ENsamaha
لبنان
سوريا
فلسطين
عرب
عالم
قضايا وآراء
ثقافة
كاريكاتور
رياضة
حياة وناس
تغطيات
المزيد
عدد اليومكتاب الأخبار كلماتأرشيف الأعدادفيديوصورأرشيف جوزيف سماحةأرشيف أنسي الحاجزياد الرحباني
PDFعدد اليوم

صنم «الدولة» والسيادة الشعبية المسلحة

قضايا وآراء
|رأي
حفظ المقالة
شادي علي
شادي علي
الثلاثاء 30 كانون الأول 2025
الخط

لعقود طويلة، استولت على المخيال السياسي فكرة التسليم المطلق بنموذج «الدولة الوطنية» بصفتها الكيان الأوحد الذي يمتلك الحق الحصري في احتكار القوة، استناداً إلى نظرية ماكس فيبر الشهيرة حول «احتكار الاستخدام الشرعي للقوة المادية». ولكن، ومع تحولات الحروب الحديثة وانكشاف هشاشة الجيوش التقليدية أمام الغزو الخارجي أو الاختراق الداخلي (الحروب الهجينة)، برزت حاجة ملحة إلى إعادة قراءة هذه المسلّمات، وطرح بديل استراتيجي ومعرفي يتجاوز نقاط الضعف القاتلة في نموذج الدولة المركزية.

إحدى هذه القراءات هي مفهوم «السيادة الشعبية المسلحة» كآلية هندسية أمنية تعمل كـ«دولة عميقة» للأمم المستضعفة، وضمانة وجودية عندما تتعطّل مؤسسات الدولة الرسمية أو تخون وظيفتها.

هشاشة «الإله» الفيبري

تكمن الإشكالية الجذرية في النموذج الغربي للدولة (النموذج الفيبري) في بنيته المركزية التي تخلق ما يمكن تسميته بـ«نقطة الضعف القاتلة». فعندما يتم تركيز القوة النارية والقرار السيادي في مؤسسة هرمية واحدة (الجيش النظامي)، يصبح جسد الدولة أشبه بتمثال ضخم برأس واحد، يسهل شله تماماً بضربة موجهة إلى هذا الرأس، وهو ما يُعرف باستراتيجية «قطع الرأس». وعلى هذا الأساس، فإن سقوط العواصم والأنظمة المركزية بمجرد تحييد قيادتها العسكرية (أو شرائها!)، يصبح حتمية رياضية، حيث لا يحتاج الغازي (أو الانقلابي) سوى إلى السيطرة على مفاصل هذا الجهاز البيروقراطي للسيطرة على المجتمع بأسره.

وفي سياق متصل، إن تعريف فيبر للشرعية، الذي يربطها بالنجاح في الاحتكار وليس بالقيم الأخلاقية، يحول الدولة من أداة خدمة إلى «صنم» يبرر الطغيان. وبالتالي، عندما يصبح جهاز الدولة (لظروفٍ ما) وكيلاً للهيمنة الأجنبية، يتحوّل «احتكار العنف» إلى احتكار للقمع، وتصبح الجيوش التي تدربت في الأكاديميات الغربية حارسةً للمصالح الاستعمارية بدلاً من السيادة الوطنية. ومن هنا، يغدو الانتقال من نموذج «احتكار القوة» إلى نموذج «توزيع القوة» ضرورة ومقدمة لا غنى عنها للتحرّر، حيث تضمن نظرية «الشعب المسلح» أن الاستسلام مستحيل؛ لأنه لا توجد رقبة واحدة يمكن للعدو قطعها.

«الدولة العميقة» للمستضعفين: من فيتنام إلى محور المقاومة

تجاوزت تجارب التحرير التاريخية النقد النظري إلى التطبيق الميداني، مثبتة أن الإرادة الشعبية المسلحة قادرة على اجتراح معادلات ردع تعجز عنها الجيوش الكلاسيكية.

ففي فيتنام، وبناءً على استراتيجية «حرب الشعب»، ضمنت ميليشيات القرى والفلاحون المسلحون أن العدو لم يكن آمناً حتى في المناطق التي زعم أنه سيطر عليها. وبالمثل، في فرنسا إبّان الحرب العالمية الثانية، عندما خانت «الدولة الشرعية» (حكومة فيشي) الأمة وتعاونت مع النازي، كانت مجموعات «الماكي» غير النظامية هي المستودع الحقيقي للسيادة الوطنية.

