ENsamaha
لبنان
سوريا
فلسطين
عرب
عالم
قضايا وآراء
ثقافة
كاريكاتور
رياضة
حياة وناس
تغطيات
المزيد
عدد اليومكتاب الأخبار كلماتأرشيف الأعدادفيديوصورأرشيف جوزيف سماحةأرشيف أنسي الحاجزياد الرحباني
PDFعدد اليوم

ميامي و«الحرب الأهلية» في القارّة الأميركية

قضايا وآراء
|رأي
حفظ المقالة
محمد فضل الله
محمد فضل الله
الإثنين 12 كانون الثاني 2026
الخط

مَنْ يَقرأ التحليلات حول ما وَقَع في فنزويلا سيَعتقد أن كاراكاس كانت تَمنع تصدير نفطها إلى الولايات المتحدة، ثم أتى الرئيس ترامب ليجبرها على تصديره إليها مجدداً. لكن العقوبات الأميركية فقط هي التي كانت تعرقل وصول الخام الفنزويلي إلى المصافي الأميركية في خليج المكسيك. وبعيداً عن مخيلة «الغَرْف» التي تشوّه فهمنا للأحداث (أي إن ترامب سيَغرِف من النفط ويبيعه)، شركات النفط الأميركية نفسها متردّدة في التجاوب مع دعوة ترامب للاستثمار في البُنى التحتية لقطاع النفط الفنزويلي؛ ألا يُفترَض أنها هي التي شَكّلتْ لوبي يَضغط على الرئيس ترامب لشنّ حرب على فنزويلا؟ مَنْ المستفيد تحديداً إنْ لم تكن هذه الشركات؟

مجرد رفْع العقوبات كان سيَضمن انخفاض أسعار النفط عالمياً، وفي الولايات المتحدة ضمناً، لو فرضنا أن الهدف هو التخفيف عن كاهل المواطن الأميركي العادي. حروب الولايات المتحدة التي بدأتْ لتوها في أميركا اللاتينية هي حروب ماركو روبيو، أو بالأحرى هي حروب المجموعة التي يمثّلها ماركو روبيو في أميركا اللاتينية والقارة ككل. بعد عملية اختطاف الرئيس نيكولاس مادورو، بات يُنظَر إلى روبيو على أنه خليفة ترامب بدل جي دي فانس (يبدو أن فانس استُبعِد من فريق الإشراف على العملية).

في أميركا اللاتينية من السهل أن تَعتقد أن ميامي هي عاصمة الولايات المتحدة الأميركية وليس واشنطن. منذ الثورة الكوبية بَدأتْ ميامي تصبح تدريجياً موئل الموالين لواشنطن والمعادين للاشتراكية في القارة، بالذات رؤوس الأموال اللاتينية الكبيرة، وأصبحتْ ميامي في التسعينيات «وول ستريت أميركا اللاتينية» حيث مديرو الثروات الأميركيون (قلة منهم لاتينيون) يتولّون تضخيم رؤوس الأموال هذه. ومع «الموجة الوردية» اليسارية الأولى في أميركا اللاتينية بداية الألفية الجديدة، كان هناك المزيد من هجرة رؤوس الأموال إلى ميامي.

طبعاً، ليست الطبقات الوسطى أو الأدنى هي التي تَملك رفاهية ترتيب هجرة رؤوس الأموال؛ كانت طبقات معينة في دول أميركا اللاتينية تتعلّم كيفية الاستفادة من ديون صندوق النقد الدولي (وغيره) في المرحلة النيوليبرالية في تسعينيات القرن الماضي لتحويلها إلى أموال خاصة يتمّ نقلها إلى ميامي، ومن ثم الطبقات نفسها بَدأتْ تتعلّم كيفية الاستفادة من ميزانيات برامج الدعم الصناعي أو التصدير الحكومية لتحويلها أيضاً إلى أموال خاصة يتمّ نقلها إلى ميامي.

أن تكون ميامي وول ستريت أميركا اللاتينية ليس بالأمر المهم على مستوى الولايات المتحدة الأميركية، لم يكن في الإمكان مقارنتها بنيويورك من حيث الثقل المالي وقدرتها على التحكّم في الأسواق المالية؛ نعم مَكّن ذلك ميامي من أن تصبح تدريجياً العاصمة السياسية، المالية، والعسكرية لأميركا اللاتينية، للمجموعات اللاتينية الموالية لواشنطن. ميامي هي مقر القيادة الجنوبية في الجيش الأميركي المعنيّة بكل أميركا اللاتينية.

لكن منذ بضع سنوات بدأ الأمر يتغيّر تدريجياً حتى وصلْنا إلى نقطة يقول فيها مستشار الرئيس ترامب لشؤون الكريبتو والذكاء الاصطناعي ديفيد ساكس إن السياسات «الاشتراكية» (في الولايات المتحدة كل ما هو دون هتلر هو ماركسي اقتصادياً أو ثقافياً) في نيويورك وكاليفورنيا تَدفع إلى أن تصبح ميامي هي وول ستريت الجديدة وأوستين (تكساس) هي السيليكون فالي الجديدة.

