ENsamaha
لبنان
سوريا
فلسطين
عرب
عالم
قضايا وآراء
ثقافة
كاريكاتور
رياضة
حياة وناس
تغطيات
المزيد
عدد اليومكتاب الأخبار كلماتأرشيف الأعدادفيديوصورأرشيف جوزيف سماحةأرشيف أنسي الحاجزياد الرحباني
PDFعدد اليوم

الثورة والمقاومة واقعية سياسية

قضايا وآراء
|رأي
حفظ المقالة
كريم حداد
كريم حداد
الخميس 22 كانون الثاني 2026
الخط


في لحظة تاريخية يتكاثف فيها العنف الإمبراطوري على غزة، ويتصاعد فيها الضغط على إيران ولبنان وجبهة المقاومة، يعود سؤال الثورة ليُطرح من جديد، لا بوصفه حنيناً إلى انتفاضة رومانسية، بل باعتباره مسألة سياسة واقعية، تتعلق بميزان القوى، وبكيفية الصمود داخل عالم تحكمه إمبراطوريات لا تقبل الندّ ولا التحدّي. هنا، يصبح مفهوم «الثورة كواقعية سياسية» الذي طوّره إرنست ماير، تلميذ روزا لوكسمبورغ وأحد أبرز العقول المنسية في الحركة الشيوعية الأوروبية، أداة تفسيرية جادّة لفهم ما يجري في منطقتنا اليوم، من طهران إلى بيروت، ومن غزة إلى البحر الأحمر.

لم تكن روزا لوكسمبورغ ترى في الثورة فعلاً انفجارياً أو مغامرة طليعية منفصلة عن المجتمع، بل سياسة تاريخية عقلانية، تعمل داخل واقع غير ثوري من أجل تغييره. إرنست ماير أخذ هذا المفهوم وحوّله إلى برنامج عملي داخل الحزب الشيوعي الألماني في أكثر فتراته حساسية.

الثورة عنده ليست انتظار اللحظة الكبرى، بل بناء تراكمي للقوة داخل المجتمع، عبر التحالفات، والنضالات اليومية، والجبهات الواسعة، والديمقراطية التنظيمية، أي عبر تحويل المجتمع نفسه إلى ساحة صراع طويلة النفس، لا إلى مسرح لطقس بطولي قصير العمر. هذا المعنى العميق للثورة هو ما نفتقده اليوم في كثير من القراءات السطحية للصراع في الشرق الأوسط، التي تختزل المواجهة بين المقاومة والإمبراطورية في فلسطين وحدها، أو في «سلوك» إيران، وكأننا أمام أزمة سياسية قابلة للحل لو غابت هذه العناصر.

ماير، في تجربته داخل الحزب الشيوعي، أدرك مبكراً أن العدو لا يُعرّف فقط بما يفعله، بل بما هو عليه. الإمبراطورية لا تعادي لأنها تُستفَز، بل لأنها لا تستطيع أن تقبل بوجود قوى مستقلة داخل مجالها الحيوي. لهذا، كان يرفض السذاجة الثورية التي تتخيّل أن العدو سيكفّ عن العدوان إذا «صحّحنا خطابنا» أو «خفّفنا لهجتنا».

هذا المنطق هو بالضبط ما نراه اليوم في الخطاب الليبرالي العربي والدولي الذي يقول: «لو لم تكن هناك مقاومة في غزة، لما كانت هناك حرب»، أو «لو لم تكن إيران ثورية، لما استهدفتها أميركا». هذا وهم خطير. فحتى لو لم تكن هناك فلسطين، ولو لم تكن هناك مقاومة، لكانت الإمبراطورية قد اخترعت سبباً آخر، لأن المشكلة ليست في القضية بل في وجود كيان أو مجتمع أو دولة ترفض أن تكون تابعاً.

إسرائيل، في هذا المعنى، ليست دولة قومية عادية تدافع عن نفسها، بل أداة إمبراطورية متقدمة، قاعدة متحرّكة داخل الجغرافيا العربية، وظيفتها كسر أي إمكانية لنشوء قوة مستقلة في المشرق. هذا ما يجعل لبنان مستهدفاً حتى عندما يصمت، وإيران محاصَرة حتى عندما تفاوض، وغزة تُدمَّر حتى عندما تُحاصَر. الصهيونية هنا ليست مجرد مشروع استيطاني، بل جزء من بنية الهيمنة العالمية، منطقها هو ذاته منطق القواعد العسكرية والأساطيل والعقوبات: ضبط الفضاء، ومنع أي اختراق لمنظومة السيطرة.

