مرآة عاكسة لمأزق أوروبا: فرنسا تدخل المجهول
تبدو فرنسا عاجزة عن كسر الحلقة المفرغة التي تقوّض اقتصاد البلاد والحياة السياسية فيها، في ظاهرة تنسحب على العديد من الدول الأوروبية الأخرى. ويأتي ذلك في وقت تحتاج فيه القارة، أكثر من أي وقت مضى، إلى "النهوض والاعتماد على نفسها"، بعدما بات واضحاً أنّ "المظل


لدى الحديث عن عالم «متغيّر»، تبدو التحولات التي تشهدها أوروبا من أبرز «أعراض» هذا العالم، وهي نفسها التي دفعت بالرئيس الفرنسي، إيمانويل ماكرون، إلى التحذير، في غير محطة، من أنّ القارة الأوروبية «تحتضر»، داعياً صناع السياسة فيها إلى «التحرك» بسرعة، كي لا تلقى حتفها. على أنّ الأحداث التي تشهدها فرنسا، حديثاً، تكشف أنّ الأخيرة عاجزة، بنفسها، عن التحرك لكسر الحلقة المفرغة التي تقوّض اقتصاد البلاد والحياة السياسية فيها، في ظاهرة تنسحب على عدد من الدول الأوروبية الأخرى، في وقت تحتاج فيه القارة، أكثر من أي وقت مضى، إلى «النهوض والاعتماد على نفسها»، بعدما بات واضحاً أنّ «المظلة الأميركية» قد لا تستمر لوقت طويل.
وللمرة الثانية في تاريخ «الجمهورية الخامسة»، والأولى منذ عام 1962، حجبت «الجمعية الوطنية الفرنسية» (البرلمان)، الأربعاء، الثقة عن حكومة ميشيل بارنييه، ليصبح «أسرع» رئيس حكومة يغادر منصبه في تاريخ فرنسا، وهو ما دفع بعدد من وسائل الإعلام الفرنسية إلى «السخرية» من تلك الظاهرة، إذ عنونت، على سبيل المثال، صحيفة «ليبراسيون» الفرنسية غلافها بعبارة «Veni, Vidi, Vire»، ومعناها «أتيتُ، فرأيتُ، فانتصرتُ»، وهي العبارة التي أطلقها الإمبراطور يوليوس قيصر في إحدى حروبه الشهيرة عام 47 ق. م، وأصبحت تُعرف بـ»أقصر» خطبة في التاريخ. وبعد شهرين وتسعة وعشرين يوماً في السلطة فقط، وافق 331 من أصل 574 نائباً على اقتراح سحب الثقة، والذي تقدمت به «الجبهة الشعبية الجديدة»، التي تمثّل تحالفاً بين مجموعة من الأحزاب اليسارية. وطبقاً للمادة 50 من الدستور، فإنّ استقالة رئيس الوزراء تصبح «تلقائية» بعد حجب الثقة.
وفي أعقاب التصويت، سارع النواب من كلا الطرفين إلى تبرير قرارهم بحجب الثقة بـ»مضمون الميزانية»، التي «لم تلبّ» تطلعات أيّ منهما، علماً أنّ بارنييه كان يتطلع إلى تمرير ميزانية الضمان الاجتماعي بلا تصويت من النواب، استناداً إلى المادة 49.3 من الدستور. على أنّه طبقاً لمجلة «ذي إيكونوميست» البريطانية، فإنه على غرار الدول الأوروبية الأخرى التي تواجه منافسة من الولايات المتحدة والصين، تنفق فرنسا بشكل «غير مستدام»، ومن المتوقع أن يتجاوز عجز ميزانيتها هذا العام الـ6% من الناتج المحلي الإجمالي. وعليه، كان بارنييه، بناءً على طلب ماكرون، يحاول إصلاح ذلك، عبر فرض حزمته البالغة قيمتها 42 مليار دولار لتخفيضات الإنفاق، و21 ملياراً في الزيادات الضريبية، والتي كان من المفترض أن تؤدي إلى خفض العجز، وإن بنحو نقطة مئوية واحدة. على أنّه طبقاً للمجلة، فإنّ «أعضاء اليمين واليسار غير المسؤولَين لم يسمحوا حتى بتمرير ذلك»، بل فضلوا «الجري خلف السلطة، عبر تأجيج السخط الشعبي». وبالحديث عن الأخير، تلفت المجلة إلى ظاهرة «التطرّف» في خيارات الناخبين الفرنسيين، بعد تآكل الأحزاب الوسطية من اليمين واليسار في البلاد، بسبب «خيبة أمل» الناخبين من أداء الحكومات السابقة، وهو ما يجعل فرنسا، كما سائر أوروبا، عالقة في حلقة سياسية مفرغة. بمعنى آخر، أصبح «الجمود» هو عنوان المرحلة في فرنسا، مع عدم وجود حزب أو تحالف قريب من الغالبية في «الجمعية الوطنية»، ما قد يضع البلاد أمام سلسلة متتالية من «حكومات الأقليات»، القصيرة العمر، والتي ستعاني لتأدية مهماتها.
