غزّة مختبراً لتبدّلات النظام الدولي

لم يعد ممكناً التعامل مع ما يُسمّى «مجلس السلام لغزة» بوصفه إجراء انتقالياً أو مبادرة إنسانية، أو محاولة لإدارة مرحلة ما بعد الحرب. نحن أمام تحوّل بنيوي في شكل الحكم الدولي، وغزة ليست سوى أول حقل اختبار مفتوح لهذا التحوّل.
للمرة الأولى، يُنشأ مجلس سياسي-أمني-اقتصادي، خارج إطار الأمم المتحدة ومجلس الأمن، برئاسة رئيس دولة واحدة، يتولّى الإشراف على إقليم محتل، يعيّن حكومته، يدير أمنه، ينزع سلاحه، ويتحكّم بإعادة إعماره، بلا تفويض أممي، وبلا تمثيل شعبي، وبلا أي مُساءلة قانونية دولية؛ هذا ليس «سلاماً»، هذا نزع منظّم للسيادة باسم الاستقرار.
الولايات المتحدة لا تحتاج إلى إعلان نهاية الأمم المتحدة، فما تفعله أخطر (تحويلها إلى مؤسسة فائضة عن الحاجة). فحين يعجز مجلس الأمن عن توفير الغطاء القانوني والسياسي لمشاريع القوة، يُستبدل عملياً بأطر موازية، كمجالس خاصة، ومُغلقة «فعّالة»، تستمد شرعيتها من المال والسلاح، والفرض القسري للوقائع.
بهذا المعنى، «مجلس السلام لغزة» ليس بديلاً نظرياً عن الأمم المتحدة، بل إنه بديل عملي عنها، وعندما يصبح البديل هو القاعدة، يصبح الأصل بلا وظيفة.
الأكثر خطورة من الدور الأميركي، هو الدور العربي الرسمي، الذي انتقل من موقع العاجز إلى موقع الشراكة الوظيفية الصامتة. إن مشاركة دول عربية، مثل مصر وقطر والإمارات، في هيئة تُشرِف على نزع سلاح شعب واقع تحت الاحتلال، أو إدارة إقليم فلسطيني بلا سيادة، أو فرض إدارة «تكنوقراط» بلا انتخابات، لا يمكن تبرير كل ذلك بالوساطة، ولا بالحرص الإنساني، ولا بالاستقرار الإقليمي. ما يجري هو تفويض عربي ضمني، لإسقاط البعد التحرّري للقضية الفلسطينية، وتحويلها إلى ملف أمني-إداري، بيد القوى الكبرى.
اللافت أن بعض الأنظمة العربية لم تعد ترى في فلسطين قضية تحرّر، إنما تراها مهدّدة للاستقرار الداخلي، وعبئاً سياسياً، ونموذجاً يجب تطويقه كي لا يُلهِم شعوباً أخرى. وهكذا يتحوّل العربي من شاهد صامت على الإبادة، إلى شريك في إدارة النتائج.
«مجلس السلام لغزّة» ليس بديلاً نظرياً عن الأمم المتحدة، بل إنه بديل عملي عنها، وعندما يصبح البديل هو القاعدة، يصبح الأصل بلا وظيفة
الخطر الحقيقي لا يكمن في غزة وحدها، بل في قابلية هذا النموذج للتمدّد، فلبنان يُصنَّف اليوم في الخطاب الدولي بمثابة منطقة توتر مزمن، وساحة صراع إقليمي، وخطر على «الاستقرار الحدودي»، ومع ضعف الدولة، وانقسام الداخل، واستمرار الضغط الدولي، يصبح السؤال مشروعاً، ما الذي يمنع من طرح «آلية دولية لتثبيت الجنوب»؟ مجلس إشراف أمني–اقتصادي؟ أو إدارة دولية باسم منع الحرب؟ والأمر نفسه ينطبق على سوريا، حيث الانقسام الجغرافي، وتعدّد مناطق النفوذ، واستمرار الذريعة الأمنية، كل ذلك يفتح الباب أمام تحويل البلاد إلى مساحات إدارة دولية دائمة، لا دولة واحدة ذات سيادة.
أمّا ليبيا، فهي النموذج شبه الجاهز، دولة مفكّكة، فيها نفط، وصراع طويل، وعجز أممي مزمن، أي إنها بيئة مثالية لتطبيق نموذج «مجلس إدارة الأزمة» بدل الحل السياسي.
نحن أمام انتقال خطير، من دول ذات سيادة إلى مناطق خاضعة للإدارة، ومن شعوب إلى مجتمعات تُضبط، ومن السياسة إلى الأمن، ومن الحقوق إلى «الاحتياجات الإنسانية».
إنّ هذا التحوّل لا يهدّد فلسطين وحدها، بل يهدّد كل دولة ضعيفة، أو منقسمة أو محاصرة. أليس هذا أخطر من الاحتلال؟ بل إن الاحتلال كان واضحاً، اسمه معروف، ومسؤوليته محدّدة، أمّا هذه الصيغة الجديدة، فهي بلا اسم وبلا سقف زمني وبلا محاسبة، وبلا إمكانية مقاومة قانونية، إنها هيمنة ناعمة طويلة الأمد، تُفرض باسم السلام، وتُدار باسم الإنسانية، وتُموَّل باسم الإعمار، غزة اليوم ليست فقط ضحية حرب، بل ضحية مشروع دولي جديد، هدفه إسقاط فكرة السيادة، وتهميش الأمم المتحدة وإعادة حكم العالم، عبر مجالس مُغلقة لا تمثّل الشعوب، وإذا قُبل هذا النموذج وطُبّق في غزة، فلن يكون لأحد، عربياً كان أم غير عربي، الحق في الاعتراض عندما يُطبَّق في لبنان، أو سوريا، أو ليبيا، أو أي دولة أخرى.
غزة لا تُدار اليوم، غزة تُستخدَم، ومَن لا يرى ذلك الآن، سيدفع ثمنه لاحقاً.
* كاتب فلسطيني