الرئيس ترامب في ولايته الأولى كان يمثّل بورجوازية الصناعة المتداعية (ومعها العمّال السابقون في المصانع الصدئة) ضد بورجوازية الفاينانس والداتا، ولكن في ولايته الثانية وبدلاً من أن تؤدي سياساته إلى إعادة التصنيع إلى الولايات المتحدة (مؤشرات إعادة الصناعة لا تزال ضعيفة)، أصبح لدينا وول ستريت محافظة (ميامي) ضد وول ستريت ليبرالية (نيويورك) وسيليكون فالي محافظة (أوستين) ضد سيليكون فالي ليبرالية (كاليفورنيا). طبعاً هناك أسماء يُفترَض أنها ليبرالية في نيويورك وكاليفورنيا انتقلتْ إلى صفوف الترامبية بخلاف ولايته الأولى، وهو ما أدّى إلى إعطاء زخم لفكرة وول ستريت جديدة وسيليكون فالي جديدة.

في ميامي تقاطع الاستياء التاريخي لبيض الجنوب الأميركي (شريحة وازنة ليس فقط في التصويت لترامب بل أيضاً في تشكيل نظرية المحافظين) مع استياء الكوبيين الأميركيين الممثَّلين في النظام السياسي الأميركي بشكل فائض، ضمن الحزب الجمهوري، بعكس المكسيكيين الأميركيين الذين لا يحظون بتمثيل كافٍ نسبياً ولم يتمكّنوا من تشكيل قوة سياسية، وحتى بيرني ساندرز الذي حظي يوماً بنسبة تأييد مرتفعة بين المكسيكيين الأميركيين (مقابل تأييد الأفارقة الأميركيين لجو بايدن) لم يطوّر نظرية سياسية للاتينيين.

لم تعد ميامي مدينة طرفية توكل إليها مهمة جمع شتات إقليم هامشي (أميركا اللاتينية)، والحروب التي بدأتْ في فنزويلا هي فعلياً حروب رؤوس الأموال اللاتينية المتراكمة في ميامي

ومع حاجة النظام المحافظ الجديد إلى وول ستريت محافظة كبديل عن إعادة التصنيع المتعثّر (جامعة فلوريدا وجامعة ايه-أند-أم تكساس تقودان موجة الردّة المحافظة داخل الجامعة الأميركية)، تحوّلتْ ميامي من وول ستريت أميركا اللاتينية إلى وول ستريت المحافظين في الولايات المتحدة الأميركية أو وول ستريت البديلة بحسب ساكس. لم تعد ميامي مدينة طرفية توكل إليها مهمة جمع شتات إقليم هامشي (أميركا اللاتينية)، والحروب التي بدأتْ في فنزويلا هي فعلياً حروب رؤوس الأموال اللاتينية المتراكمة في ميامي (وقد أصبحتْ الآن وول ستريت الجديدة للولايات المتحدة) والتي تريد تحسين شروط عوائدها واستثماراتها في دولها الأصلية بالقوة العسكرية الأميركية.

تحدّثنا سابقاً عن كيف أن المجموعة الموكلة بالالتفاف على العقوبات الأميركية في دولة ما تصبح هي «الطبقة الفاسدة» لاحقاً والتي تَبدأ بطلب المزيد والمزيد من العوائد على المهمات التي تنفّذها؛ لكن في فنزويلا هناك بندٌ إضافي قد يكون أكثر تأثيراً وهو محاولة إرضاء قيادات الجيش كي لا ينفّذوا انقلاباً لصالح الولايات المتحدة، فالجيوش في أميركا اللاتينية مهيكلة لتكون أكثر خدمةً للولايات المتحدة من أوطانها، والولايات المتحدة حين تغطّي انقلاباً عسكرياً في دولة لاتينية من الصعب على الجيش «الوطني» مقاومة هذا الإغراء (هذه مشكلة مركزية اليوم في البرازيل).

من الواضح اليوم أن إرضاء الجنرالات في الجيش الفنزويلي بتسليمهم قطاعات اقتصادية لم يؤتِ الثمار المفترَضة، وبدلاً من أن يقاتلوا الغزو الأميركي فإنهم أَصبحوا «الأوليغارشيا البوليفارية» (Boligarca)، وجزء مهم من ثرواتهم تمّ تهريبها إلى ميامي حيث هناك شركات مخصصة لإخفاء مصدرها. وبدل أن يصبح الجنرالات «بورجوازية وطنية» أصبحوا ملحقين برأس المال المُدار في ميامي، وهناك يتفاوضون مع الحاضرة الإمبريالية من خلال «أشخاص مقبولين من الطرفَين» على مستقبل بلدهم، على اعتبار أن عوائد القطاعات الاقتصادية التي سيطروا عليها بدأتْ تتقلص.

