«الوقت الضائع» يرتدّ على حلفاء واشنطن: بوادر تأزّم في سيول
على وقع المعارضة الشرسة من المشرعين من مختلف الأحزاب، فشل رئيس كويا الجنوبية في فرض الأحكام العرفية على البلاد، بعدما تسبب قراره المفاجئ بليلة حافلة بالفوضى. وطبقاً لمراقبين، فإنّ التطورات الأخيرة تندرج ضمن تبعات «الوقت الضائع» الذي أهدرته واشنطن في الشرق


على وقع الاحتجاجات والمعارضة الشرسة من جانب المشرعين من مختلف الأحزاب، والذين نجحوا في إسقاط القرار بعد ساعات قليلة من الإعلان عنه، فشل رئيس كوريا الجنوبية، يون سيوك يول، في فرض الأحكام العرفية على البلاد، بعدما تسبب قراره المفاجئ في ليلة استثنائية وحافلة بالفوضى، وصفها البعض بـ«الليلة التي حفر فيها يون قبر مسيرته السياسية». إذ إنّ ستة أحزاب معارضة في كوريا الجنوبية تقدمت إلى «الجمعية الوطنية» (البرلمان) بمشروع قانون لمساءلة يون بهدف عزله من منصبه، فيما من المتوقع عرض المشروع أمام أعضاء البرلمان اليوم، علماً أنّ تمريره يتطلب الحصول على 200 صوت من أصل 300، ما يعني أنّ المعارضة ستحتاج إلى دعم ما لا يقل عن 18 نائباً من الحزب الحاكم.
وفي اليومين الماضيين، كثُرت التحليلات حول الأسباب الكامنة خلف قرار الرئيس، وتأثير هذا القرار على الوضع الداخلي في كوريا الجنوبية، وعلاقة انتخاب دونالد ترامب به. وأثناء إعلانه خطوته الثلاثاء، في الساعة العاشرة والنصف بالتوقيت المحلي، قال الرئيس الكوري الجنوبي، في خطاب متلفز، إنّ فرض الأحكام العرفية الطارئة يهدف إلى حماية البلاد من «القوات الشيوعية الكورية الشمالية»، و«القوات المناهضة للدولة»، بالإضافة إلى «إعادة بناء» كوريا الجنوبية وحمايتها من «السقوط في الخراب». وطبقاً لمراقبين، فإنّ التطورات الأخيرة تندرج ضمن تبعات «الوقت الضائع» الذي أهدرته واشنطن في الشرق الأوسط، بدلاً من التركيز على الصين، ما جعل سيول تحاول «تشكيل خط مواجهة» ضدّ نفوذ بكين وبيونغ يانغ.
وفور انتشار الخبر، أغلقت سيارات الشرطة البوابة الأمامية لمقر «الجمعية الوطنية»، واقتحم عشرات الجنود المسلحين المبنى، فيما قدّم الأمين العام لـ«الجمعية الوطنية»، كيم مين كي، في حديث إلى وسائل الإعلام، معلومات مفصّلة عمّا حصل في تلك الليلة، مشيراً إلى أنّه تم نقل حوالى 230 جندياً بطائرة الهليكوبتر إلى المقر، وقفز ما يقرب من 50 آخرين من فوق الأسوار للدخول، مستشهداً بلقطات مصوّرة لعملية الاختراق. والجدير ذكره، هنا، أنّ الأحكام العرفية تشمل حظر جميع الأنشطة السياسية، بما في ذلك عمليات «الجمعية الوطنية»، والجمعيات المحلية والأحزاب السياسية والجمعيات السياسية والتجمعات والتظاهرات، جنباً إلى جنب فرض رقابة على وسائل الإعلام، وإصدار أوامر للمهنيين الطبيين بالعودة إلى وظائفهم في غضون «48 ساعة»، وفك إضرابهم المستمر منذ أشهر، على خلفية خطط الحكومة زيادة عدد الطلاب المسجلين في كليات الطب في البلاد. وبعدما دعا قادة عدد من أحزاب المعارضة المشرعين والشعب إلى التحرك لمواجهة القرار المشار إليه، والذي عارضه أيضاً أعضاء في حزب الرئيس نفسه، تجمّع مئات المواطنين في محيط «الجمعية الوطنية»، وشكلوا «سداً» أمام الجنود الذين حاولوا دخول المقر، فيما شقّ المشرعون، من جهتهم، طريقهم بين الجنود في البرلمان، وقفز بعضهم من فوق حائط المقر بعد منعهم من الدخول، لعقد اجتماع طارئ في وقت متأخر من الليل. وبحلول الساعة الواحدة بعد منتصف الليل، كانت «الجمعية الوطنية» قد أصدرت قراراً يطالب برفع الأحكام العرفية، بحضور 190 من أصل 300 مشرع، صوتوا جميعهم لمصلحة إسقاط القرار، علماً أنه بموجب المادة 77 من دستور كوريا الجنوبية، عندما تطلب «الجمعية»، بموافقة غالبية أعضائها، رفع الأحكام العرفية، يتعين على الرئيس الامتثال لها تلقائياً. ويضاف إلى ما تقدّم، أنّ زعيم حزب «سلطة الشعب الحاكم» الذي ينتمي إليه يون، اعتذر من الجمهور، مطالباً الرئيس بـ«تفسير» واضح. وبعد دقائق من تصويت المشرعين، بدأ الجنود ينسحبون تدريجياً من أمام المقر.
