ENsamaha
لبنان
سوريا
فلسطين
عرب
عالم
قضايا وآراء
ثقافة
كاريكاتور
رياضة
حياة وناس
تغطيات
المزيد
عدد اليومكتاب الأخبار كلماتأرشيف الأعدادفيديوصورأرشيف جوزيف سماحةأرشيف أنسي الحاجزياد الرحباني
PDFعدد اليوم

الدولة صنماً: حين يصبح العقل أداة للهيمنة

قضايا وآراء
|رأي
حفظ المقالة
كريم حداد
كريم حداد
السبت 13 كانون الأول 2025
الخط

منذ قرونٍ، لم تكفّ الفلسفة الغربية عن تمجيد الدولة باعتبارها تجسيدًا للعقل، وصورة النظام في العالم البشري. من أفلاطون إلى هيغل، كانت الدولة هي الردّ الفلسفي على الفوضى، والطريق الذي يعبُر به الإنسان من الطبيعة إلى التاريخ. غير أنّ هذه الميتافيزيقا التي رأت في الدولة ذروة الوعي الإنساني، كانت تُخفي في أعماقها أخطر عملية قلبٍ للمعنى: فقد تحوّل العقل من طاقةٍ للتحرّر إلى آليةٍ للسيطرة، وتحولت الفلسفة من نقدٍ للسلطة إلى خادمةٍ لها.

اليوم، ونحن نعيش انحطاط الحداثة السياسية، تتبدّى نتائج هذا القلب واضحة: دول ضخمة تراقب، تقنّن، تُحصي وتُعاقب؛ مجتمعات تُدار لا تُحكم؛ وذوات تُختزل إلى وحداتٍ في منظومة إنتاجٍ بلا غاية. إنّ الدولة الحديثة، في جوهرها، لم تعد مؤسسةً قانونية أو جهازًا إداريًا، بل نظام تفكيرٍ شامل يعيد تشكيل العالم وفق منطق الهيمنة. من هنا، لا يعود السؤال السياسي: من يحكم؟ بل السؤال الفلسفي الأعمق: كيف أصبح الحكم نفسه قدرًا عقلانيًا؟

1- العقل الذي ابتلع حريته

كلّ فلسفةٍ للسلطة تبدأ بوعدٍ بالأمان. من هنا كانت الدولة، منذ هوبز، الحلّ الذي ابتكره الإنسان ليهرب من الخوف. غير أنّ الخوف لم يُلغَ، بل أُعيد تنظيمه. فبدل فوضى الطبيعة، صار الخوف مؤسَّسًا في القوانين، وبدل خطر الجسد، صار الخطر في الذات التي يجب ضبطها باسم الصالح العام.

حينها انقلب العقل من وسيلةٍ للتحرر إلى أداةٍ لتبرير القهر. صار «العقل» الذي تمجّده الفلسفة هو العقل الذي يقيس الطاعة بالمنطق ويحوّل العنف إلى وظيفة قانونية.

في لحظةٍ تاريخيةٍ ما، لم تعد السلطة بحاجةٍ إلى الإكراه المباشر. فقد نجحت في تحويل نفسها إلى بنيةٍ عقلانية، أي إلى ما يبدو طبيعيًا ولا بديل له. هكذا، صارت الدولة ليست ما نواجهه من الخارج، بل ما يسكن وعينا كضرورة. هي «العقل الكلي» الذي نُفكّر من داخله.

2 - من الميتافيزيقا إلى الإدارة

ما كان في العصور القديمة تساؤلًا عن العدالة، صار في العصر الحديث مسألة إدارة. فالدولة، كما تعرفها الحداثة، لم تعد موضوعًا أخلاقيًا بل مسألة تقنية. المهمّ ليس ما إذا كانت عادلة، بل ما إذا كانت فعّالة. وهذا هو التحوّل الذي حوّل السياسة إلى بيروقراطية، والحقّ إلى إحصاء، والمجتمع إلى آلةٍ للتنظيم الذاتي.

في هذا العالم الإداري، يُقاس الإنسان بوظيفته، وتُقاس الحرية بقدرتها على الامتثال. إذ تحققت نبوءة هيغل بطريقةٍ معكوسة: لم تصبح الدولة تجسيدًا للعقل، بل العقل هو الذي تماهى مع الدولة. فالعقل، حين يُعرّف نفسه بالكلّية والتنظيم والانسجام، يجد نفسه على صورة الدولة ذاتها.

