النقد في زمن الحرب

في أزمنة الحرب، لا يُقاس ثقل الكلمات ببلاغتها، بل بوقعها على جبهة مفتوحة، وعلى مجتمع مثخن بالدم والنزوح والخسارة. في مثل هذه اللحظات، يعود إلى الواجهة شعار يبدو بديهياً بقدر ما هو إشكالي: «لا صوت يعلو فوق صوت المعركة». شعارٌ يعد بالتماسك، لكنه يفرض في الوقت نفسه صمتاً عاماً على الأسئلة، ويضع النقد في خانة الشبهة، إن لم يكن الطعن من الخلف.
هذا الشعار ليس جديداً، وهو جزء من معجم الحرب حين تتحوّل السياسة إلى إدارة طوارئ، ويُعاد ترتيب الأولويات بحيث يُقدَّم البقاء على المساءلة. غير أنّ السؤال المطروح اليوم ليس أخلاقياً صرفاً ولا سياسياً ظرفياً، بل بنيوي: هل تعليق النقد شرطٌ من شروط الصمود؟ أم أنّ الصمود نفسه يحتاج إلى عقل نقدي كي لا يتحوّل إلى تكرارٍ للأخطاء؟
للاتجاه الرافض للنقد أثناء الحرب منطقه المفهوم. ففي لحظات التهديد الوجودي، تميل الجماعات إلى تغليب الانضباط على التعدّد، والقرار المركزي على النقاش المفتوح. تشير دراسات علم النفس الاجتماعي إلى أنّ الجماعات تحت الخطر تميل إلى تقليص التباينات وإنتاج خطاب موحّد يعزّز الأمان ويُحبط الاختراق.
ينطلق هذا المنطق من فرضية أنّ التصدّعات الداخلية في الأزمات قد تُضعف القدرة على اتخاذ القرار السريع، وأنّ النقاشات المفتوحة قد تتحوّل إلى عبء عملي في سياقات تتطلّب استجابة فورية. لذلك، عومل النقد العلني في تجارب تعبئة شاملة، كما في بعض حروب القرن العشرين، بوصفه عامل تشويش لا أداة تصحيح.
من هنا، لا يُفهم رفض النقد بالضرورة كنتاج نزعة سلطوية، بل كاستجابة دفاعية نابعة من خوف حقيقي من التفكّك، وقناعة بأنّ الحرب تتطلّب اقتصاداً في الأصوات وتركيزاً في القرار.
غير أنّ هذا المنطق، على وجاهته الظرفية، يصطدم بمأزق يتكشّف حين تطول الحرب أو تتكرّر. فالاستثناء في الأدبيات السياسية لا يُعرّف فقط بوصفه تعليقاً مؤقتاً لقواعد اعتيادية، بل بوصفه لحظة إعادة ترتيب للعلاقة بين السلطة والمجتمع وآليات المساءلة. وحين يُمدَّد بلا أفق زمني أو معايير خروج واضحة، يميل إلى التحوّل من إجراء طارئ إلى نمط إدارة مستقر.
تشير دراسات سياسية ومؤسساتية إلى أنّ القرارات المتّخَذة في لحظات مفصلية تُعيد تشكيل القواعد التي تُتّخذ في ظلّها القرارات اللاحقة. فاختيارات تُبرَّر آنذاك بضرورات الأمن أو البقاء، سرعان ما تُدمج في البنية التنظيمية وتتحوّل إلى أعراف يصعب تفكيكها حتى بعد تغيّر الظروف.
عملياً، يعني ذلك أنّ تعليق النقد، حين لا يُقترن بآليات واضحة لاستعادته، يُنتج آثاراً تراكمية: تضييق دوائر القرار، تآكل ثقافة المساءلة، واعتياد العمل في غياب السؤال. ومع الوقت، لا يعود غياب النقد استجابة للخطر، بل جزءاً من تعريف الطبيعي والمقبول.