تندرج التطورات الأخيرة في سيول ضمن تبعات «الوقت الضائع» الذي أهدرته واشنطن في الشرق الأوسط
على أنّه من غير المتوقع أن يضع التراجع عن القرار نهاية لمظاهر الفوضى، بل قد يكون مجرّد البداية؛ إذ سرعان ما هددت المعارضة الكورية الجنوبية بعزل الرئيس يون إن لم يقدم استقالته، وقال الحزب الرئيس المعارض في كوريا الجنوبية، والذي يتمتّع بغالبية برلمانية، في بيان أمس، إنّه «إذا لم يستقل الرئيس فوراً، فإنّ (الحزب الديمقراطي) سيطلق في الحال إجراءات عزله تنفيذاً لإرادة الشعب»، حتى لو تم رفع الأحكام العرفية. أما أكبر اتحاد للعمّال في البلاد، فدعا، من جهته، إلى إضراب عام مفتوح إلى حين استقالة الرئيس. وقال الاتّحاد الكوري لنقابات العمّال، الذي يضمّ 1.2 مليون عضو، إنّ رئيس الجمهورية اتّخذ «إجراءً غير عقلاني ومناهضاً للديمقراطية»، وبالتالي «وقّع وثيقة نهاية حكمه». وتزامناً مع ذلك، قدّم عدد من كبار معاوني الرئيس الكوري الجنوبي استقالاتهم بشكل جماعي، من بينهم وزير الدفاع، كيم يونغ هيون.
ورغم أنّ قرار الأحكام العرفية شكل، للوهلة الأولى، مفاجأة داخل البلاد وخارجها، إلا أنّ «الحزب الديموقراطي المتحد»، وهو الحزب المعارض الأكبر، كان يحذر، منذ أيلول، من أنّ الرئيس الكوري الجنوبي يخطط لاتخاذ تلك الخطوة، فيما اعتبر عدد من المحللين في البلاد أنّ التحذيرات المشار إليها تندرج ضمن «نظريات المؤامرة»، «ولا أساس لها من الصحة». وعبر إجراء لمحة على الأوضاع السياسية الداخلية في سيول، يصبح في الإمكان فهم الأسباب الكامنة، جزئياً، خلف قرار يون الأخير. إذ تشهد كوريا الجنوبية، منذ أشهر، مأزقاً سياسياً مريراً، بعدما فازت أحزاب المعارضة الليبرالية في البلاد بغالبية برلمانية في نيسان، في مؤشر واضح إلى تراجع شعبية يون، على خلفية عدد من الفضائح والقضايا المثيرة للجدل منذ توليه منصبه في عام 2022. ومذاك، قوبل يون، ذو الميول المحافظة، بمعارضة سياسية بشأن عدد من سياساته التي تتطلب تمرير التشريعات، ما منعه من المضي قدماً في وعود حملته لخفض الضرائب وتخفيف لوائح الأعمال. وبداية هذا الأسبوع، واجه الرئيس تحدياً في ما يتعلق بزيادة الميزانية السنوية، بنسبة 3.2% لدعم الاقتصاد، حيث نجح «الحزب الديمقراطي» بزعامة لي جاي ميونغ، في منع 4.1 تريليونات وون من إجمالي الزيادة، متعهداً بفرض المزيد من التغييرات على الميزانية، ما أدى إلى تأجيل التصويت عليها. وعليه، فإنّ الأحكام العرفية كانت تهدف، بالدرجة الأولى، إلى «إحكام قبضة» الرئيس على البلاد.
عودة ترامب
إلى ذلك، يرى عدد من المراقبين أنّ التطورات الأخيرة في كوريا الجنوبية، وعلى غرار مختلف الملفات في مناطق أخرى من العالم، غير منفصلة عن فوز الرئيس الجمهوري، دونالد ترامب، بالانتخابات الأميركية، لا سيما أنّ سيول لم تستبشر «خيراً»، على ما يبدو، بفوزه؛ فعلى سبيال المثال، عقد المسؤولون في كوريا الجنوبية، نهاية الشهر الماضي، اجتماعاً طارئاً مشتركاً بين الوكالات، لمناقشة العواقب المحتملة على الشركات الكورية، في أعقاب تعهد ترامب بفرض تعرفة بنسبة 25% على جميع المنتجات من كندا والمكسيك و10% إضافية على السلع الصينية. وكان ترامب قد وصف كوريا الجنوبية، الشهر الماضي، بأنها «آلة طباعة نقود»، لافتاً إلى أنّه يتوجب عليها دفع 10 مليارات دولار سنوياً للقوات الأميركية، لتتمركز في شبه الجزيرة الكورية. وفي وقت لاحق، خفض «بنك كوريا» أسعار الفائدة بشكل غير متوقع، في خطوة نادرة، تعكس القلق بشأن تأثير رئاسة ترامب الثانية على رابع أكبر اقتصاد في آسيا. كما يشعر الاقتصاديون بالقلق من أن التضخم المرتفع باستمرار في الولايات المتحدة، نتيجة لتعريفات ترامب الجمركية، سيزيد الضغط على «مجلس الاحتياطي الفيدرالي» لتشديد السياسة النقدية، ما يزيد من تعزيز الدولار مقابل العملة الكورية، وهو ما يفسر إصرار الرئيس الحالي على زيادة الإنفاق الاقتصادي.
