ENsamaha
لبنان
سوريا
فلسطين
عرب
عالم
قضايا وآراء
ثقافة
كاريكاتور
رياضة
حياة وناس
تغطيات
المزيد
عدد اليومكتاب الأخبار كلماتأرشيف الأعدادفيديوصورأرشيف جوزيف سماحةأرشيف أنسي الحاجزياد الرحباني
PDFعدد اليوم

حول نقد «وعد النصر»

قضايا وآراء
|رأي
حفظ المقالة
محمد كركي
محمد كركي
الإثنين 29 كانون الأول 2025
الخط

في واحدة من أكثر عباراته تداولاً، قال السيد نصرالله ما معناه: «نحن لا نُهزم، ولن نُهزم». عبارة قصيرة، صلبة، قائمةٌ بذاتها، وقابلة لأن تُقرأ بوصفها يقيناً قطعياً لا يقبل الاحتمال. من هذه القراءة تحديداً، انطلق خطاب تحليلي راجَ أخيراً ليبني فكرة أوسع: أن هذا اليقين اللغوي تحوّل -بفعل التكرار- إلى إطار إدراكي مُلزِم، ثم إلى وعد عملي، وأن اصطدامه بوقائع الحرب أنتج توتراً معرفياً في صلب الكتلة الحرجة لبيئة المقاومة.

المدخل يبدو - للوهلة الأولى - منطقياً؛ لغة يقينية ترفع سقف التوقعات، والتوقعات حين لا تتحقق تولّد فجوة. غير أن هذا المسار -برغم تماسكه الظاهري- يقوم على قفزة تحليلية غير مُثبتة، تبدأ من الخلط بين نفي الانكسار وإثبات النتيجة، وتنتهي بمصادرة على مستوى القرار.

فالعبارة التي يُفترض أنها أصل الإشكال لم تُقَل في سياق قرار، ولا قُدِّمت بوصفها برنامجاً زمنياً، ولا أُتبعت بتعهّد قابل للقياس. هي، في بنيتها اللغوية، نفيٌ للهزيمة لا إعلانٌ للنصر. وهذا فارق تدبيري، لا بلاغي. نفي الانكسار وظيفة معنوية تحفظ الاستمرارية، أمّا إعلان النتيجة، فهو فعل قرار تحكمه شروط وزمن وأدوات. هنا، لا يعود السؤال لغوياً، بل تدبيرياً.

التحليل الذي بنى نقده على هذه اللغة لم يتوقف عند سياقها الوظيفي، بل افترض أنها تحوّلت، بتغلغلها في الوعي الجمعي، إلى مرجع مُلزِم للقرار. غير أن هذا الافتراض يحتاج إلى شاهد نصّي وزمني صريح، لا إلى توصيف أثرٍ نفسيٍّ عام.

فالخطاب قد يشكّل أفق معنى، من دون أن يتحوّل تلقائياً إلى أداة إدارة. المفارقة المنهجية أن النقد الذي يحذّر من تحويل الغيب إلى برنامج، يفترض أن هذا التحويل قد وقع بالفعل، ثم يحاكمه بوصفه واقعاً. بينما التجربة الشيعية -في مسارها التاريخي- قامت على فصل دقيق بين الإيمان والتدبير؛ الغيب أفق يمنح المعنى ويمنع الانكسار، لا أداة تلغي الحساب. والوعد يمنح الصبر شرعيته وجدواه، ولا يحصر القرار في خانته عازلاً إياه عن شروط واقعيّته - وهذا هو بيت القصيد.

يتضاعف الخلل حين تُعامَل الحرب الأخيرة كأنها قالت كلمتها النهائية. فالحكم على فجوة بين «الموعود» و«المتحقق» يفترض اكتمال النتائج. غير أن الوقائع لا تسعف هذا الافتراض: لا انهياراً بنيوياً، ولا تفككاً في القرار، ولا انفضاضاً عاماً في البيئة الحاضنة. في حروب الاستنزاف، ما لم يحدث لا يقل دلالة عمّا حدث. غياب الانكسار نتيجة بحد ذاته، وليس فراغاً تحليلياً.

