نقص الأيديولوجيا في العلوم السوفياتية

مشكلة «الليسينكووية» (مذهب بيولوجي سوفياتي ضد الوراثة المندلية ومبادئ أساسية في الداروينية) لا تكمن في كونها غير «علمية»، بل إنه ليس هناك فلسفة علوم ماركسية متقدمة كتلك التي نجدها عند فوكو أو توماس كون. يَصعب أن تجد تفسيراً طبقياً لأسباب انفصال الكيمياء عن الفيزياء مثلاً، أو لماذا مجال كالسيكولوجيا يتشكّل من دمج خطابات مستجدة في كلّ من الطب والفلسفة والفيزياء ثم ينفصل ليشكّل مجالاً قائماً بذاته، بينما علوم الداتا (رغم أهميتها الواضحة اليوم) بقيتْ موزعة على عدة أقسام معرفية، أو كيف يتشكّل قانون (canon) القسم المعرفي وما هي الإقصاءات والاختيارات التي تُنتِجه وما هو نوع الصعوبات التي تواجه نظريةً جديدة في القسم، ما هي شروط انضمامها إلى قانون القسم أو اضطرارها لتصبح مجالاً معرفياً منفصلاً... عليك تدوير المعطيات على مراحل كثيرة (وبالتالي فقدان «الحدّة» التحليلية) كي تتمكّن من إسقاط توزُّع المجالات المعرفية وسياسات مؤسساتها في قالب التحليل الطبقي.
هناك تاريخياً الكثير من الخرافات التي أَسّست على هوامشها مجالات تجريبية أدّتْ لاحقاً إلى تطورات «علمية»، وكان يمكن لليسينكووية (إذا اعتبرناها خرافة في أسوأ الأحوال) أن تكون إحداها لو لم يتسرّع في الإعلان عن نتائج واكتشافات مخبرية (ومطالبة مؤسسات المعرفة الراهنة بأن تَعترف بها على أنها اكتشافات علمية) في حين أنه لم يكن لديه تصوّر منهجي عن كيفية تطوّر وتحوّل الحقول والخطابات والمؤسسات المعرفية (التجريبية أو خلافها).
فكرة أن الكائنات تَزدهر بالتعاون وليس بالتنافس كان يُفترَض على الأقل أن تَدفع باتجاه نوع جديد من الداتا لجمعها، ولادة أفق رؤية، مثلاً معامِل أو قياسات التبادل والاشتراك (أي «التعاون») على المستوى الجزيئي، ثم مع تضخّم حجم الداتا يصبح هناك حاجة إلى إيجاد طرق لتنظيمها، ثم يَبدأ الحقل الجديد بالتفاعل تدريجياً مع مؤسسات المعرفة الموجودة التي تَبدأ بشكل منتظم بـ«رؤية» داتا لم تكن موجودة قبلاً. أو وضْع الزراعة المتقاربة كهدف للتحقيق ثم استكشاف الشروط التي تَجعل هذه الزراعة ممكنةً بحيث يُعاد ترتيب النظريات السابقة وفق اتجاه جديد قد يَنشأ عنه معايير وطرق قياس جديدة. هذا أقل الإيمان المنهجي في ظل غياب فلسفة علوم ماركسية، لا نتحدّث هنا عن تبعات التوتر الإبستيمولوجي ــ السياسي ما بين الأقسامي ــ الحواضري والشروط التي يَجعل تحقيقها ممكناً إنشاء أقسام مؤسساتية معرفية جديدة.
في الجامعة الأميركية اختُزلتْ العلوم السوفياتية بأنها كلها ليسينكووية، بأنها كثير من الأيديولوجيا المفروضة على العلوم التجريبية، رغم أن ما كان يَنقص الليسينكووية هو بالضبط المزيد من الأيديولوجيا، ورغم أن البيولوجيا كانت الحقل الوحيد الذي تمّ التجريب فيه بأفكار مستقاة من الماركسية. خارج مجال البيولوجيا (الفيزياء، الرياضيات، الكيمياء،...) كان السوفيات «نظاميين» بالكامل، يسعون إلى منافسة الجامعات الأميركية وفقاً للتصنيف الأميركي للمعارف.