التفاوض لم يكن على مستقبل الرئيس مادورو أو مستقبل علاقات فنزويلا الدولية، التفاوض بدأ منذ عدة سنوات على العوائد وتقاسمها. المقصود هنا بعبارة «تفاوض» ليس طاولة مستديرة، بل علاقات عضوية وتبادلية تَنمو على مدى فترة معينة. نَفّذ الجيش انقلاباً مالياً بدل الانقلاب العسكري. إشكالية الجيوش في أميركا اللاتينية بحاجة إلى معالجة حتى قبل إشكالية الانتماءات العرقية هناك.

إعلان إدارة الرئيس ترامب عن نسخة جديدة من «مبدأ مونرو» فُهِم خطأً: هذه ليست الولايات المتحدة مقابل دول أميركا اللاتينية، بل حرب أهلية على مستوى القارة الأميركية ككل. ليس مصادفةً أن عودة مبدأ مونرو تزامن مع إهمال واشنطن لأوروبا الغربية (أوروبا الشرقية ليست «أوروبا»). ولاية ترامب الثانية، أو بالأحرى المتحد اللاتيني اليميني القاري مع بيض الجنوب (من خلال ميامي ومشروع الهيمنة المالية الجديدة لوول ستريت الجديدة)، هي استعادة العداء لأوروبا (أو الآخرية مع أوروبا) الذي ساد خلال حرب الاستقلال الأميركية والذي تحوّل (لأسباب ليس هنا مكان شرحها) إلى إعادة اعتناق لأوروبا ضمن فكرة «إمبراطورية بالاستضافة» (empire by invitation) بدايات القرن الماضي.

إنها عودة الولايات المتحدة إلى أميركيتها، وهذه ليست بالضرورة أخباراً سلبية، ففي حال نجحتْ خطة ساكس، قد تصبح ميامي عاصمة للولايات المتحدة وأميركا اللاتينية في الآن معاً؛ هي بالتأكيد أفضل من طريقة تعاطي الولايات المتحدة مع أميركا اللاتينية خلال الحرب الباردة، إذْ يُفترَض الآن أن تصبح شؤون أميركا اللاتينية شؤوناً داخلية للولايات المتحدة، أن نرى تضامناً بين الحزب الديموقراطي في الولايات المتحدة مع يسار الوسط (أو المائع) في أميركا اللاتينية مقابل الحزب الجمهوري في الولايات المتحدة إلى جانب اليمين اللاتيني المتطرف (عدم تحبيذ ترامب لماريا كورينا ماتشادو مردّه أن الأخيرة لم تأتِ من قطاع الأعمال وليست مديرة لشركة مالية في ميامي، ومرشحو ترامب في أميركا اللاتينية كما في الولايات المتحدة نفسها هم رجال أعمال، أي بدل الجنرالات في الحرب الباردة، والمفاجئ في التقارير المنشورة هو أن ديلسي رودريغيز كان لديها علاقات أقوى بالمستثمرين الأميركيين من ماتشادو وأنهم بنوا علاقة «ثقة إدارية» معها خلال السنوات الماضية).

ولذلك، فإنّ نقطة التدهور الأساسية كانت عدم تضامن مجموعة «سيلاك» (مجموعة أميركا اللاتينية والبحر الكاريبي) مع المتظاهرين في لوس أنجلس في حزيران الماضي، ليوصلوا رسالة بأن القارة الأميركية ككل تتشارك الحياة السياسية بعيداً عن أسطورة السيادة التي عفا عليها الزمن، لكن لولا دا سيلفا لا يكلّ يتمسّك بها بدلاً من تجاوزها باتجاه سياسة قارية جديدة.
* باحث

الأكثر قراءة

لبناننصار يقطع طريق بعبدا على غانم؟
الأخبار

24.08.2026

لبناناحفظوا هذا الاسم: معاوية أبو عرب!
الأخبار

24.08.2026

لبنانإجراءات جديدة في مطارَيْ بيروت ودمشق
الأخبار

24.08.2026

آسيامحاولة باكستانية لتدارك التصعيد: إيران تلوّح بـ«القنبلة»
محمد خواجوئي

24.08.2026

banner بنك عودةbanner بنك عودة
  • من نحن
  • وظائف شاغرة
  • اتصل بنا
  • للإعلان معنا
  • اشترك معنا

محتوى موقع «الأخبار» متوفر تحت رخصة المشاع الإبداعي 4.0 2026©

يتوجب نسب المقال إلى «الأخبار» - يحظر استخدام العمل لأغراض تجارية - يُحظر أي تعديل في النص، ما لم يرد تصريح غير ذلك