تنوّع مفاهيم «السلفيّة» عند معتنقيها

في العهد الأموي (41-132 هـ)، تمَلّك الكثير من المسلمين شعور بالابتعاد عن المثال الذي كان زمن النبي ومن بعده أبو بكر وعمر: قال سعيد بن جبير (توفي 94 هـ) «ما لم يعرفه البدريون فليس الدين» (الشاطبي: «الموافقات»، ج4، دار المعرفة، بيروت 1975، ص 78). هذا الشعور وجد أيضاً عند بعض الصحابة منذ زمن ما بعد وفاة عمر بن الخطاب في اليوم الأول من عام 24 للهجرة: قال عبدالله بن مسعود (توفي 32 هـ): «ليس عام إلا والذي بعده أشَر منه» (الشيخ محمد بن عبد الوهاب: «كتاب فضل الإسلام»، وزارة الشؤون الإسلامية، الرياض 1422 هـ، ص 13).
وصل هذا الشعور إلى ذروته عند الإمام مالك بن أنس (93-179 هـ) الذي كان أول من قال بمقولة «السلف الصالح» وقصد بها الصحابة ومَن عاصر الصحابة وتابعهم. والإمام مالك أتى وريثاً لـ«مدرسة أهل الحديث» في الفقه المتمركزة في الحجاز والتي قالت بـ«الأثر» كأساس للفقه وأحكامه، وأوله «الحديث النبوي» ومعظم رواته حجازيون، ضد «مدرسة الرأي» المتمركزة في العراق، وقد عنت هذه المقولة أن هناك عهداً مثالياً يكون الاقتداء به هو الإسلام وما دون ذلك هو «بدعة» أو «إحداث» لم يعهده الإسلام المعطى زمن النبي ومعه ومن بعده المسلمون الأوائل من الصحابة والتابعين.
لم يكن تفكير مؤسس المالكية هو الغالب في السياق التاريخي العام لمسار الفكر الإسلامي، ولكن، في محطات منفردة، وجدت نزعات مماثلة تنتخب «ماضياً إسلامياً مثالياً» تضعه في مواجهة مسلمي عصرها وبالتضاد معهم، كما نجد عند ابن حنبل (توفي 241 هـ) في مواجهة المعتزلة بزمني المأمون والمعتصم حيث طرح نزعته الحرفية الاقتدائية بالكتاب والسنة في مواجهة المخاطر العقائدية التي رآها في عقيدة المعتزلة حول «خلق القرآن». هذه النزعة عند ابن تيمية هي وقائية ودفاعية. كان هذا أيضاً عند ابن حزم الأندلسي (994-1064م، توفي 594)، الذي عاش فترة انحطاط الدولة الأموية في الأندلس وسقوطها، ثم بدأ عهد ملوك الطوائف منذ عام 1031 ميلادية، لما طرح المفكر الأندلسي فكرة «الأصل – النبع» ممثلاً في «الكتاب والسنة» وضرورة الاقتداء بظاهرهما من دون تأويل أو إعمال رأي.
وصلت هذه النزعة إلى اكتمالها مع ابن تيمية (ت 728 هـ / 1328 م)، وهو الذي عاش فترتي الصليبيين والتتار وحارب فكرياً الفلاسفة وعلماء الكلام والمتصوفة والشيعة، ثم دخل في صدام مع المماليك حتى انتهى الأمر بوفاته في سجن القلعة بدمشق، لمّا طرح في كتابه «الفرقان بين الحق والباطل» أن أصل «مذهب أهل السنة» هو النظر «في ما قاله الله والرسول، فمنه يتعلم وبه يتكلم، وفيه ينظر ويتفكر، وبه يستدل، فهذا أصل أهل السنة» (مكتبة دار البيان، دمشق 1993، ص41)، ومحدداً فضل الصحابة عبر «اعتصامهم بالكتاب والسنة» (ص17) أي محدداً «السلف» من خلال «الأصل»، ومحدداً مفهوم «البدعة» عبر «ما تقدّموا، أي أصحاب الرأي من فلاسفة ومتكلمين ومتصوفة، فيه بين يدي الله ورسوله» (ص42).
يلاحظ هنا انفراد الإمام مالك بمقولة «السلف الصالح»، فيما اقترب ابن حنبل من ملامسة مفهوم «الأصل» الذي لاحقاً كان أول من طرحه ابن حزم ثم وصل إلى اكتماله في مفهوم «أصل أهل السنة» مع ابن تيمية: مفهوم «الأصولية» انبنى على فكرة ابن تيمية تلك التي وصلت عند سيد قطب في «معالم في الطريق» (مكتبة وهبة، القاهرة 1964) إلى حدود القول إنه كان «قصد رسول الله أن يقصر النبع الذي يستقي منه ذلك الجيل في فترة التكوين الأولى على كتاب الله وحده» (ص16) وهو يبني مفهومه كأصولي عن «الانحراف» و«العودة إلى الجاهلية» بسبب «اختلاط النبع الأول» (ص16).