ومن هنا، فإن نقد الدولة لا يكون مجرّد نقدٍ سياسي، بل تفكيك لميتافيزيقا العقل نفسه: تلك التي تعتقد أن النظام شرطٌ للحقيقة، وأن السلطة ضمانةٌ للعقل.

3 - الدولة كمنظومة اغتراب

ليس القهر المادي وحده ما يجعل الدولة بنيةً للهيمنة، بل القهر الرمزي الذي يُعيد تشكيل الإنسان نفسه. فالدولة لا تسيطر على الأجساد فقط، بل على الزمن والمعنى. إنها تحتكر ليس العنف فحسب، بل أيضًا التفسير: ما هو الخير؟ ما هو القانون؟ ما الذي يُعدّ «صالحًا عامًا»؟

تُنتج الدولة، عبر مؤسساتها التربوية والإعلامية، نظامًا متكاملًا لإعادة إنتاج الطاعة، لا بوصفها قسرًا بل «عقلًا سليمًا». وهكذا تتحول السلطة إلى ثقافة، ويغدو القبول بها شكلًا من أشكال العقلانية. إنها، بتعبيرٍ فلسفي، «الاغتراب الأعلى»: حين يُسلّم الإنسان قرارات وجوده إلى جهازٍ يتحدث باسمه. وكلّما توسّعت الدولة باسم الحماية أو الرفاه، ضاق المجال الذي يستطيع فيه الإنسان أن يقرّر. وليس غريبًا إذًا أن يختزل المواطن الحديث حريته في فعلٍ رمزيٍّ كالتصويت، ثم يعود إلى صمته الطويل حتى الدورة المقبلة.

4 - العدالة بوصفها تبريرًا لعدم المساواة

في قلب كلّ دولةٍ وعدٌ بالعدالة، غير أنّ العدالة في بنيتها ليست سوى نظامٍ لتوزيع اللامساواة. ومنذ أرسطو، كانت العدالة هي «إعطاء كلّ ذي حقٍّ حقَّه»، لكن من الذي يحدّد هذا الحقّ؟ الدولة. أما في مجتمعٍ طبقي، فيصبح القانون مرآةً مائلة: يعكس التفاوت ويُقدّمه كتكافؤ. هكذا تحوّل القانون من معيارٍ للإنصاف إلى آليةٍ لتجميل الفوارق.

أمّا ما يُسمّى «المساواة أمام القانون» فليست سوى المساواة الشكلية التي تُخفي واقع السيطرة الاقتصادية والسياسية. لكن العدالة التي تُقاس بالقانون تشبه الموازين التي صُمِّمت لتبقى مختلة، ومع ذلك يقال إنها عادلة لأنها متوازنة في الشكل.

5 - الدولة والاغتراب البيئي

في زمننا، لم تعد هيمنة الدولة مقتصرةً على الإنسان؛ فهي تمارس وصايتها على الطبيعة نفسها. والبيئة اليوم تُدار كما تُدار الأسواق: وفق منطق الأمن والسيطرة. حيث أصبحت الدولة الحديثة الوسيط العام بين الإنسان والكوكب، تنظّم استهلاكه وتحدّد قيمته، وتحول الطبيعة إلى موردٍ خاضعٍ لحساباتها. وهكذا يظهر البعد الكوني لأزمة الدولة: ليست فقط مسألة ظلمٍ اجتماعي، بل أزمة في علاقة الإنسان بالعالم. فما لم يُغيَّر شكل السلطة، سيبقى الكوكب كلّه رهينة في يد الوحش الإداري نفسه الذي يبتلع البشر والموارد معًا.

6 - الفلسفة كاستعادة للقرار

ما الذي يمكن أن تفعله الفلسفة في وجه هذه الميتافيزيقا السياسية التي تُقدَّم باسم العقل؟

الفلسفة، في أصلها، كانت نداءً ضدّ السلطة: حين تساءل سقراط عن العدالة، لم يكن يبحث عن تعريف، بل كان يُفكّك ادّعاء الدولة بأنها تملكها. وأن نفكّر فلسفيًا اليوم يعني أن نعيد إلى الإنسان قدرته على التساؤل عن الضرورة نفسها: هل ما نعتبره عقلًا هو بالفعل عقلٌ أم نظام امتثال؟

الفلسفة لا تُعارض الدولة باسم الفوضى، بل باسم الحرية التي لا تُقاس بالكفاءة، وباسم العقل الذي لا يتماهى مع السلطة. فالعقل الحقيقي لا يُبرّر النظام، بل يُسائل منطقه.

