السيادة ووزير الذكاء الاصطناعي

ردّ مكتب وزير الدولة لشؤون التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي، كمال شحادة، على مقال نشرته «الأخبار» في التاسع من هذا الشهر تحت عنوان («سياديّو لبنان» يسلّمون موظفي القطاع العام وبياناته لأميركا... وإسرائيل!)، محاولاً طمس حقيقة تسليم الدولة اللبنانية بيانات القطاع العام لشركة «Oracle» العالمية وعلاقة هذه الشركة بالعدو الصهيوني. بينما الواقع، أنّ «ألف باء السياسة» تبدأ من فهم علاقات القوة والتأثير في توقيع هكذا اتفاقيات: أولاً من جهة توقيتها، وثانياً معنى حضور السفير الأميركي بشخصه أثناء التوقيع.
رغم خطورة الموضوع وتداعيات ربط بيانات القطاع العام في هذه الشركة المذكورة، فإن الأمر يتعدّى مسألة البيانات والأمور التقنية ويتخطاها إلى إعادة تشكيل البنية الاجتماعية ضمن منهجية الاستعمار الحديث. فالمذكّرة التي وُقّعت تهدف إلى تدريب وتأهيل 50 ألف موظف لبناني من القطاع العام والخاص، في مجالات الحوسبة السحابية والذكاء الاصطناعي وتعلّم الآلة، بهدف تحويل لبنان من مستهلك للتكنولوجيا إلى مركز إقليمي للابتكار الرقمي، عبر تأسيس بنية تحتية بشرية وتقنية متقدّمة تدعم اقتصاد الذكاء الاصطناعي. الأمر الذي تُظهّره تلك المذكرة وتصريح مكتب الوزير وكأنه إنجاز، بالأخص مع هبة التدريب هذه. إلا أن فكرة «هبة التعليم» تعيد شيئاً من تاريخ الاستعمار إلى الحاضر، وتذكّر قارئ التاريخ بالإرساليات!
شكّلت الإرساليات إحدى أهم أدوات الاستعمار في التوغّل داخل البنية الاجتماعية في منطقتنا، تحت مبدأ التعلّم وإدخال «الحضارة» إلى مجتمعنا. وأقصد بالبينة تحديداً المؤسسات ودورها الوظيفي. فتم إنشاء الجامعة الأميركية تحت اسم «الكلية السورية البروتستانتية» وهي تمثّل الحضور الأميركي، و«جامعة القديس يوسف» تمثيلاً للفرنسي؛ مؤسسات تبشيرية تعليمية أنتجت نخبة سياسية مستشرقة، متآمرة على المجتمع، إلى جانب طبقة كولونيالية. والأجدر بالذكر، مع شكل بناء المستعمر لتلك المؤسسات داخل البنية الاجتماعية، انقسام طائفي شرعَنَ وجود النظام الطائفي.
إنّ مهزلة التاريخ في ذكر هذه الجامعات بأنها شريكة في هذه الاتفاقية التي أُبرمت، ولكن مصيبة الحاضر بأن الجامعة الرسمية شريكة أيضاً. تلك الجامعة التي أُنشت من نضال الطبقات الشعبية، فسقط طلاب وأساتذة شهداء برصاص الأمن حتى تأسست، ليس فقط من أجل تعليم مجاني للفقراء، بل أيضاً من أجل وجود جامعة من شأنها إنتاج ثقافة نقيضة لثقافة الاستعمار التي كانت تؤسسها تلك الإرساليات. فكانت معقل الحركات الاجتماعية ومحرّكها، تحت ضغط عقود من ممارسات السلطة السياسية في تفتيتها وتهميشها، حتى انتهى الأمر إلى إلغاء الانتخابات الطالبية منذ عام 2008.
