إسرائيل واستهداف ركائز حزب الله غير العسكرية

لم تعُد المواجهة بين إسرائيل وحزب الله، محصورة في ساحات القتال أو في لعبة الاغتيالات المُتبادلة. فالمُتابِع للخطاب الأمني والإعلامي الإسرائيلي، يلاحظ اتّجاهاً متزايداً نحو إعادة تعريف ساحة الصراع مع الحزب، بحيث لا يعود مقتصراً على السلاح والصواريخ والبنية القتالية، بل يمتدّ ليطاول الركائز الاجتماعية والثقافية والتنظيمية التي يقوم عليها مشروع حزب الله، وتحديداً منظومة «الدعوة» والخدمات، وجهاز التعبئة الذي يشكّل أساس صموده واستمراريّته.
هذا التحوّل ليس عابراً. بل يعكس إدراكاً إسرائيلياً بأنّ ضرب القدرات العسكرية، على أهمّيته بالنسبة إليها، لا يكفي لتغيير موازين القوى، ما دام الحزب يحتفظ بقاعدته الشعبية وبمصادر تجنيد دائمة وببنية أيديولوجية وتربوية، تنتج أجيالاً جديدة من الملتزمين. وبذلك يصبح المجتمع الشيعي نفسه، أو على الأقلّ تصبح أجزاء منه، هدفاً غير مُعلن في الاستراتيجية المقبلة.
تقوم الرؤية الإسرائيلية المستجدّة على أنّ حزب الله ليس مجرّد قوة عسكرية، بل ظاهرة اجتماعية – سياسية - ثقافية. ولذلك، فإنّ إضعافه وفق هذا المنظور، لا يتمّ عبر قصف مستودعات أو اغتيال قادة فقط، بل عبر تقويض بنيته الاجتماعية التي تسمح له بالتجنيد وبالسيطرة على قراره الداخلي وبإعادة إنتاج شبابه.
ومن هنا، يظهر تركيز مراكز الأبحاث الإسرائيلية على ثلاث ركائز غير عسكرية وهي، منظومة الخدمات والرعاية والتركيز على شبكات الصحة، التعليم، الرعاية الاجتماعية، الجمعيات الخيرية، والهيئات البلدية التي تمنح الحزب قوة نفوذ في المجتمع الشيعي. أي ضربة منهجية لهذه المنظومة، مباشرة أو غير مباشرة، تهدف إلى إضعاف ارتباط الناس بالحزب. كذلك العمل على الهوّية الأيديولوجية والتربوية وهي الركيزة الأكثر حساسية، لأنها تطاول الجيل الجديد الذي ينشأ ضمن مؤسسات الحزب وحاضناته الفكرية. وأخيراً السعي إلى فكّ الارتباط مع إيران، عبر السعي إلى عزل الحزب اقتصادياً وسياسياً داخلياً، وشيطنته خارجياً، وإظهار علاقته بإيران كعبْء على لبنان. وإسرائيل، تعي أنّ ضرب هذه الركائز أصعب من ضرب هدف عسكري، لكنه، من وجهة نظرها، أكثر فاعلية على المدى البعيد.
«كشافة المهدي» في دائرة الاستهداف
من بين جميع هياكل الحزب، يبدو أنّ كشافة الإمام المهدي، ستكون هدفاً مركزياً في الحرب الناعمة المقبلة. فالخطاب الإسرائيلي يصف هذا الجهاز بأنه «مصنع الأجيال» و«خزّان التعبئة»، بل يعدّه بعض المحلّلين أخطر من السلاح نفسه لأنّ دوره يتجاوز الحاضر إلى تشكيل المستقبل.
وليس مُستبعداً أن تتّخذ إسرائيل، خطوات متدرّجة تشمل حملات إعلامية لشيطنة الكشافة وربطها بالتجنيد العسكري المبكر. والضغط على جهات دولية لوضعها في خانة التنظيمات «المتطرّفة»، كما السعي إلى حرمانها من التمويل الأهلي أو الأممي أينما وجد، وتحريك منظّمات محلّية أو دولية لإثارة نقاشات حول «استغلال الأطفال» أو «تسييس الطفولة»، مع استهداف رمزي لأي نشاط جماهيري للكشافة لتقويض صورتها المعنوية.
وهذا النوع من الاستهداف يضع المجتمع اللبناني، وليس الحزب وحده، أمام تحدٍّ أخلاقي وسياسي، لأنّ المساس بالعمل الكشفي أو التربوي، يفتح الباب أمام نزاعات اجتماعية وثقافية واسعة.
كيف يواجَه هذا التحدّي؟
على المؤسسات المرتبطة بالحزب أن تكرّس في خطابها وواقعها أنّ العمل الكشفي تربوي وخَدَمي، لا بوابة تجنيد مباشر. كلّما كان هذا الفصل أوضح، كان أصعب على إسرائيل، تحويل الكشافة إلى «هدف مشروع»، وكما أنه عليها الاعتماد على الدولة اللبنانية والمؤسسات الوطنية، لسدّ الفجوات الخدماتية التي يملؤها الحزب اليوم، لخفض قابلية المجتمع لأن يصبح ساحة صراع. والتحذير من خطورة تحويل فئات كاملة من المجتمع إلى أهداف في سياق نزاع خارجي. المطلوب موقف لبناني جامع يرفض المسّ بالأطفال والمؤسسات التربوية—مهما كانت انتماءاتها.
المشكلة ليست في «ما ستفعله إسرائيل» فقط، بل في كيف يمكن لإسرائيل أن توظّف الثغرات الداخلية أيضاً. لذلك يجب نشر الوعي حول تكتيكات الاستهداف غير العسكري وتوقّع أدواتها. ومن المهمّ بناء دفاع حقوقي–إعلامي يحول دون استخدام المجتمع الدولي كأداة ضغط على هذه المؤسسات.
حرب جديدة… بوسائل جديدة
المرحلة المقبلة ستشهد انتقالاً إسرائيلياً، من استهداف «جسد» الحزب إلى استهداف «روحه». أي ضرب مساحات التربية والخدمة والهوّية والانتماء. هذه الحرب الناعمة قد تكون أعمق أثراً من أي صراع عسكري، لأنها تطاول العلاقة بين الحزب وبيئته، خصوصاً فئة الشباب.
لذلك يصبح التنبّه واجباً وطنياً، لا حزبياً فقط. فالمعركة على الأجيال، هي معركة على مستقبل لبنان وعلى تماسك مجتمعه وعلى حماية الطفولة من أن تتحوّل إلى ميدان صراع بين مشاريع إقليمية ودولية. وكلُّ إهمال لهذه الجبهة سيجعل المجتمع نفسه، لا الحزب فقط، يدفع الثمن.