«السلفية» و«الأصولية» مفهومان في الفكر السياسي حديثان من بنات أفكار القرن العشرين، ولو كانت قاعدة الأول عند مالك بن أنس، وقاعدة الثاني عند ابن تيمية: اختلط الاثنان عند شامي طرابلسي هو رشيد رضا (1865-1935)، وجعله سقوط دمشق بيد الفرنسيين مع معركة ميسلون (24 تموز / يوليو 1920)، وهو الذي كان قبل أربعة أشهر ونصف شهر رئيساً للمؤتمر السوري الذي نصَب الأمير فيصل بن الحسين ملكاً على المملكة السورية، يهجر الأفكار الإصلاحية لأستاذه محمد عبده. تأسست «السلفية» على يد تلميذ دمشقي له هو محب الدين الخطيب (1886-1969)، وتأسست «الأصولية» على يد تلميذ مصري له هو حسن البنا (1906-1949).
مال رشيد رضا أكثر نحو «السلفية» ومات سلفياً، وهو يعتبر «الإسلام الحق هو ما أعلنه النبي والسلف الصالح...وحواه القرآن والحديث وسنة النبي وأصحابه» (ألبرت حوراني: «الفكر العربي في عصر النهضة»، دار النهار، بيروت 1968، ص 276) فيما كان أستاذه محمد عبده يمدّ زمن «السلف الصالح» إلى عند الغزالي (ت 505 هـ).كان رشيد رضا متشدداً عقائدياً مع الشيعة وميالاً سياسياً لـ«الوحدة الإسلامية» معهم ضد الهجمة الغربية وضد الأتاتوركية. لم يكن هذا اتجاه محب الدين الخطيب عندما قال، ضد محاولات التقريب بين السنة والشيعة التي حاولها حسن البنا في عام 1947، بـ«استحالة التقريب بين طوائف المسلمين وبين فرق الشيعة بسبب مخالفتهم لسائر المسلمين في الأصول» (كتيب «استحالة التقريب»، 25 صفحة، نسخة إلكترونية، ص 22).
هذا الموقف العقيدي ضد الشيعة يترافق عند محب الدين الخطيب مع «الولاء للصحابة»: «يوالي المسلمون سائر الصحابة الذين قام الإسلام، والعالم الإسلامي، على أكتافهم» (ص 24)، وهو يعلن في تصدير كتاب «العواصم من القواصم» لأبي بكر بن العربي أن «أصحاب رسول الله هم قدوتنا في ديننا... كانوا سبب كياننا الإسلامي، ولهم ثواب انتمائنا إلى هذه الملة الحنيفية...» (دار البشائر، بدون مكان وتاريخ الطبع، ص 26 و28)، وهو يرفض تخطئة أحد منهم: «أصحاب رسول الله تتفاوت أقدارها، وتتباين في أنواع فضائلها، إلا أنها كلها كانت من الفضائل في مرتقى درجاتها» (ص 25-26)، بخلاف ما نجده عند سيد قطب في كتابه «العدالة الاجتماعية في الإسلام» تجاه عهد الخليفة عثمان بن عفان.
كان هناك دمشقي آخر في تأسيس «السلفية» هو الشيخ ناصر الدين الألباني (1914-1999)؛ يقول الألباني في تحديده لكيفية فهم الدين: «يفسر القرآن بالقرآن والسنة، ثم بأقوال الصحابة» («منزلة السنة في الإسلام»، الدار السلفية، الكويت 1984، ص 15-16). وهو يوحد بين القرآن والسنة: «الشريعة الإسلامية ليست قرآناً فقط، وإنما هي قرآن وسنة» (ص 13)، «لا فرق بين قضاء الله وقضاء رسوله» («الحديث حجة بنفسه في العقائد والأحكام»، مكتبة المعارف، الرياض 1425 هـ، ص31)، و«القرآن لا يغني عن السنة» («المرجع السابق»، ص33).
لم يقترب الألباني من السياسة، بل ركز على العقيدة وتحديد تخومها، ولكن ورغم هذا ومن قول الألباني بـ«طاعة ولي الأمر» وقوله «من السياسة ترك السياسة»، إلا أنه وفي محاضرة «الحديث حجة بنفسه...»، الملقاة في غرناطة عام 1972، ينوّه بشكل إيجابي (في الصفحة 91) بمبدأ «الحاكمية لله» عند الأصوليين أبو الأعلى المودودي وسيد قطب الذي كان أساس النزعة الجهادية في وسط «الإسلام السياسي»، إلا أنه من الواضح أن ذلك لأسباب عقيدية مفهومية، وليس لأسباب تتعلق بالسياسة.