الليسينكووية كانت مغامرة السوفيات الوحيدة في العلوم، وتراجع المساهمة السوفياتية حتى في الإنتاج المعرفي الروتيني (ليس في المجالات المستجدة) بَدأ بالتراجع تحديداً مع المراجعاتية التي حكمتْ الاتحاد السوفياتي بعد ستالين. الطريقة التي نُفّذتْ فيها من دون وجود فلسفة ماركسية متقدمة للعلوم وما تلاها من إعلان براءة هو ما دفع الاتحاد السوفياتي إلى الجمود العلمي والتكنولوجي على المدى الطويل وليس إخضاع العلوم للأيديولوجيا كما هو متعارف عليه في الجامعة الأميركية.
خلال الفترة الماوية الأولى، كان هناك في الصين جهاز لنقل المعارف والتجارب السوفياتية إلى الصين، ثم في الفترة اللاحقة أصبح الجهاز نفسه معنيّاً بإيجاد الأدلة على أن الاتحاد السوفياتي ابتعد عن الماركسية الحقيقية، وبعد انهيار الاتحاد تكامل الوصف الأميركي مع الوصف الصيني له ليُنتِج فضاءً خطابياً هجيناً (ومتناقضاً داخلياً) في بكين يَستخلص «الدروس» من تجربة الاتحاد السوفياتي، تَعتبر أن كل ما فعله كان خطأً أدّى إلى انهياره.
هناك اليوم في الصين نوع من «الوسواس القهري» المعرفي والمؤسساتي يَقضي بضرورة عكْس كل ما فعله الاتحاد السوفياتي سابقاً حتى لا يكون مصير الصين الانهيار في نهاية المطاف. في العلوم، انعكس ذلك مطابقةً صينية كاملة مع الجامعة الأميركية: العلم هو ما تصنّفه الجامعة الأميركية كذلك، وعلينا أن ننافس الولايات المتحدة من داخل الإبستيمولوجيات التي تَعتمدها، وهذا مثير للقلق بالنسبة إلى مستقبل الصين التكنولوجي أيضاً. محاولة منافسة الولايات المتحدة في مجال أنصاف الموصلات لن يكتب له سوى الاستمرار في فكرة اللحاق، إذْ إن الفكرة وشروط تطويرها لا تزال تصاغ في الجامعات الأميركية.
المراجعة السوفياتولوجية، ستكون ضرورية للصين ليس فقط لإعادة صياغة علاقتها بدول العالم الثالث وتشكيل نظام دولي مختلف بعيداً من مكتبة الأوهام التي تشكّلتْ وتخثّرتْ حول أسباب سقوط الاتحاد السوفياتي، بل ضرورية قبل ذلك لقدرتها على التقدّم التكنولوجي والنمو الاقتصادي
تعلّمتْ الصين من الدروس السوفياتية أنه يجب أن تبادر إلى ألترا-اعتناق للكومبيوتر لتفادي تخلُّف الاتحاد السوفياتي في هذا المجال، لكنها ستجد نفسها تتخلّف في مجالات أخرى تكنولوجية، فليس الكومبيوتر نفسه هو الذي تسبّب في هيمنة الولايات المتحدة بل سياسات الكومبيوتر، وهي سياق وحواشٍ فكرية ــ مؤسساتية هائلة محيطة بالكومبيوتر، وفي هذا المجال (غير العلمي، أو غير الـ«STEM») الجامعة الأميركية لا تزال أقدر على إيجاد هذه السياقات، وبالتالي قدرة أميركية على قتل تكنولوجيا تَعتقد أنها غير قادرة على منافسة الصين فيها وإحياء أخرى تَعتقد أن الصين لن تتمكّن من مجاراتها فيها.
نعم، هجوم الرئيس دونالد ترامب على الجامعة الأميركية يمكن أن يؤدي إلى فقدان هذا الامتياز الأميركي، ولكن علينا أن نكون فاعلين في تفكيك الجامعة الأميركية وألا ننتظر سقوطها من تلقاء نفسها، لأن الأكاديمي الأميركي هو أخلاقياً من أسوأ أنواع الباحثين وبإمكانه إعادة رسْم مجمل المسار الفكري من أجل تبرير هيمنة الولايات المتحدة باعتبارها «أقل الشرور»، لتتمكّن الإمبراطورية من الحكم لقرن آخر.
