حين تتحوّل الدولة إلى شاهد

لم يعد لبنان يقف عند تخوم الانفجار الإقليمي، بل بات في قلبه، مكشوفاً سياسياً، مستباحاً عسكرياً، ومنهكاً داخلياً بانقسام لم يعد عفوياً ولا بريئاً. ما يجري اليوم لا يمكن اختزاله بسلسلة اعتداءات إسرائيلية، ولا بسجال داخلي حول سلاح المقاومة، بل هو مسار متكامل تُستثمر فيه هشاشة الدولة، ويُعاد فيه إنتاج خطاب رسمي يعيد تعريف عناصر القوة الوطنية بوصفها عبئاً، فيما يُترك البلد بلا حماية فعلية ولا رؤية سيادية متماسكة.
العدوان الإسرائيلي المفتوح، بصيغته اليومية والمتدرجة، لم يعد بحاجة إلى ذريعة. الغارات التي تطال الجنوب والبقاع والضاحية الجنوبية تشكّل خرقاً فاضحاً للسيادة اللبنانية، في ظل صمت دولي كامل وعجز أممي مزمن. ومع ذلك، تتصرّف الدولة اللبنانية، في خطابها الرسمي، وكأن هذه الاعتداءات تفصيل ثانوي، أو نتيجة «وضع داخلي غير مضبوط»، في انقلاب خطير على منطق الدولة نفسها، التي يُفترض أن تكون الجهة الأولى في الدفاع عن أرضها ومواطنيها.
الأخطر من الصمت هو اللغة. فبدل توصيف ما يجري كعدوان خارجي موصوف، لجأت مواقع رسمية إلى استخدام مصطلحات ملتبسة، تتحدث عن «جماعات مسلحة» أو «سلاح خارج الشرعية»، وتضع المقاومة في خانة الإشكالية الداخلية لا في سياق الرد على احتلال وعدوان. هذا التحوّل اللغوي ليس بريئاً، لأنه ينقل مركز الاتهام من المعتدي إلى الضحية، ويعيد صياغة الصراع كأنه أزمة لبنانية داخلية لا اعتداء إسرائيلي مستمر.
في هذا السياق، جرى الترويج لفكرة أن سلاح المقاومة بات «عبئاً على بيئته»، وأنه لم يعد يحقق ردعاً، متناسين – أو متجاهلين عمداً – أن هذا السلاح نفسه هو الذي فرض أول معادلة ردع مدني في تاريخ الصراع عام 1996، عندما أُجبرت إسرائيل على القبول بتفاهم يحمي المدنيين، وهو الذي أنجز تحرير الجنوب عام 2000 من دون قيد أو شرط، وهو الذي حقق في عام 2006 انتصاراً مدوّياً كسر أسطورة الجيش الذي لا يُقهر، وغيّر قواعد الاشتباك على امتداد الجبهة الشمالية لفلسطين المحتلة.
المفارقة أن هذا التاريخ القريب، الذي يفترض أن يشكّل رصيداً وطنياً، جرى التعامل معه كعبء سياسي، لا كعنصر قوة. الدولة التي عجزت لعقود عن حماية أرضها، وعن تحرير شبر واحد، تتعامل اليوم مع القوة الوحيدة التي حققت إنجازات ملموسة بوصفها مشكلة، فيما لا تقدّم بديلاً دفاعياً ولا رؤية استراتيجية ولا حتى خطاباً سيادياً واضحاً.
الانقسام السياسي في لبنان، في هذا الإطار، لم يعد خلافاً مشروعاً حول الخيارات، بل تحوّل إلى أداة ضغط داخلية تُستخدم لتبرير العجز الرسمي وتغطية التقاعس. فبدلاً من العمل على بناء استراتيجية دفاعية وطنية تنطلق من الوقائع لا من الأمنيات، جرى اختزال النقاش بسلاح المقاومة، وكأن المشكلة تبدأ وتنتهي هنا، وكأن الخطر الإسرائيلي سقط فجأة من الحسابات.