حاول سوري ثالث هو محمد سرور زين العابدين، وهو من تنظيم جماعة الإخوان المسلمين في سوريا، من مواليد حوران، أتى للتدريس في السعودية عام 1965، التوفيق أو إقامة جسر بين «السلفية» و«سيد قطب» عبر تأسيس «السلفية الحركية ــ السرورية»: قاومه «الإخوان المسلمون»، وقاومه السلفيون. لم تنجح «النزعة السرورية» في ذلك.
ما فشل فيه سرور زين العابدين نجح فيه قيادي إخواني أردني ــ فلسطيني هو عبدالله عزام (اغتيل عام 1989 في بيشاور)، الأقرب إلى سيد قطب من قربه للبنا، لما تتلمذ على يديه في السعودية شخص اسمه أسامة بن لادن قبل أن ينتقلا إلى أفغانستان أوائل الثمانينيات، حيث انتقل ابن لادن من السلفية، التي في بنائها العقائدي «طاعة أولي الأمر»، إلى «السلفية الجهادية» بتأثير عزام، ثم تبلور هذا تنظيمياً من خلال تأسيس «تنظيم قاعدة الجهاد» في عام 1998، القائم على «السلفية الجهادية، عبر تلاقي ابن لادن مع زعيم «تنظيم الجهاد» المصري أيمن الظواهري الذي يحمل أفكار سيد قطب في تكوينه العقائدي.
في التأسيس الفكري للسلفية الجهادية نجد شخصاً سورياً أيضاً، هو مصطفى ست مريم نصّار - أبو مصعب السوري (مواليد حلب 1958، اعتقل عام 2005 في باكستان بتعاون بين المخابرات الباكستانية والأميركية ومن ثم سُلِم للسلطات السورية ولم يعرف مصيره بعد ذلك)، من خلال كتابه المنشور باسم عمر عبد الحكيم: «الثورة الإسلامية الجهادية في سوريا: الجزء الأول: التجربة والعبرة، الجزء الثاني:الفكر والمنهج» (نسخة إلكترونية، عام 1991)، فهو يتبنى مفهوم «الحاكمية لله» (ج2، ص10)، ولكن يرى «أنه لن يكون من سبيل لإقامة هذا النظام الإسلامي إلا الجهاد الثوري المسلح» (ج2، ص10)، وهو يرى أن كل الحركات الإسلامية المعاصرة التي تتصدى لإقامة الحكم الإسلامي... هي انقلابية الطابع جذرية التصور والحلول على صعيد الهدف المعلن، فهي تسعى إلى استبدال حكم البشر للبشر بحكم الله لهم... وهذا الطرح الانقلابي الجذري يمثل ثورة على الأوضاع القائمة، مهما حاول بعض الإسلاميين الفرار من هذه الكلمة الساخنة» (ج2، ص214).
وكتاب أبو مصعب السوري تنبني أفكاره وتولد من رحم نقد التجربة الإسلامية الإخوانية السورية (وغيرها) التي تدعو إلى «السبل السلمية» (ج2، ص214) و«العمل الدعوي الذي يرضى به الطواغيت مما لا يشكل عليهم خطراً» (ج2، ص215) عبر رؤيته أن «بنية هذه الهياكل الطاغوتية تفرض علينا إما قبولها ككل أو إسقاطها كلها» (ج2، ص215).
في البنية العقيدية لـ«السلفية الجهادية» يحضر دائماً مبدأ «الحاكمية لله» بالمعنى السياسي، كما كان بالأصل عند المودودي وسيد قطب وعبدالله عزام وأيمن الظواهري، ولكن من أكسبه المعنى الفكري ــ الأيديولوجي الجديد بمعناه المسلح فقد كان هو أبو مصعب السوري، حيث كان التيار القطبي، الذي سيطر على جماعة الإخوان المسلمين المصرية في عام 2009 عبر الثنائي محمود عزت - محمد بديع، يقبل بالطرق السلمية وهو الذي أوصل محمد مرسي للرئاسة عبر صندوق الاقتراع. وكذلك تلاميذ المودودي الباكستانيون الذين دخلوا في اللعبة البرلمانية من خلال تنظيمهم: «حزب الجماعة الإسلامية». أمّا أبو مصعب السوري، فقد وجد نفسه عبر أفكاره في صف واحد مع ابن لادن والظواهري في أفغانستان أواخر التسعينيات.
* كاتب سوري