مثال آخر هو استقلالية البنوك المركزية، التي هي أسطورة بَنتْها الجامعة الأميركية، لكن كونها أسطورة لا يَعني أبداً أن رئيساً لدولة ما يمكنه ببساطة إلغاء فكرة استقلالية البنك المركزي. هناك سياق من مؤسسات إنتاج المعرفة ذات السلطة أَنتجتْ هذه الفكرة، وإذا أردتَ أن تلغيها، عليك أن تقوم بعملية تفكيك تدريجي للسياق المعرفي الذي أَنتجها ووضْع معايير أخرى بديلاً منها، وليس الاتصال برئيس البنك المركزي وإبلاغه بتنفيذ الأوامر بحجة أن استقلالية البنك المركزي هي تركيب (construct)، لأن نتائج ذلك ستكون كارثية على اقتصادك.
ولكن ما يهمّنا نحن، شعوب الشرق الأوسط وأميركا اللاتينية، هو الفكرة الأخطر، وهو أن على الصين ألا تَنزلق إلى دعم دول العالم الثالث لمواجهة الإمبريالية الأميركية، لأن ذلك بحسب «الدروس السوفياتية» أدّى إلى استنزاف موارد موسكو خلال الحرب الباردة. طبعاً هذا الدرس هو من إنتاج الجامعة الأميركية وليس نتاج النقد الماوي التقليدي للنموذج السوفياتي؛ لم يكن لدى ماو انتقاد لموسكو في مجال دعم دول العالم الثالث، على العكس هو انتقد ما رآه إمبريالية سوفياتية تجاه العالم الثالث.
حين تَطرح على مسؤول صيني مسألة دعم دولة ما تهدّدها واشنطن، فإنه مباشرة يَستذكر الحروب والأنظمة التي موّلها وسلّحها الاتحاد السوفياتي، وكون هذا التمويل أنهك الخزينة السوفياتية من ناحية، ولم يؤدِّ إلى كسْر الإمبريالية الأميركية من ناحية ثانية. لا تتخيّل الصين علاقتها بالشرق الأوسط وأميركا اللاتينية إلا عبر العلاقة السوفياتية بهاتين المنطقتَين واندفاع تلقائي للسير بعكسها (وهو المعيار شبه الوحيد في رسْم السياسات الخارجية للصين اليوم). ما يعزِّز هذا الاتجاه الصيني هو كوْن الولايات المتحدة مربَكة تجاه الصين تحديداً لأن الأخيرة لم تَسلك المسار والكرونولوجيا السوفياتية، أي لبرلة تدريجية يتلوها انهيار أو يتلوها عملية انفتاح كلي منظمة وليستْ فوضوية كما هو الدرس السوفياتي المفترَض، وبالتالي فإن التجربة السوفياتية تَحكم المقاربتَين الصينية (في شؤونها الداخلية والدولية) والأميركية في تعاطيها مع الصين.
نحن، الصين، والعالم، بحاجة ماسة اليوم إلى سوفياتولوجيا تُعيد صياغة «الدروس» التي صاغتها الجامعة الأميركية وتبنّتْها الصين، لأن السوفياتولوجيا الراهنة هي سالبة بالمطلق، عبارة عن تقاطع النقد الماوي لاشتراكية الاتحاد السوفياتي مضافةً إلى التصوّرات الأميركية عنه، ونحن في الأطراف ندفع ثمن ذلك غالياً. بشكل عام، الصراع بين الحواضر الإمبريالية في لحظة زمنية ما هو ليس فقط على نهب دول الأطراف، بل على تقاسم تركة الحواضر الإمبريالية التي هيمنتْ في العصر السابق؛ الصراع بين الاتحاد السوفياتي والولايات المتحدة على التركة الألمانية الفرنسية البريطانية، واليوم الصراع بين الصين والولايات المتحدة، يحرّكه قراءة ما للاتحاد السوفياتي، وقد نكون لاحقاً أمام صراع ما بين إمبريالي جديد لتقاسم «العلوم الأميركية» ربما.
السوفياتولوجيا، أو المراجعة السوفياتولوجية، ستكون ضرورية للصين ليس فقط لإعادة صياغة علاقتها بدول العالم الثالث وتشكيل نظام دولي مختلف بعيداً من مكتبة الأوهام التي تشكّلتْ وتخثّرتْ حول أسباب سقوط الاتحاد السوفياتي، بل ضرورية قبل ذلك لقدرتها على التقدّم التكنولوجي والنمو الاقتصادي. تفسير تراجع الإنتاج السوفياتي العلمي والتكنولوجي بأنه نتيجة نقص في الأيديولوجيا وليس الكثير منها قد يكون نقطة بداية لتغيير السياسة الصينية في مختلف مجالات الإنتاج المعرفي، ومنها العلاقات الدولية.
* باحث