هذا الانقسام، الذي غذّته تدخلات خارجية واضحة، سمح لإسرائيل بأن تدير عدوانها على لبنان باعتباره «نزاعاً داخلياً مؤجلاً»، لا مواجهة مع دولة ذات سيادة. فغياب الموقف الرسمي الحازم، وتحوّل الخطاب السياسي إلى منصة تحميل الداخل مسؤولية العدوان، شكّلا الغطاء الأهم لاستمرار سياسة «الضرب بلا ثمن».
في المقابل، يُساء تفسير سلوك المقاومة عمداً. فالامتناع عن توسيع المواجهة لا يعني غياب الردع، بل يعكس إدارة دقيقة للصراع، تمنع إسرائيل من فرض توقيت الحرب وشروطها. الصمت الميداني المدروس ليس ضعفاً، بل خيار سياسي يراعي هشاشة الداخل اللبناني، ويأخذ في الحسبان عجز الدولة عن تحمّل تبعات حرب شاملة، عسكرياً واقتصادياً واجتماعياً.
ورغم ذلك، يُستخدم هذا الخيار للتحريض، وكأنه تراجع أو تنازل، فيما يُغضّ النظر عن حقيقة أن المقاومة التزمت عملياً بسقف الدولة اللبنانية. فالالتزام بالقرار 1701 قائم، والتنسيق مع الجيش اللبناني ثابت، وعدم فرض وقائع سياسية داخلية أمر معلن ومتكرر. لكن هذه الوقائع لا تجد طريقها إلى الخطاب الرسمي، لأنها لا تخدم سردية تحميل المقاومة مسؤولية كل ما يجري.
في موازاة العدوان الخارجي، تتعرّض البيئة الحاضنة للمقاومة لحصار متعدّد الأوجه: قصف يومي، ضغط اقتصادي خانق، حملات إعلامية ممنهجة، وخطاب سياسي يتعامل معها وكأنها فائض وطني يمكن التضحية به. يُطلب من هذه البيئة أن تتحمّل القصف بصمت، وأن تقبل بتجريدها من عناصر القوة، وأن تُدان سياسياً لأنها صمدت حيث فشلت الدولة.
ومع ذلك، ورغم حجم الغضب والاحتقان، يجري ضبط الشارع ومنع أي انفجار داخلي، إدراكاً لخطورة الانزلاق إلى فتنة تخدم العدو أولاً وأخيراً. هذا الضبط ليس ضعفاً، بل قرار استراتيجي لحماية السلم الأهلي، في وقت يتعامل فيه بعض مَن يرفعون شعار الدولة مع الاستقرار كأمر مفروغ منه، لا كإنجاز هش يحتاج إلى حماية يومية.
المشكلة الجوهرية في لبنان اليوم ليست وجود مقاومة، بل غياب دولة قادرة على تحويل عناصر القوة إلى سياسة وطنية جامعة. دولة بلا رؤية دفاعية، وبلا سياسة خارجية، وبلا خطاب سيادي متماسك. في هذا الفراغ، يُطلب من المقاومة أن تردع، ومن بيئتها أن تصبر، ومن الناس أن تتحمّل، فيما تكتفي السلطة بالمراقبة أو بالتحريض أو بإعادة إنتاج خطاب يرضي الخارج على حساب الداخل.
الخيار المطروح على لبنان ليس بين حرب وسلام، بل بين الصمود أو التفكّك. بين الاعتراف بتاريخ الردع والبناء عليه، أو شطبه باسم دولة لم تُنجز بعد. بين إدارة الصراع بعقلانية وطنية، أو تسليم البلد لمنطق الاستباحة الدائمة.
في زمن القوة العارية، لا تُحمى الدول بالإنكار، ولا تُبنى بتجريم عناصر قوتها، ولا تُنقذ بإعادة تعريف المقاومة كعبء. تُحمى بالوعي، وبوحدة القرار، وبالقدرة على تسمية الأشياء بأسمائها: عدو هو عدو، وقوة ردع هي قوة، والدولة إمّا أن تكون مظلّة جامعة، أو تتحوّل إلى شاهد على تفكّك وطن.
* صحافي