هنا بالضبط يصبح مفهوم «الجبهة المتحدة» الذي طوّره ماير أداة معاصرة لفهم المقاومة. ماير لم يكن يدعو إلى ذوبان الشيوعيين في الاشتراكيين، بل إلى بناء كتلة تاريخية واسعة داخل المجتمع، قادرة على فرض ميزان قوى جديد. المقاومة في لبنان وغزة ليست مجرد فصائل مسلّحة، بل تعبير عن كتلة اجتماعية – سياسية ترى في الهيمنة الأميركية–الإسرائيلية تهديداً وجودياً، لا مجرد خلاف سياسي. لهذا، إن نزع سلاح المقاومة، أو عزل إيران، أو تحييد لبنان، لا تعني السلام، بل تعني فتح الطريق أمام إخضاع كامل، لأن الإمبراطورية لا تفاوض إلا من موقع قوة.

إسرائيل ليست دولة قومية عادية تدافع عن نفسها، بل قاعدة متحرّكة داخل الجغرافيا العربية، وظيفتها منع قيام قوة مستقلة في المشرق. هذا ما يجعل لبنان مستهدفاً حتى عندما يصمت


إرنست ماير خاض معركة مشابهة داخل حزبه عندما حاول أن يمنع تحوّل الشيوعية إلى جهاز بيروقراطي معزول عن المجتمع. كان يقول إن الحزب الذي يفقد ديمقراطيته الداخلية يفقد قدرته على تمثيل الطبقات التي يدّعي الدفاع عنها. اليوم، يمكننا أن نوسّع هذه الفكرة إلى مستوى الدول والحركات المقاومة: أي مقاومة تفقد ارتباطها بمجتمعها تتحول إلى نخبة معزولة، وأي دولة تفقد سيادتها تتحول إلى إدارة محلية للإمبراطورية. إيران، رغم كل تناقضاتها الداخلية، تمثّل في النظام العالمي الحالي واحدة من آخر الدول التي رفضت أن تُدمج بالكامل في المنظومة الأميركية. هذا وحده يكفي لجعلها عدواً بنيوياً، بصرف النظر عن فلسطين، أو النووي، أو حقوق الإنسان.

غزة، في هذا السياق، ليست «قضية إنسانية»، بل نقطة تماس بين مشروعين: مشروع إمبراطوري يريد شرقاً أوسطاً مُفككاً، منزوع السيادة، ومشروع مقاومة يريد الحفاظ على إمكانية الوجود الحر. لذلك، فإن المجازر ليست انحرافاً أخلاقياً، بل أداة سياسية لإعادة ضبط المجال. كما كانت الستالينية، في زمن ماير، تدمّر كل إمكانية لثورة ديمقراطية باسم «الخط الصحيح»، تفعل الإمبراطورية اليوم الشيء ذاته باسم «الأمن» و«الاستقرار».

ما يعيد هذا كله إلى جوهر مفهوم الثورة الواقعية: الثورة ليست خطاباً، بل بناء قدرة على الصمود داخل زمن طويل من الصراع. المقاومة التي لا تُبنى على مجتمع، وعلى اقتصاد، وعلى سياسة، وعلى تحالفات، تموت. والإمبراطورية التي لا تُواجَه، لا تتراجع، بل تتمدّد. لهذا، فإن السؤال الحقيقي ليس: هل نريد المقاومة؟ بل: هل نريد أن نكون مجتمعات لها وزن في التاريخ، أم مجرّد ساحات تُدار من الخارج؟

إرنست ماير خسر معركته داخل حزبه، لكن فكرته بقيت. واليوم، من طهران إلى غزة، ومن بيروت إلى صنعاء، نرى بأشكال مختلفة محاولة تطبيق هذا الدرس: أن تكون ثورياً يعني أن تكون واقعياً، وأن تكون واقعياً يعني أن تفهم أن الإمبراطورية لا تُسترضى، بل تُقاوَم، وأن الصهيونية ليست سبب الحرب، بل شكلها المتقدّم في منطقتنا. هذا هو المعنى العميق للصراع الذي نعيشه، وهذا هو ما يجعل المقاومة، رغم كل آلامها وتناقضاتها، ضرورة تاريخية لا خياراً أخلاقياً.

ما يجعل أطروحة «الثورة كواقعية سياسية» اليوم ذات قيمة استثنائية ليس أنها بديل نظري جميل، بل أن مجرى الأحداث نفسه صار برهانها التجريبي. فالمسار الذي سلكه خصوم هذا الطرح – سواء في أوروبا بين الحربين أو في الشرق الأوسط اليوم – انتهى دائماً إلى العجز، ثم إلى الانهيار.