واليوم، استفاقت السلطة السياسية على إدخالها في برنامج التدريب هذا، من أجل «بنية تحتية بشرية وتقنية متقدمة تدعم اقتصاد الذكاء الاصطناعي». في المقابل، السلطة نفسها غائبة عن البنية التحتية لبنيان الجامعة نفسها. وإن المضحك المستفز، أنه منذ حوالى 15 عشر يوماً تقدّم طلاب كلية الآداب الفرع الأول بكتاب مرفق مع تقرير مهندس، بالغ الخطورة، يتحدّث عن إمكانية انهيار السقف على الطلاب في أي لحظة، إلا أنه لم يعر الأمر أي اهتمام من قبل إدارة الجامعة. فعن أي بنية تكنولوجية يتحدّثون ما دامت بنية الحجر نفسها مهددة؟
إنّ هذا التناقض يفضح مفهوم السيادة الذي تناوله مكتب الوزير، وأيضاً معشر «سياديي» اليوم الذين ينتظرون السيادة من الأعلى. البنية تحكم الوجهة والدور الوظيفي. فكيف يمكن للجامعة الرسمية أن تنتج معرفة لأجل المجتمع، وتبني شروط «السيادة» إن كانت بنيتها ستكون تابعة لشركة داعمة بشكل واضح، مادياً وأمنياً وعسكرياً واقتصادياً، لعدو المجتمع؟
إنّ إدخال تقنيات ووسائل داخل بنيتها هو إعادة إنتاج للبنية. ومَن سيكون موهوماً لدرجة التوقّع بأن العدو سيسمح بأن تكون بنية الجامعة قادرة على إنتاج معرفة توفر شروط التحرر أو حتى أقله شروط الردع؟ مئات التصريحات تخرج من الاحتلال ومن الأميركي، في السعي إلى ضرب أي إمكانية لنشأة أي حركة مقاومة ضده، ليس فقط حركات إسلامية بل أي حركة كانت، وهذا يفضح توقيت هذه الاتفاقية وغيرها الكثير من الاتفاقيات التي تبرم، لا سيما اتفاقية البذور المهجنة التي أقدم عليها وزير الزراعة مع شركة شبيهة لـ«oracle».
إننا أمام حرب طبقية - استعمارية، يقودها من الداخل من هم متمركزون في المجالس السياسية الرسمية حيث تتقاطع مصالحهم مع أصحاب رأس المال، يخوضون حربهم على القطاع العام وآخر موارد المجتمع، وهم راكعون أمام المستعمر القديم بثوبه الحديث وأمام المحتل. حرب تطال آخر مقومات بناء مجتمع عبر إعادة إنتاج بنية كولونيالية بشروطٍ تتوافق مع المتغيرات الإقليمية.
بينما الفقراء، بمعزل عن الأيديولوجيا، هم مَن كانوا تاريخياً محرّك حركات المقاومة، منذ دخول الإرساليات إلى من وقف حاملاً سلاحه بوجه الصهيوني في جبل عامل. إنها صيرورة تاريخيّة، بدأت منذ تشكّل البنية على يد المستعمر، منتجة نظاماً من العلاقات ومنظومة سياسية-معرفية-اقتصادية-اجتماعية تجعلنا مغتربين عن أرضنا، إلى اليوم التي أودت فيه تلك البنية إلى إعادة إنتاج نفسها من خلال الصراعات الطائفية والتفقير والهروب من الواقع.
اليوم، نحن أمام معركة وجودية، إمّا نشكّل مدّاً ثورياً يدافع عن القطاع العام وتحديداً الجامعة اللبنانية بالذات واستردادها من إرادة الخونة والنشّالين، وإعادة تشكيل بنية مؤسسية قادرة على إنتاج معرفي تحرري من أجل سيادة من الأسفل، أي سيادة الإنسان على أرضه، وإمّا على الدنيا السلام.
لا يمكن قطع التاريخ إلا بالثورة، بتغيير البنية ودورها الوظيفي من الجذور، وهذا لا يستطيع حزب الله ومنهجيته القيام به، بل بمنهجية علمية تنطلق من تجارب مجتمعاتنا وخبراتنا المعرفية، بمنهجية طبقية أممية تحررية تعيد تعريف الإنسان والمعرفة والحياة.
* كاتب