7 - من الطاعة إلى المشاركة

البديل ليس في «إسقاط الدولة» كما في خيال الثورات السريعة، بل في تحويل معنى السلطة نفسه. حين تتحول القرارات اليومية إلى شأنٍ جماعي، وحين يُعاد تعريف العمل لا كواجبٍ بل كمشاركةٍ في بناء المشترك، تبدأ الدولة في التراجع ككيانٍ مفارق. وكل خطوةٍ نحو التسيير الذاتي هي خطوةٌ في ذبول الدولة. فالمسألة ليست تقنية، بل أخلاقية: هل نثق بأن البشر قادرون على تنظيم حياتهم دون وصاية. وكلّ فلسفةٍ تؤمن بالعقل الإنساني يجب أن تجيب بالإيجاب، وإلا انقلبت على نفسها.

8 - ما بعد الدولة: أفق الإنسانية الجديدة

أن نتجاوز الدولة لا يعني أن نعيش بلا نظام، بل أن نعيد تعريف النظام بما يخدم الإنسان لا العكس. والعالم الذي يُدار اليوم عبر شبكاتٍ ماليةٍ وعسكريةٍ وإداريةٍ معولمة هو «ليفياثان» كونيّ، يُخضع الكوكب لمعادلات الربح والردع والرقابة.

لكن في الهامش، في المجتمعات المحلية، في التعاونيات، في الحركات البيئية والاجتماعية، تظهر أشكال جديدة من التنظيم لا تعتمد على التراتب بل على التشبيك، لا على السيطرة بل على المشاركة. وهذه التجارب، وإن بدت صغيرة، هي إشاراتٌ إلى ما يمكن أن يكون: عقل بلا وصاية، وتنظيم بلا دولة، وإنسانية بلا خوف.

9 - الفلسفة ضدّ السلطة

في النهاية، لا تقوم الفلسفة الحقيقية داخل قصور الحكم، بل في مواجهة الفرضية التي تجعل الحكم قدرًا. فحين يتحوّل العقل إلى خادمٍ للدولة، تصبح الفلسفة مقاومةً لاستعادته. وليس المطلوب أن نُسقط المؤسسات، بل أن نُسقط الإيمان الغيبي بها؛ أن نعيد إلى الإنسان مسؤوليته عن مصيره. وبهذا المعنى، يصبح كلّ تفكيرٍ حرٍّ عملاً سياسيًا، وكلّ فعلٍ نقديٍّ نواةً لتحرّرٍ جماعي. كون الدولة ليست نهاية التاريخ، بل مرحلة في تاريخ الاغتراب. وحين يُدرك الإنسان ذلك، تبدأ الفلسفة مرّتها الأولى من جديد.

هكذا لا تكون الفلسفة ضدّ الدولة بوصفها جهازًا إداريًا، بل ضدّ الفكرة التي جعلت الدولة مصيرًا للعقل. إنها نداءٌ لاستعادة الإنسان ككائنٍ سياسي لا يُمثَّل، بل يُشارك؛ لا يُدار، بل يُفكّر؛ لا يُحكَم، بل يُقرّر.

*كاتب

الأكثر قراءة

آسياصنعاء تدعو السلطة اللبنانية لمراجعة حساباتها... وطهران: لن نتخلى عن حزب الله
الأخبار

22.08.2026

لبناننصار يقطع طريق بعبدا على غانم؟
الأخبار

24.08.2026

لبناناحفظوا هذا الاسم: معاوية أبو عرب!
الأخبار

24.08.2026

لبنانإجراءات جديدة في مطارَيْ بيروت ودمشق
الأخبار

24.08.2026

banner بنك عودةbanner بنك عودة
  • من نحن
  • وظائف شاغرة
  • اتصل بنا
  • للإعلان معنا
  • اشترك معنا

محتوى موقع «الأخبار» متوفر تحت رخصة المشاع الإبداعي 4.0 2026©

يتوجب نسب المقال إلى «الأخبار» - يحظر استخدام العمل لأغراض تجارية - يُحظر أي تعديل في النص، ما لم يرد تصريح غير ذلك