المشكلة لا تبدأ مع لحظة الصمت الأولى، بل مع غياب الإجابة عن سؤال لاحق: متى وكيف يُعاد فتح النقاش؟ فالصمت الذي يُبرَّر اليوم بالخطر الخارجي قد يتحوّل غداً إلى عرف، والنقاش المؤجَّل بدعوى الضرورة قد يُلغى بحكم العادة. عندها، تتحوّل الحرب من ظرف استثنائي إلى مبرّر دائم لإدارة السياسة خارج منطق المحاسبة.
حالة كاشفة: انقسام الحرص داخل بيئة المقاومة
ضمن هذا الإطار، تبدو بيئة المقاومة حالة كاشفة. فنحن أمام جمهور منخرط وجودياً في الصراع، لا يتعامل مع الحرب كحدث بعيد، بل كتجربة معيشة يومية يدفع كلفتها البشرية والاجتماعية والاقتصادية مباشرة. هذا الانخراط يُنتج حساسية عالية تجاه كل ما يمسّ صورة القوّة ومعنى التضحيات.
هنا، لا يكون الانقسام حول النقد عرضياً، بل نتيجة منطقية لتعدّد وظائف القلق داخل الجماعة نفسها. فمن جهة، يبرز اتجاه يرى في النقد العلني خطراً مضاعفاً، لا رفضاً للمراجعة من حيث المبدأ، بل تقديراً بأنّ كلفة النقاش في لحظة المواجهة قد تتجاوز منفعته، سواء عبر إرباك المعنويات أو تشويش الرسائل أو توفير مادة يستثمرها الخصم. هذا الاتجاه يقرأ الخطر بوصفه آنياً ومباشراً.
لا يعكس الانقسام خللاً في الولاء، بل اختلافاً في تقدير الأولويات: بين مَن يُدير اللحظة، ومَن يُدير المسار. وهو انقسام يكشف حيوية داخلية، لا ضعفاً، لأن الجماعات التي تُغلق أسئلة القلق لمصلحة يقين واحد غالباً ما تفقد قدرتها على التعلّم
في المقابل، يبرز اتجاه لا يقلّ حرصاً، لكنه يقرأ الخطر بوصفه تراكمياً وبنيوياً، مرتبطاً بما قد ينتج من غياب المساءلة على المدى الأبعد. هنا لا يُنظر إلى النقد كتهديد للصمود، بل كآلية وقائية تمنع الأخطاء من التحوّل إلى أنماط، وتحمي المشروع من التكلّس. الخطر في هذا التصوّر ليس لحظياً، لكنه لا يقلّ جسامة.
بهذا المعنى، لا يعكس الانقسام خللاً في الولاء، بل اختلافاً في تقدير الأولويات: بين مَن يُدير اللحظة، ومَن يُدير المسار. وهو انقسام يكشف حيوية داخلية، لا ضعفاً، لأن الجماعات التي تُغلق أسئلة القلق لمصلحة يقين واحد غالباً ما تفقد قدرتها على التعلّم.
منطق القبول: النقد كآلية تعلّم
في المقابل، ينطلق الاتجاه القابل بالنقد من مقاربة تنظيمية أكثر منها أخلاقية. فالحروب تُضاعف أثر الخطأ، وقرارٌ غير مُساءَل قد يفضي إلى خسائر لا يمكن تعويضها، فيما يسمح النقد المبكر بتصحيح المسار. تشير مقاربات التعلّم المؤسسي إلى أنّ الجهات القادرة على مراجعة افتراضاتها أثناء الأزمات تمتلك قدرة أعلى على التكيّف وتفادي تكرار الإخفاقات.
تجد هذه الفكرة تطبيقات عملية في مؤسسات عسكرية ومدنية. ففي الولايات المتحدة، تُعتمد مراجعات ما بعد الفعل، وهي جلسات نقد غير عقابية تُجرى أثناء العمليات أو فور انتهائها لاستخلاص الدروس. وفي إسرائيل، أُنشئت بعد حروب مفصلية لجان تحقيق رسمية، أبرزها لجنة فينوغراد، وقدّمت تقارير علنيّة انتقدت القيادة السياسية والعسكرية بحدّة، انطلاقاً من قناعة بأنّ المساءلة شرط إصلاح لا تهديد أمن.