الذين قالوا في زمن ماير إن الجبهة المتحدة «تنازل»، وإن بناء القوة الاجتماعية «تباطؤ»، وإن الواقعية السياسية «خيانة للثورة»، هم أنفسهم الذين قادوا الحركة الشيوعية الألمانية إلى العزلة، ثم إلى الهزيمة أمام النازية، لأنهم فضّلوا الطهورية الأيديولوجية على بناء ميزان قوى حقيقي. واليوم، الذين يقولون في عالمنا العربي إن المقاومة يجب أن «تُضبط»، أو أن السيادة يجب أن «تُخفّف»، أو أن التحدي يجب أن «يُدار ديبلوماسياً»، هم أنفسهم الذين سلّموا بلدانهم إلى القواعد العسكرية، وصناديق التمويل، والسفارات، والوصاية، ولم يحصلوا في المقابل لا على تنمية، ولا على سيادة، ولا حتى على الاستقرار.

في غزة اليوم: شعب محاصر، بلا جيش نظامي ولا دولة، لكنه راكم عبر عقود شبكة مقاومة، وتنظيماً اجتماعياً، وذاكرة قتالية، فصار قادراً على فرض نفسه لاعباً، بينما أنظمة عربية تملك كل «الشرعية الدولية» وكل السلاح الأميركي عاجزة حتى عن حماية سيادتها. في إيران، كذلك، لم يكن الصمود نتيجة «عناد أيديولوجي»، بل نتيجة بناء دولة قادرة على تحمّل العقوبات والحصار والحرب، أي ممارسة الثورة بوصفها سياسة طويلة النفس، لا لحظة انفجار. أما المسار الذي اختاره معارضو هذا الطرح – مسار الاندماج في النظام الإمبراطوري، والتخلي عن أدوات القوة –، فقاد إلى النتيجة الوحيدة الممكنة: الارتهان، ثم التفكك، ثم الابتزاز الدائم.

ويكفي، اليوم، أن نتأمل المشهد الذي كان يُعدّ حتى الأمس القريب من ضروب الخيال السياسي: قوات أوروبية تُنزل وحدات عسكرية في غرينلاند ليس لصدّ غزو أجنبي، بل تحسّباً من عمل يخطط له رئيس الولايات المتحدة، وهو يجاهر علناً بأن الجزيرة يجب أن تصبح ملكاً لبلاده، بالشراء أو بالقوة. هذا المشهد ليس تفصيلاً غريباً في أخبار العالم، بل لحظة كاشفة لطبيعة الإمبراطورية في طورها المتأخر، حين تسقط كل الأقنعة الليبرالية ويظهر الجوهر العاري للقوة: الأرض تُؤخذ لأن القوي يريدها، لا لأن القانون يسمح.

في عالم كهذا، لا معنى للحديث عن نظام دولي أو شرعية أو قواعد، بل عن ميزان قوة محض. غرينلاند، رغم كونها جزءاً من الفضاء الغربي، لم تُحمَ بمنظومة القيم. وهذا يفضح الوهم الذي تعيشه كيانات كثيرة في منطقتنا، بأن الارتماء في أحضان الإمبراطورية يوفّر حماية. بينما الحقيقة هي العكس، إذ إن الكيان بلا قدرة ذاتية على المقاومة، بلا بنية سيادية، بلا أدوات ردع، هو كيان قابل للافتراس في أي لحظة، حين تتغيّر المصالح أو يختلّ المزاج في المركز الإمبراطوري.

الأكثر قراءة

آسياصنعاء تدعو السلطة اللبنانية لمراجعة حساباتها... وطهران: لن نتخلى عن حزب الله
الأخبار

22.08.2026

لبناننصار يقطع طريق بعبدا على غانم؟
الأخبار

24.08.2026

لبناناحفظوا هذا الاسم: معاوية أبو عرب!
الأخبار

24.08.2026

لبنانإجراءات جديدة في مطارَيْ بيروت ودمشق
الأخبار

24.08.2026

banner بنك عودةbanner بنك عودة
  • من نحن
  • وظائف شاغرة
  • اتصل بنا
  • للإعلان معنا
  • اشترك معنا

محتوى موقع «الأخبار» متوفر تحت رخصة المشاع الإبداعي 4.0 2026©

يتوجب نسب المقال إلى «الأخبار» - يحظر استخدام العمل لأغراض تجارية - يُحظر أي تعديل في النص، ما لم يرد تصريح غير ذلك