
بدأ «مؤتمر الأطراف» التاسع والعشرون اجتماعه السنوي في باكو لمناقشة أزمة المناخ العالميّة المتفاقمة، على أن يُختتم الحدث الذي ترعاه الأمم المتحدة في 22 تشرين الثاني (نوفمبر) الحالي.
ويعبّر قادة العالم المشاركون في COP29، عن أملهم في الاتفاق على إجراءات للمساعدة في كبح جماح ارتفاع درجات الحرارة العالمية. وتُعدّ أبرز القضايا الرئيسية قيد المناقشة هي كيفية توفير المزيد من الأموال للبلدان الفقيرة لمساعدتها على الحد من الغازات المسبّبة في ارتفاع درجة حرارة الكوكب، بالإضافة إلى تجهيزها للتعامل مع الآثار المدمّرة المتزايدة لتغيّر المناخ.
ترافقت القمّة مع مشكلات عدة، إذ قوبل قرار عقد المؤتمر في أذربيجان، بانتقادات واسعة بسبب ارتباط البلاد بالغاز والنفط، اللذين يشكّلان أهمّ أسباب الأزمة المناخية، وخصوصاً مع خطط البلاد في توسيع إنتاجها للغاز في العقد المقبل بنسبة تصل إلى الثلث. فيما ردّ رئيسها، إلهام علييف، على هذه الانتقادات خلال كلمته في المؤتمر، بأنّه لا ينبغي إلقاء اللوم على الدول لامتلاكها النفط والغاز لأنّها «هبة من اللّه».
من جهة أخرى، شكّل فوز دونالد ترامب في الانتخابات الرئاسية الأميركية، وهو معروف بتشكيكه في أزمة المناخ، مصدر إلهاء سلبي، كونه قد ينسحب من أي التزام تجريه إدارة بايدن الحالية، كما فعل مع اتفاقيّة باريس للمناخ عام 2015.
ومن المتوقع أن يحضر ما بين 40 إلى 50 ألف مندوب المؤتمر، بمن فيهم ممثلين من جميع الدول الأعضاء في الأمم المتحدة، كما سيشارك ديبلوماسيّون وعلماء مناخ وقادة نقابات عمالية ونشطاء بيئيّون. ويشارك رئيس الوزراء البريطاني، كير ستارمر، المُطالِب بأهداف مناخيّة «طموحة» أكثر، للمرّة الأولى في القمة المناخية السنوية. كما يلقي الرئيس التركي، رجب طيب إردوغان، كلمة أيضاً في المؤتمر، في حضور الأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو غوتيريش. إلا أنّ لائحة القادة الغائبين تطول، وخصوصاً زعماء أكبر اقتصادات في العالم، وهي المسبّب الأكبر لانبعاثات الكربون. إذ يغيب الرئيس الأميركي «المناصر للبيئة»، جو بايدن، والرئيس الصيني، شي جين بينج، والرئيس الفرنسي، إيمانويل ماكرون، كما يُقاطع COP29 كل من رئيسة المفوضية الأوروبية، أورسولا فون دير لاين، والمستشار الألماني، أولاف شولتز، ورئيس الوزراء الهندي، ناريندرا مودي. بالإضافة إلى ذلك، لن يُشارك الرئيس الرّوسي، فلاديمير بوتين. ورغم ضآلة مكانة غينيا الجديدة اقتصادياً وعالمياً، إلا أنّ تصاريح رئيس وزرائها، جيمس مارابي، عند إعلانه رفض المشاركة في المؤتمر جسّدت مواقف الجزر الصغيرة التي تواجه الخطر الأكبر من الأزمة المناخيّة. إذ اعتبر أنّ الغياب هو احتجاج على الدول الكبرى، وأنّ بلاده لن تتسامح مع «الوعود الفارغة»، بينما يعاني شعبه من العواقب المدمّرة لتغيّر المناخ. فيما وصف وزير خارجيّته، جاستن تكاتشينكو، القمّة المناخية بأنّها «مضيعة للوقت»، معتبراً أنّ اجتماعاتها تدور في دوائر مفرغة ولم تسفر عن أي نتائج ملموسة.
علماً أنّ القمّة تتزامن مع حربين مكلفتين في الشرق الأوسط وأوكرانيا، تشترك فيهما غالبية الدول الكبرى. وفي هذا السياق، قال البروفيسور في «جامعة أكسفورد»، طوماس هيل، إنّ قضيّة المناخ لا تحتلّ المرتبة الأولى في ذهن القادة العالميّين، بالإضافة إلى «الشعور الضمني» بأنّ أذربيجان لا تملك النفوذ الديبلوماسي أو المالي لتأمين اتفاق مهم.
ويتصدّر موضوع تمويل جهود مكافحة التغيّر المناخي، سلّم أولويّات COP29. لكن يبرز الخلاف المحتدم بين الدول النامية وتلك الكبرى، بأنّه بموجب اتفاقية باريس الموقّعة في عام 2015 لمنع ارتفاع درجات الحرارة العالمية بأكثر من 1.5 درجة مئوية، التزمت الدول بوضع سياسة تمويليّة جديدة بحلول عام 2025. في حين أنّ الخطة تطلب تمويلاً سنوياً يتخطّى التريليون دولار سنويّاً بحلول عام 2030، تختلف الدول الكبرى مع بعض الدول المصنّفة اقتصاداتها بالناشئة، مثل الصّين ودول الخليج، ما يعفيها من المساهمة. ويشترط الاتحاد الأوروبي مشاركة هذه الدول للمضي قدماً في زيادة تمويل خطط مواجهة التغيّر المناخي.
يأتي انعقاد المؤتمر في وقت بلغت فيه الأزمة المناخية مستويات غير مسبوقة، إذ يتوقّع مركز «كوبرنيكوس لمراقبة تغير المناخ» أن عام 2024 سيسجّل أعلى درجات حرارة في التاريخ، مع موجات حر قاتلة اجتاحت بقاع الكوكب. بالإضافة إلى ذلك، ضربت أعاصير قويّة الأرض، وأبرزها إعصاري «هيلين» و«ميلتون» في الصّيف الماضي، كما عانت دول عدة من الفيضانات، آخرها تلك المدمّرة التي ضربت إسبانيا الشهر الماضي.
الأزمة المناخية التي يصفها البروفيسور في جامعة «إمبريال كوليدج» البريطانية، جويري روجيلج، بأنّها «مشكلة تراكميّة» لا تحتمل التأخير الحاصل حاليّاً. لكن لا يرى قادة الدول الكبرى فيها أولوية سياسية. فرغم المسؤولية الكبيرة لهذه الدول في التسبّب بالأزمة، إلا أنّها لا تزال غير معنيّة في معالجتها أو نجدة الدول الفقيرة لمواجهة تبعاتها، وخصوصاً مع عودة عدو مقرّرات «مؤتمر الأطراف» دونالد ترامب إلى البيت الأبيض، وإصراره على أنّ المسألة لا تعدو كونها «خدعة». وهو ما دفع باقي الأطراف الدوليّين إلى النظر إلى قمّة أذربيجان على أنّها «غير مجدية»، كونهم يعلمون أنّ أي تقدّم ممكن إحرازه مع إدارة بايدن، لن يكون ملزماً للإدارة الجديدة.