يُعترض هنا بأنّ هذه التجارب تخصّ دولاً لا تنظيمات غير دولتية. غير أنّ هذا الاعتراض يفترض أنّ معيار الانفتاح يُحدَّد بطبيعة الفاعل لا بطبيعة الظاهرة. فالحرب ليست حدثاً داخلياً محصوراً، بل ظاهرة عامّة ذات مفاعيل اجتماعية واقتصادية ونفسية واسعة. وبحكم أثرها، تفرض فضاءً عاماً للنقاش، لا بقرار سياسي بل بواقعها نفسه.
من هنا، يصبح التمييز ضرورياً بين تحدّيات داخلية صِرفة تتطلّب معالجات مغلقة، وتحدّيات مفتوحة بطبيعتها، كالحرب، حيث تمتدّ الكلفة إلى مجتمع كامل. في هذا المستوى، لا يكون نقل النقاش إلى الفضاء العام خروجاً عن منطق التنظيم، بل استجابة لواقع لم يعد قابلاً للإدارة بمنطق مغلق بالكامل.
العلني والداخلي: سؤال السلطة لا النوايا
يُطرح حصر النقد بالقنوات الداخلية غالباً كحل وسط. نظرياً، يفترض ذلك وجود بنية قادرة على استقبال النقد وتحويله إلى أثر فعلي في القرار. غير أنّ الإشكال لا يكمن في الداخل بحد ذاته، بل في شروط فاعليته.
في علم السياسة، تُقيَّم القنوات الداخلية لا بوجودها الشكلي، بل بموقعها في سلسلة اتخاذ القرار: هل تُنتج تعديلاً فعلياً في السياسات، أم تكتفي بامتصاص التوتّر؟ حين تغيب القدرة على التأثير، يتحوّل الحديث عن النقد الداخلي من حلّ تنظيمي إلى آلية ضبط.
هنا تنتقل المسألة من مستوى النوايا إلى مستوى البُنى السلطوية. فالسؤال الحقيقي ليس: هل نثق بالقائمين على القنوات؟ بل: كيف تُوزَّع السلطة في زمن الحرب؟ من يعرّف المصلحة العليا؟ ومن يملك حق مراجعتها؟
تشير الأدبيات إلى أنّ الطوارئ تميل إلى تركيز السلطة في دوائر ضيّقة بحجة الفعّالية. هذا التركيز، وإن كان مفهوماً لحظياً، يُنتج مع الوقت اختلالاً بين القرار والمساءلة. ومع تكراره، تصبح القنوات الداخلية جزءاً من بنية السلطة لا آلية لمراقبتها، ويُعاد تأطير النقد ضمن حدود «المسموح».
من هذا المنظور، لا يكون النقاش حول علنية النقد تقنياً، بل نقاشاً حول توازن السلطة نفسه. فحين تكون القنوات الداخلية فاعلة، يصبح تفضيلها عقلانياً؛ وحين تفقد هذه الشروط، يصبح الإصرار على إبقاء النقد في الفضاء العامّ محاولة لإعادة إدخال السؤال إلى بنية القرار بعد إقصائه منها.
خاتمة
الحرب، مهما بلغت قسوتها، تبقى فعلاً بشرياً، وكلّ فعلٍ بشري لا يُساءَل يُعاد إنتاج أخطائه. قد يكون الصمت أحياناً ضرورة تكتيكية، لكن تحويله إلى فضيلة دائمة يهدّد بتحويل الاستثناء إلى قاعدة. لعلّ أخطر خسائر الحروب ليست تلك التي تُحصى في الميدان، بل تلك التي تتراكم حين يُؤجَّل السؤال مرة بعد مرة، إلى أن يصبح السؤال نفسه فعلاً مشبوهاً.
في هذا المعنى، لا يُطرح النقد نقيضاً للصمود، بل أحد أسئلته المؤجَّلة. والرهان الحقيقي ليس على إسكات الأصوات أو إطلاقها بلا ضابط، بل على القدرة على التمييز بين ما يهدّد الجبهة وما يحميها، وبين ما يُضعف المعركة وما يمنع تكرار كلفتها.
* كاتب