تنفق فرنسا بشكل «غير مستدام» ومن المتوقع أن يتجاوز عجز ميزانيتها الـ6% من الناتج المحلي
وعليه، ندّد جملة من النواب بقرار سحب الثقة، إذ رأى وزير الاقتصاد، أنطوان أرماند، أنّ الأحزاب اليمينية واليسارية «اجتمعت لزعزعة استقرار البلاد»، فيما قال بارنييه، فور خروجه من البرلمان، إنّه في الوقت الذي تتجه فيه البلاد نحو «منطقة مجهولة»، فإنّ الفرنسيين لن يغفروا للمسؤولين «تفضيل مصالحهم الخاصة على المصلحة العامة». ومن جهتهم، سارع نواب من مختلف الأطياف السياسية إلى استغلال قرار سحب الثقة لتحصيل نقاط سياسية، مثلما فعل النائب اليساري، أوليفييه فور، الذي شدد على أنّه يجب على ماكرون تسمية رئيس حكومة من اليسار، فيما وعدت لوبن، التي تطمح إلى الفوز بالرئاسة عام 2027، في حال أفلتت من تهمة «اختلاس الأموال» التي تواجهها، بأنّها «ستسمح لرئيس الحكومة القادم بالعمل من أجل التوصل إلى ميزانية مناسبة». أمّا زعيم حزب «فرنسا غير الخاضعة»، جون لوك ميلونشون، فأشار إلى أنّ بارنييه غادر بعد ثلاثة أشهر، في حين «لن يصمد ماكرون لثلاث سنوات أخرى».
وفي خضم ذلك، تذكّر «ذي إيكونوميست»، بأنّه في عام 2012، أعلن رئيس «البنك المركزي الأوروبي»، ماريو دراغي، أنّ «البنك» مستعد لفعل «كل ما يلزم» للدفاع عن مكانة اليورو، عادّةً هذا «التعهد» مجرد إرجاء للمشكلات المزمنة في فرنسا وأوروبا، في وقت لا تنمو فيه اقتصادات القارة بالسرعة الكافية لتمويل الطلبات المفروضة عليها. إذ من المتوقع أن تنمو منطقة اليورو بنسبة 0.8% فقط في 2024، في حين يهدد ترامب بفرض رسوم جمركية على جميع الواردات إلى الولايات المتحدة بنسبة 10% أو ربما 20%، ولا سيما تجاه البلدان التي «يكرهها»، مثل الصين، ما قد يؤدي إلى موجة من الإغراق في أوروبا، التي تزداد حاجتها إلى زيادة الإنفاق في مجالات عدّة، وعلى رأسها الدفاع. وعليه، فإنّ تأجيل التصويت على الميزانية يزيد من عدم اليقين السياسي، وبشكل خاص الاقتصادي، في فرنسا، في وقت تنفق فيه الأخيرة، جنباً إلى جنب دول أوروبية أخرى، أموالاً طائلة لدعم كييف، علماً أنّه بات من الواضح أنّ المساعدات العسكرية لن تعكس مسار المعركة لمصلحة أوكرانيا.
أمن أوروبا «الأوروبي»
على الضفة نفسها، يتوقع الكثير من المراقبين أن «يسرّع» فوز ترامب في الانتخابات الرئاسية المشكلات التي تعاني منها القارة الأوروبية؛ إذ يلفت تقرير نشرته مجلة «فورين أفيرز»، أخيراً، إلى أنّه رغم أن ولاية ترامب الثانية ستؤدي على الأرجح إلى انفصال جذري عن سياسة الإدارة الحالية تجاه أوروبا، إلا أنّ «السخط الأميركي» من المساهمة الأوروبية في الشراكة الثنائية كان يستعر في الولايات المتحدة «منذ سنوات»، في إشارة إلى أنّ دعم جو بايدن كان هو «الاستثناء»، لا نهج ترامب المتوقع تجاه القارة. ومع هذا، أهدرت أوروبا، طبقاً للتقرير، الوقت الذي كان ينبغي أن تقضيه في الاستثمار بشكل أكبر في العلاقة، بما في ذلك عبر بناء دفاعاتها الخاصة. كما كان ينبغي أن يكون «الغزو الروسي لأوكرانيا»، طبقاً لأصحاب الرأي المتقدم، بمثابة «دعوة أخيرة إلى الاستيقاظ» في أوروبا.
بيد أنّه وبدلاً من ذلك، اعتمدت القارة مرة أخرى على الولايات المتحدة لأخذ زمام المبادرة في حرب هي، بالدرجة الأولى، أوروبية. أمّا الآن، فقد أصبح مثل هذا الخيار معرضاً لخطر الاختفاء، في حين لا يمكن للقادة الأوروبيين ببساطة إلقاء اللوم على واشنطن في ما يتعلق بـ»مأزقهم». ويشدد التقرير على أنّه على القادة الأوروبيين العمل بحزم للدفع في اتجاه إستراتيجية موحدة، تضمن السلام والاستقرار في القارة، جنباً إلى جنب تكثيف دعمهم الاقتصادي والعسكري لأوكرانيا بسرعة، والبدء في العمل على إنشاء صناعة دفاعية أوروبية متكاملة، نظراً إلى أنّه منذ الآن فصاعداً، يجب أن يكون أمن أوروبا أوروبياً، وإلا فإنّه «لن يكون موجوداً على الإطلاق».
