إرهاصات التحوّل الأميركي

ماذا يجري داخل الولايات المتحدة الأميركية حتى تشنّ هذه الهجمات وهذه الحروب الشعواء بكل الاتجاهات؟ هذا سؤال وجّهه أحد المراقبين من دون إجابة عنه، ما دفعني إلى القيام بهذا البحث المختصر، في وقت يبدو فيه أن العالم يدخل اليوم حقبة جيوسياسية شديدة السيولة، تتسم بتآكل مرتكزات القطبية الأحادية التي تسيطر عليها الولايات المتحدة منذ نهاية الحرب الباردة.
هذا الأفول، كما يراه كبار المنظرين، ليس مجرد انحسار عابر في النفوذ العسكري، بل هو زلزال بنيوي يضرب العصب الحيوي للدولة الأميركية. نحن أمام مشهد تتداخل فيه الأزمات الاقتصادية العميقة، المتمثلة في تحوّل أميركا من قلعة صناعية إلى اقتصاد ريعي مالي مثقل بالديون، مع تمزق اجتماعي وقيمي غير مسبوق. إنّ مفهوم الهيمنة الذي استند لعقود إلى القوة الناعمة والنموذج الديموقراطي الجاذب، يواجه اليوم تحدّياً داخلياً يتمثّل في فقدان الثقة بالمؤسسات، وتحدّياً خارجياً تفرضه القوى الصاعدة وسرديات العدالة الدولية الجديدة. بين قلق الليبراليين، وتشريح الهيكلية الاقتصادية، والنقد المعرفي للأجيال الجديدة، تبرز أميركا كدولة تبحث عن هويتها المفقودة وسط ركام من الصراعات الحزبية، ما يضعنا أمام استحقاق تاريخي لفهم ملامح عالم ما بعد الهيمنة.
يفتتح توماس فريدمان المشهد المعاصر برؤية قلقة تعتبر أن الولايات المتحدة تمرّ بمرحلة انتحار سياسي ناتج من تصدّع منظومة القيم التي قامت عليها الجمهورية. ويرى فريدمان أن الاستقطاب الحاد وتآكل الثقة في المؤسسات الدستورية، كالانتخابات والقضاء، قد أفقدا أميركا البوصلة الأخلاقية التي كانت تمنحها حق القيادة العالمية. ويحذّر من أن العالم ينتقل اليوم من حالة العالم المسطّح الذي تقوده العولمة الأميركية، إلى حالة العالم السريع والمفتت الذي يفوق قدرة واشنطن على الضبط. والخطورة، بحسب فريدمان، تكمن في نقص القوة الأميركية، أي عجز واشنطن عن القيام بدور الشرطي العالمي في وقت تتزايد فيه الصراعات الدولية، مما يحوّل الفراغ القيادي إلى مصدر للفوضى الشاملة التي تضرب سلاسل التوريد والاستقرار الجيوسياسي والاتفاقيات الدولية الناظمة للتجارة والمناخ.
هذا التشخيص السياسي يكتسب عمقاً بنيوياً وتاريخياً في أطروحات الدكتور زياد الحافظ، الذي يرى أن الأزمة ليست مجرد صراع حزبي عابر، بل أزمة نظام استنفد أدواته التاريخية. يشرح الحافظ كيف تحوّلت أميركا من قوة إنتاجية وصناعية هائلة كانت تمثّل عماد الاقتصاد العالمي بعد عام 1945، إلى اقتصاد ريعي مالي متوحّش، حيث أصبحت الثروة تتركّز في يد المجمعات العسكرية والمصارف الكبرى على حساب القوى المنتجة والطبقة الوسطى.
هذا التحوّل أدّى إلى تآكل المناعة الوطنية وبروز دولة عميقة لم تعد قادرة على إدارة التناقضات، بل أصبحت طرفاً أصيلاً في النزاع الداخلي. يؤكد الحافظ أن المؤسسات الدستورية، كالقضاء والكونغرس، تحوّلت إلى ساحات لتصفية الحسابات السياسية، ما أدّى إلى شلل يمنع الدولة من معالجة أزمات وجودية مثل الديون السيادية الفلكية وتراجع دور الدولار كملاذ عالمي وحيد، وهي مؤشرات يعتبرها الحافظ مسامير في نعش الهيمنة تمهّد لانفجارات اجتماعية قد تتخذ طابعاً جغرافياً أو عرقياً أو طبقياً في المستقبل القريب.
في هذا السياق، يقدّم نعوم تشومسكي مقاربة أكثر جذرية لأفول الهيمنة الأميركية، واضعاً الأزمة في إطار نقد بنيوي للإمبراطورية ذاتها. يرى تشومسكي أن الولايات المتحدة لم تدخل أزمتها بسبب إخفاقات ظرفية أو سوء إدارة عابر، بل لأنها بلغت حدود قدرتها التاريخية على الجمع بين التفوّق المادي وادعاء الشرعية الأخلاقية. فالإمبراطورية، بحسب تشومسكي، لا تنهار عندما تخسر قوتها العسكرية فقط، بل عندما تنكشف سرديتها التأسيسية بوصفها أداة للهيمنة لا منظومة قيم. ويؤكد أن خطاب الديموقراطية وحقوق الإنسان تحوّل إلى غطاء أيديولوجي لتبرير الحروب والانقلابات والعقوبات الجماعية، ما أدّى إلى تآكل شامل في مصداقية الولايات المتحدة حتى داخل الفضاء الغربي نفسه.
