ENsamaha
لبنان
سوريا
فلسطين
عرب
عالم
قضايا وآراء
ثقافة
كاريكاتور
رياضة
حياة وناس
تغطيات
المزيد
عدد اليومكتاب الأخبار كلماتأرشيف الأعدادفيديوصورأرشيف جوزيف سماحةأرشيف أنسي الحاجزياد الرحباني
PDFعدد اليوم

معادلة الصمت

قضايا وآراء
|رأي
حفظ المقالة
مهدي بغدادي
مهدي بغدادي
الخميس 11 كانون الأول 2025
الخط

ثمّة لحظات في التاريخ المعاصر لا تُقاس بارتفاع منسوب الضجيج، ولا بعدد التصريحات، ولا بما يُقال على المنابر؛ بل بما لا يُقال. ومن يتأمّل المرحلة التي أعقبت معركة ما عرفت بـ«أولي البأس» يلاحظ بوضوح أنّ البيئة الإقليمية تشهد تحوّلاً في نمط إدارة الصراع، أحد أبرز تجلياته تبنّي الصمت المحسوب بوصفه عنصراً من عناصر الردع.

قد تبدو هذه المفارقة غريبة لمن اعتاد النظر إلى العمل السياسي والعسكري عبر عدسة البيانات المتتالية والاستعراضات المتواصلة. لكنّ المتغيرات في المنطقة تُظهر أنّ الغموض المدروس قد أصبح جزءاً من اللعبة، وأنّ بعض الفاعلين - ومنهم حزب الله - انتقلوا إلى مقاربة تعتمد تقليل الكلام وزيادة المساحات التي يملؤها الخصم بالأسئلة لا بالإجابات.

ليس الهدف هنا تمجيد أو إدانة هذه المقاربة، بل فهمها: لماذا بات الصمت، في لحظة معينة، خياراً؟ ولماذا أصبح أكثر تأثيراً من التصريح؟
الصمت ليس حياداً بل رسالة في بيئة صراعٍ حساسة. يعرف الجميع أنّ المعلومات سلاح. وأنّ ما يُكشف لا يقلّ خطورة عمّا يُخفى. حين يختار طرفٌ ما تقليص بيانه العلني إلى الحد الأدنى، فهو بذلك يعيد تشكيل ميزان التوقعات لدى خصمه. وكلما اتسعت مساحة الغموض، ارتفع مستوى الحذر لدى الطرف المقابل.

الصمت، في هذه الحالة، لا يعني الانكفاء ولا التراجع، بل يعني العمل خارج الضوء، حيث تكون الخطوات أصعب على الرصد، وأبعد عن الحساب المباشر، وأكثر إرباكاً لمن يراقب.
وهذا ما يفسّر إلى حد كبير ازدياد القلق في الأوساط الإسرائيلية - كما تعكسه تحليلات الإعلام هناك - من غياب المؤشرات العلنية حول ما يُحضّر أو ما يمكن أن يحدث. فحين لا تتضح معالم الصورة، يضطر الخصم إلى افتراض أسوأ السيناريوهات، وإلى إعادة الحسابات أكثر من مرة.

ما بعد «أولي البأس» ليس استمراراً للمرحلة التي قبلها بل انتقال إلى نمطٍ أكثر دقة وهدوءاً


اللافت أنّ هذا النمط من العمل ليس طارئاً على فكر المنطقة ولا على ميراثها الثقافي، بل يجد جذوره في تعاليم الشريعة الإسلامية نفسها. فالنص القرآني يقول بوضوح: «وَخُذُوا حِذْرَكُمْ»، وهي دعوة لا تحتمل التأويل الكثير؛ الحذر واجب، وإدارة الخطر جزء من التكليف، وليست خياراً ثانوياً. ويقول تعالى أيضاً: «وَلَا تَهِنُوا فِي ابْتِغَاءِ الْقَوْمِ»، في إشارة إلى ضرورة التعامل بجدية مع الخصم، بعيداً من الغرور أو الاستخفاف.

الروايات الإسلامية كذلك رسّخت قيمة الكتمان. فالحديث النبوي المعروف «استعينوا على قضاء حوائجكم بالكتمان»، يُظهر بوضوح أنّ ضبط المعلومة قد يساوي في أهميته العمل نفسه. أمّا قول الإمام علي «سرّك أسيرك، فإن أفشيته صرتَ أسيره»، فهو يقدّم خلاصة بليغة في كيفية إدارة المعلومات الحساسة في لحظات التوتر.

هذه التعاليم لم تكن مواعظ مجردة، بل قواعد عمل استُخدمت عبر قرون في السياسة والحرب وإدارة المجتمع. واليوم، تعود إلى الواجهة بطريقة عملية، ولو بحلّة معاصرة.
هناك نمطان للنصر: نصرٌ يُعلن ويترافق مع خطابات واحتفالات ورسائل سياسية واضحة، ونصرٌ يُبنى تدريجياً، بصمت، عبر خطوات صغيرة لا تُرى، لكنها تُحسب.

ما يجري في المنطقة اليوم يشير إلى أنّ الصمت أصبح جزءاً من المعادلة. ليس لأنه أسلوب «أفضل» أو «أسوأ»، بل لأنه ببساطة يناسب طبيعة اللحظة: لحظة معقدة، مفتوحة على احتمالات متعددة، تتداخل فيها السياسة بالأمن، والرسائل المعلنة بالمعلومات الممنوعة.
وفي ظل هذا الواقع، يبدو أنّ ما بعد «أولي البأس» ليس استمراراً للمرحلة التي قبلها، بل انتقال إلى نمطٍ أكثر دقة وهدوءاً، وأكثر اعتماداً على زمن الصمت بدل زمن التصريحات.

قد يختلف المتابعون في تقييم هذه المقاربة أو في تفسير مستويات تأثيرها، لكن من الصعب تجاهل حقيقة أنّ الصمت - في سياق معيّن - يتحوّل إلى خطابٍ أقوى من الكلام. وأنه قد يصنع توازنات جديدة لا تُرى في العلن، ولكن تُحسّ في مراكز القرار.
وفي عالم تحكمه المعادلات الدقيقة، يبقى السؤال مفتوحاً: هل سيستمر هذا النمط طويلاً؟
أم أنّ المنطقة مقبلة على انتقالٍ جديد من الصمت إلى العلن؟ الأسابيع والأشهر المقبلة وحدها ستقدّم الإجابة.

* باحث في العلاقات الدولية

الأكثر قراءة

لبناننصار يقطع طريق بعبدا على غانم؟
الأخبار

24.08.2026

لبناناحفظوا هذا الاسم: معاوية أبو عرب!
الأخبار

24.08.2026

لبنانإجراءات جديدة في مطارَيْ بيروت ودمشق
الأخبار

24.08.2026

آسيامحاولة باكستانية لتدارك التصعيد: إيران تلوّح بـ«القنبلة»
محمد خواجوئي

24.08.2026

banner بنك عودةbanner بنك عودة
  • من نحن
  • وظائف شاغرة
  • اتصل بنا
  • للإعلان معنا
  • اشترك معنا

محتوى موقع «الأخبار» متوفر تحت رخصة المشاع الإبداعي 4.0 2026©

يتوجب نسب المقال إلى «الأخبار» - يحظر استخدام العمل لأغراض تجارية - يُحظر أي تعديل في النص، ما لم يرد تصريح غير ذلك