والأهم أنّ مراجعة الخطاب القيادي في المرحلة الأقرب زمنياً (العام الأخير قبل وقوع حرب الأيام الـ66) تكشف لغة مغايرة لما يُنسب إليها؛ لغة مشروطة، تدبيرية، تُكثر من أدوات الاحتمال، وتربط الفعل بتطوّر الوقائع وتوازناتها. أمّا العبارات الأكثر صلابة، فتتركّز على نفي الانكسار والتراجع، لا على إعلان نصر مُنجز أو وعد مقيّد بزمن، إذ يصبح الفصل بين حتمية الصمود واحتمالية النتائج بعيداً عن أن يكون خللاً، بل يصبح تعريفاً لإدارة صراع طويل الأمد.

في هذا السياق، يُستدعى أحياناً مثال تاريخي يُقال إنه يثبت قدرة الجماعة على مراجعة «رومانسيّتها الغيبية»، عبر الحديث عن تبنّي مشروع «الجمهورية الإسلامية في لبنان» ثم التراجع عنه. غير أن هذا الاستدعاء يعاني من ضعف في السند والاستنتاج معاً.

فالخطاب التنظيمي منذ البدايات لا يتضمن برنامجاً رسمياً بهذا العنوان، وما وُجد آنذاك كان أقرب إلى تصوّرات وأصوات في محيط إسلامي ثوري واسع، لا إلى قرار قيادي مُلزِم.

الخلط بين مناخ فكري عام وبرنامج سياسي منظّم، ثم بناء استنتاج تاريخي عليه، لا يصمد أمام القراءة الدقيقة. الأدق أن يقال إنّ أولوية المقاومة وميزان التعدّد اللبناني كانا حاضرين في الخطاب العملي منذ وقت مبكر، وإن ما يُقدَّم لاحقاً بوصفه «تراجعاً» لم يكن انسحاباً من مشروع مكتمل، بل تثبيتاً لمسار لم يُغادره أصلاً. ومن هنا، يصبح استدعاء هذه الرواية محاولة لإسناد حكم حاضر إلى واقعة لم تكن، لا لتفسير مسار قائم.

عوداً على العبارة الأولى: «نحن لا نُهزم»؛ هي يقين، نعم. لكن يقين بماذا؟ يقين الثبات لا يقين النتيجة، يقين المعنى لا يقين الخطة التنفيذية، وبين اليقينين مسافة عقل، لا يجوز للتحليل أن يقفز فوقها. السؤال الذي يبقى مفتوحاً، إذاً، ليس لماذا قيلت العبارة، بل: لماذا كل هذا الجهد لإثبات حتمية، لا تشهد لها لغة القرار، ولا يسندها التوثيق التاريخي ولا يفرضها النص الدينيّ؟

* باحث

الأكثر قراءة

آسياصنعاء تدعو السلطة اللبنانية لمراجعة حساباتها... وطهران: لن نتخلى عن حزب الله
الأخبار

22.08.2026

لبناننصار يقطع طريق بعبدا على غانم؟
الأخبار

24.08.2026

لبناناحفظوا هذا الاسم: معاوية أبو عرب!
الأخبار

24.08.2026

لبنانإجراءات جديدة في مطارَيْ بيروت ودمشق
الأخبار

24.08.2026

banner بنك عودةbanner بنك عودة
  • من نحن
  • وظائف شاغرة
  • اتصل بنا
  • للإعلان معنا
  • اشترك معنا

محتوى موقع «الأخبار» متوفر تحت رخصة المشاع الإبداعي 4.0 2026©

يتوجب نسب المقال إلى «الأخبار» - يحظر استخدام العمل لأغراض تجارية - يُحظر أي تعديل في النص، ما لم يرد تصريح غير ذلك