أمّا في العصر الراهن، وتحديداً في مواجهة حروب الجيل الرابع، فقد طوّرت دول وحركات جبهة المقاومة هذا المفهوم ليصبح استراتيجية استقرار مؤسسية: ففي إيران، وعقب انتصار الثورة، أسس الإمام الخميني «بسيج المستضعفين» لا كقوة احتياط عسكرية وجيش رديف وحسب، ولكن بقصد تأسيس هيكل ثنائي (جيش يتولى الحدود، وحرس وبسيج يحميان الثورة)، ما شكّل آلية صلبة لمنع الانقلابات العسكرية التي ميزت تاريخ المنطقة، حيث يوفر الباسيج ثقلاً موازياً وموالياً عقائدياً يتغلغل في كل مفاصل الجهاز البيروقراطي للدولة، وعلى المنوال ذاته، قدّمت فنزويلا تجربة فريدة في ثنائية الجيش النظامي والقوات الشعبية، حيث أحبط «الاتحاد المدني-العسكري» والميليشيات البوليفارية انقلاب نيسان 2002 في أقل من 48 ساعة، بفضل التعبئة الجماهيرية المسلحة التي انحازت للشرعية الثورية.

ومن المفارقات التي تكشف زيف التنظير الغربي حول «حصر السلاح بيد الدولة»، هو التناقض بين خطابي الداخل والخارج في الولايات المتحدة والكيان «الإسرائيلي». فبينما تصدّر واشنطن للعالم الثالث ضرورة نزع سلاح الفصائل، ينص التعديل الثاني في دستورها على حق الشعب في حمل السلاح كضمانة ضد طغيان الدولة نفسها، باعتبار الميليشيا المنظمة «ضرورية لأمن دولة حرة».

والأكثر دلالة هو النموذج «الإسرائيلي» المتمثل في فرق «كيتات كونينوت» (فرق الاستجابة السريعة)، وهي ميليشيات استيطانية مسلحة ومدربة من قبل الجيش، تعمل كخط دفاع أول في المستوطنات. فبعد عملية «طوفان الأقصى» في تشرين الأول 2023، وزّعت حكومة العدو مئات الآلاف من البنادق على هؤلاء المستوطنين، في اعتراف عملي بأن الجيش النظامي لا يمكنه التواجد في كل مكان، وأن الأمن الحقيقي يتطلّب تسليحاً مجتمعياً. وهذا يثبت كفاءة نظرية لنموذج «الشعب المسلح»، رغم توظيفها في سياق استعماري إجرامي.

إنّ نموذج السيادة الشعبية المسلحة لا يعني الفوضى أو تشكيل ميليشيات منفلتة، بل يعني تنظيماً شبكياً دقيقاً يوزع القدرة الدفاعية على امتداد النسيج الاجتماعي، ضمن ضوابط عقائدية وهياكل قيادية واضحة. هذا النموذج يحوّل الأمّة إلى ما يُعرف بـ«استراتيجية النيْص»، حيث تصبح كل مدينة وقرية عشّاً للمقاومة يستحيل ابتلاعه.

إنّ أزمة الأمم المستضعفة اليوم ليست في نقص السلاح، بل في «فهم السيادة». فالأمن في عصر الحروب الهجينة والتوحّش الإمبريالي لا يتحقّق عبر استنساخ نماذج جيوش الاستعراض الغربية، بل عبر العودة إلى المفهوم القرآني: «وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ»، حيث الخطاب موجّه إلى الأمّة (الجماعة المؤمنة) وليس إلى مؤسسة صماء. وعليه، فإنّ السلاح في يد مؤمن يدافع عن أرضه هو عين الشرعية، بينما احتكار العنف في يد أنظمة وظيفية هو قمّة الفوضى المقنّعة بالقانون.

* باحث

الأكثر قراءة

لبناننصار يقطع طريق بعبدا على غانم؟
الأخبار

24.08.2026

لبناناحفظوا هذا الاسم: معاوية أبو عرب!
الأخبار

24.08.2026

لبنانإجراءات جديدة في مطارَيْ بيروت ودمشق
الأخبار

24.08.2026

آسيامحاولة باكستانية لتدارك التصعيد: إيران تلوّح بـ«القنبلة»
محمد خواجوئي

24.08.2026

banner بنك عودةbanner بنك عودة
  • من نحن
  • وظائف شاغرة
  • اتصل بنا
  • للإعلان معنا
  • اشترك معنا

محتوى موقع «الأخبار» متوفر تحت رخصة المشاع الإبداعي 4.0 2026©

يتوجب نسب المقال إلى «الأخبار» - يحظر استخدام العمل لأغراض تجارية - يُحظر أي تعديل في النص، ما لم يرد تصريح غير ذلك