالي يخلق شخصية فريدة: شخصية تحمل جرحاً عميقاً، لكنها تخفيه خلف مهارات بلاغية وجسدية، تجعلها قادرة على إعادة توزيع الألم في الفضاء العام. فالمتسوّل حين يصرخ على من يرفضه، لا يصوّب غضبه نحو الشخص نفسه، بل نحو تاريخ طويل من الإقصاء.

المتسوّل حين يصرخ على من يرفضه، لا يصوّب غضبه نحو الشخص نفسه، بل نحو تاريخ طويل من الإقصاء

إنّ تنمّره على «عدو» معطيه ليس فعلاً أخلاقياً، بل فعلاً وجودياً: محاولة لاستعادة السيطرة في عالم فقد السيطرة عليه. إنه شكل من التقمّص العاطفي: يتقمّص المتسوّل قوة معطيه ليحارب بها الآخرين.
في المنطق السائد، يُفترض أن المتسوّل أضعف أفراد المجتمع، لكن واقع الأمر يعكس صورة أخرى: المتسوّل يمتلك حقاً غير رسمي في إصدار الأحكام الأخلاقية.

فهو، من خلال خطاب العذاب والاحتياج، يُحرج المارّة، ويُجبرهم على اتخاذ موقف: إما العطاء أو الرفض. كلا الموقفين يُفسَّر أخلاقياً: العطاء فضيلة، والرفض رذيلة.

بهذا يصبح المتسوّل مُنتجاً للمعنى: يخلق ثنائية الندى والشحّ، الرحمة والقسوة، من خلال حضوره في الشارع. وعندما يقسو على الرافض، فهو لا يقسو باسم نفسه، بل باسم «العدالة» التي يشعر أنها غُدرت.
ومن هنا نفهم لماذا تبدو ردود فعله غالباً مبالغاً فيها: الشتيمة، الدعاء على الرافض، التهكّم. إنها ليست ردوداً على حدث لحظي، بل على تاريخ اجتماعي طويل يحضر كله في لحظة الرفض.

لكن رغم كل هذا، لا ينبغي اختزال المتسوّلين في صورة واحدة. فهناك أيضاً أنماط من التسوّل تتجاوز الاستذلال إلى الاحتجاج. بعض المتسوّلين يرفضون لعب دور الضحية، فيطلبون العطاء بكرامة، أو يقدّمون خدمة رمزية: تنظيف زجاج السيارة، بيع منديل، عزف موسيقى. هؤلاء يحاولون إعادة تعريف العلاقة من «ذل مقابل فضل» إلى «منفعة مقابل منفعة».
إنّهم يعيدون التفكير في معنى الكرامة ضمن ظروف القهر. وربما تكشف هذه الفئة إمكان بناء أخلاق أخرى للتسوّل، لا تقوم على الولاء أو التنمّر، بل على المشاركة الرمزية.

ليست أخلاق المتسوّلين سوى مرآة حادّة للسلطات التي تحكم المجتمع. فالاستذلال الذي يمارسونه للحصول على العطاء هو نسخة مصغّرة من الاستذلال الذي تمارسه الجماعات الضعيفة تجاه الأقوياء. والتنمر الذي يمارسونه على «أعداء» معطيهم هو ظاهرة تتكرر في السياسة والدين والاقتصاد، حيث يتحوّل الضعيف إلى حارس لهيبة من يعتمد عليه.
يعلمنا هذا المشهد أنّ الفقر ليس فقط أزمة موارد، بل أزمة أخلاقية تنتج بنىً كاملة من الولاء والقسوة. وأنّ المجتمعات التي تكرّس الهرمية ستخلق دائماً فئة تستذل لتعيش وتتنمّر لتبقى.

بهذا يصبح المتسوّل ليس حالة فردية عارضة، بل مجازاً للإنسان حين تُسلب منه الإمكانات: يُجبر على التبجيل كي يحصل على القوت، ويُدفع إلى العنف الرمزي كي يضمن الولاء. وفي النهاية، لا يبقى من الأخلاق إلا ما تنتجه الحاجة من فنون الخضوع وأساليب المنازلة.

الأكثر قراءة

لبناننصار يقطع طريق بعبدا على غانم؟
الأخبار

24.08.2026

لبناناحفظوا هذا الاسم: معاوية أبو عرب!
الأخبار

24.08.2026

لبنانإجراءات جديدة في مطارَيْ بيروت ودمشق
الأخبار

24.08.2026

آسيامحاولة باكستانية لتدارك التصعيد: إيران تلوّح بـ«القنبلة»
محمد خواجوئي

24.08.2026

banner بنك عودةbanner بنك عودة
  • من نحن
  • وظائف شاغرة
  • اتصل بنا
  • للإعلان معنا
  • اشترك معنا

محتوى موقع «الأخبار» متوفر تحت رخصة المشاع الإبداعي 4.0 2026©

يتوجب نسب المقال إلى «الأخبار» - يحظر استخدام العمل لأغراض تجارية - يُحظر أي تعديل في النص، ما لم يرد تصريح غير ذلك