ويشير تشومسكي إلى أن ما يسمى النظام الدولي القائم على القواعد ليس سوى منظومة انتقائية، تُفرض قواعدها على الدول الضعيفة وتُعلّق كلما تعارضت مع مصالح واشنطن وحلفائها. هذا التناقض البنيوي، كما يرى، يفسر صعود قوى دولية وإقليمية ترفض الامتثال للهيمنة الأميركية، ليس بدافع أيديولوجي صرف، بل نتيجة فقدان الثقة بعدالة النظام العالمي. ويضيف أن تصاعد القمع الداخلي في الولايات المتحدة، لا سيما في الجامعات ووسائل الإعلام، ومحاصرة الأصوات الناقدة للسياسة الخارجية، خصوصاً في قضايا العدالة الدولية وفلسطين، يعكس انتقال الدولة من إدارة التوافق إلى إدارة الخوف، وهي سمة تاريخية ملازمة للإمبراطوريات في مراحل أفولها.
يحذّر تشومسكي من أن تعويض تراجع الشرعية الأخلاقية بالتصعيد العسكري والعقوبات الاقتصادية لن يؤدّي إلى استعادة الهيمنة، بل إلى تسريع تفكّكها. فالقوة العارية، حين تنفصل عن الإجماع الداخلي والدعم الدولي، تتحوّل إلى عبء استراتيجي، وتجعل السياسة الخارجية الأميركية أكثر عدوانية لكنها في الوقت نفسه أكثر ارتباكاً وفقداناً للبوصلة، ما يضعف القدرة على الضبط الطويل الأمد ويعمق أزمات الداخل.
في المقابل، يبرز قلق وجودي لدى مفكرين محافظين مثل روبرت كاغان ويوري هازوني، الذين يرون أن الانقسام الداخلي هو ثمرة لتخلّي أميركا عن هويتها القومية والقيادية. يرى هازوني أن صعود ما يسميه الماركسية الجديدة في المؤسسات التعليمية خلق جيلاً معادياً للذات، وهو ما يهدّد الأسس الثقافية للتحالف الاستراتيجي مع إسرائيل. أمّا روبرت كاغان، فيحذر من أن الوحش الانعزالي قد استيقظ مجدداً في السياسة الأميركية، معتبراً أن انكفاء واشنطن على أزماتها الداخلية سيقود حتماً إلى فوضى عالمية تطيح بالنظام الدولي الليبرالي وتنهي الحماية التاريخية للمشروع الصهيوني.
هؤلاء المفكرون يرون أن تفكّك البنية الذي رصده الحافظ هو نتيجة التخلّي عن الدور الأخلاقي القيادي، محذّرين من أن ضعف القبضة الأميركية في الشرق الأوسط هو انعكاس مباشر لفقدان الإرادة السياسية في واشنطن نتيجة الصراعات الحزبية المحمومة التي غيّبت المصلحة القومية العليا لصالح الحسابات الانتخابية الضيقة.
يتعمّق الدكتور زياد الحافظ في مفهوم الدولة العميقة بوصفها أداة للمحافظة على مصالح النخبة المالية والعسكرية، مشدداً على أن التحوّل من دولة الإنتاج إلى دولة الاستهلاك والاستدانة والريع خلق مجتمعاً قائماً على الفردية المفرطة والصراع على الموارد المتناقصة. هذا النخر الداخلي، بالتوازي مع التشكيك الشعبي في كفاءة المؤسسات، يجعل أي أزمة اقتصادية مقبلة شرارة محتملة لانفجارات اجتماعية غير مسبوقة قد تنهي النموذج الأميركي بصيغته الحالية.
وفي الخلاصة، يتقاطع فريدمان والحافظ وتشومسكي عند حقيقة واحدة، وإن اختلفت زوايا المقاربة: الولايات المتحدة تعيش مرحلة انتقالية خطرة تتسم بانهيار التوازن بين القوة والشرعية. فبينما يقرأ فريدمان المشهد كأزمة قيادة، ويشخصه الحافظ كأزمة نظام اقتصادي وسياسي استنفد أدواته، يضع تشومسكي جوهر الأزمة في فقدان الهيمنة مبرراتها الأخلاقية، وعدم إمكانية ترميمها عبر القوة أو الخطاب. من هذا المنظور، لا يبدو أفول القطبية الواحدة حدثاً عرضياً، بل نتيجة منطقية لمسار طويل من التناقضات البنيوية.
أمام هذه المعطيات، يتجه مستقبل الولايات المتحدة نحو تفكّك بنيوي يتأرجح بين ثلاثة مسارات: الطلاق الوطني الذي يحوّلها إلى اتحاد اسمي ضعيف نتيجة استقلال الولايات الكبرى بقراراتها، أو التشرذم المجتمعي الذي يفتّت النسيج الشعبي إلى هويات متصارعة وجزر اقتصادية معزولة، أو اللجوء إلى الاستبداد التقني الذي يحفظ الوحدة ظاهرياً عبر القمع الرقمي مع انهيار الجوهر الديموقراطي.
ويظلّ الدولار الركيزة الأخيرة لمنع الانهيار الشامل، ففقدانه لمكانته الدولية سيعجز الدولة العميقة عن شراء الولاء الوطني، مما يعجّل بالتفكّك الوجداني والسياسي الذي تحقّق بالفعل. النتيجة هي أميركا منكفئة على ذاتها، عاجزة عن التأثير الخارجي، وتعيش واقعاً متشرذماً يبحث عن مخرج من أزمته الوجودية.
* كاتب وباحث لبناني
