لا حلول منظورة للأزمة الاقتصادية: بوليفيا أسيرة صراع آرسي - موراليس
تتفاقم الانقسامات داخل صفوف الحزب الحاكم في بوليفيا، فيما يبدو أنه سيواكبها تراجع في شعبية كل من الرئيس السابق إيفو موراليس والرئيس الحالي لويس آرسي، ما يعزّز فرصة قوى المعارضة اليمينية في إحداث اختراق في الانتخابات المقبلة.


تعيش بوليفيا، منذ تشرين الأول/ أكتوبر 2023، أزمة سياسية تتمثّل في صراع محتدم داخل صفوف حزب «الحركة نحو الاشتراكية» الحاكم، بين الرئيس السابق إيفو موراليس والرئيس الحالي لويس آرسي، عنوانها الأزمة الاقتصادية والانتخابات الرئاسية في العام المقبل. وفي آخر فصول مسلسل هذا الصراع، أعلنت «المحكمة الدستورية»، قبل أيام، عزل موراليس من قيادة الحزب، ما حمل الأخير على اتهام الحكومة البوليفية الحالية بأنها «سرقت الحركة نحو الاشتراكية». وكان الحزب رشّح آرسي في الانتخابات الرئاسية الأخيرة، على خلفية تصاعد الاحتجاجات على حُكم موراليس الذي كان رئيساً آنذاك (2018)، الأمر الذي اضطر الرئيس السابق إلى تأييد ترشيح وزير الاقتصاد والمالية في حكومته، والذي فاز لاحقاً بالرئاسة، محصِّلاً 55% من أصوات الناخبين. وبعد أقل من عامين على توليه منصبه، اتجه آرسي إلى تنفيذ «إصلاحات» اقتصادية، كانت نتيجتها المباشرة تراجع مؤشرات الاقتصاد على مدار العامين السابقين.
ولاقت تلك «الإصلاحات» معارضةً شديدةً من جانب موراليس، الذي خرج مؤيدوه في تظاهرات على مدار أسبوعين في العاصمة لاباز، في شباط الماضي، احتجاجاً على أسلوب الرئيس في التعامل مع الأزمة الاقتصادية، ومحاولاته وضع سلفه على الرفّ وتحجيم نشاطه داخل الحزب الحاكم. ومذاك، كرّت سبحة الاحتجاجات، التي شهدت في أيلول/ سبتمبر الماضي أحداث عنف بين جناحَي «الحركة نحو الاشتراكية»، أثناء تظاهرة «مسيرة لإنقاذ بوليفيا» والتي دعا إليها موراليس، وأصيب في أثنائها ما لا يقل عن 40 بوليفياً. وألقى موراليس، وقتذاك، خطاباً رأى فيه أن «البوليفيين سئموا الخيانة، والفساد قبل كل شيء، وحماية تهريب المخدرات وسوء الإدارة الاقتصادية»، في حين ردّت الحكومة البوليفية ببيان اعتبرت فيه أن الرئيس السابق «يهدّد النظام الديموقراطي» في البلاد.
وفي تطوّر خطير فاقم الأزمة، تعرّض موراليس، نهاية تشرين الأول/ أكتوبر الماضي، لمحاولة اغتيال، عبر إطلاق أعيرة نارية استهدفت سيارته بالقرب من ثكنة عسكرية في مدينة كوتشابامبا. وبعدما نجا من تلك المحاولة، نشر موراليس مقطع فيديو يُظهر ثقوب الرصاص في زجاج سيارته ودماء سائقه، وزعم أن عناصر نخبوية متورّطة في الحادث، متهماً الحكومة الحالية بالشروع في قتله، ومطالباً بإقالة مسؤولين كبار فيها. وفي المقابل، نفت الحكومة تورّطها في الحادث بعد أن أجرت «تحقيقاتها»، في حين رأى مسؤولون حكوميون أن الواقعة قد تكون «هجوماً ذاتياً» يهدف إلى تعزيز موقف موراليس السياسي، الأمر الذي نفاه الأخير بدوره. كذلك، بدأ موراليس إضراباً عن الطعام مستهلّ الشهر الماضي، مطالباً الحكومة بإجراء حوار سياسي، وسط تصاعد التوترات بينه وبينها بسبب إعادة فتح قضية تعود إلى عام 2016 اتُّهم فيها باغتصاب قاصر، وهو ما أنكره الرئيس السابق، عادّاً إياه هجوماً سياسياً يهدف إلى منع ترشحه في الانتخابات الرئاسية المقبلة. وفاقم الأزمة ما أفادت به بعض التقارير من أن مؤيدي موراليس احتجزوا خلال تظاهراتهم، في مدينة كوتشابامبا الشهر الماضي، نحو 200 جندي كرهائن، الأمر الذي أدانه آرسي، واصفاً إياه بـ«الإجرامي»، ومتهماً أنصار الرئيس السابق بـ«تغليب المصالح الشخصية والانتخابية على القضايا الوطنية». إلا أن الرئيس الحالي دعا إلى إجراء حوار سياسي بهدف لجم الصراع داخل الحزب الحاكم، وهو ما كان طالب به موراليس أيضاً، لكن الحكومة لم تتجه إليه بالفعل حتى الآن.
تكثر الشكوك حول قدرة حكومة آرسي على الحفاظ على دعم الوقود والبرامج الاجتماعية والوفاء بالديون
على هذه الخلفية، تفجّر الوضع داخل صفوف الحزب الحاكم، وبات «الحركة نحو الاشتراكية»، المهيمن على الحياة السياسية في بوليفيا منذ مستهل الألفية الجارية، يرزح تحت أسوأ فترة منذ تأسيسه على أيدي موراليس وآخرين في عام 1997. ورغم صدور الأحكام القضائية التي صبّت في مصلحة آرسي، لا يبدو أن الأزمة ستتوقف عند هذا الحد، بل إن أزمات جديدة تلوح في الأفق في ظلّ محاولة كلا الجناحين دفع الصراع إلى أقصاه، عبر التجاذبات في مؤسسات الدولة، بما فيها القضاء. ويأتي ذلك وسط ما شهدته البلاد، في الأشهر الماضية، من موجات عنف متصاعدة، ترافقت مع أزمة اقتصادية خانقة جراء انخفاض احتياطيات البلاد من العملة الأجنبية، وما تبعه من شحّ في الوقود وبعض السلع الإستراتيجية، وارتفاع في أسعار المواد الغذائية، وتوسّع للسوق السوداء. وفي حين ارتفع التضخم في البلاد ليسجل نحو 4.4%، سجّلت البطالة 4.1%، ومعدلات الفقر 17.2%، وانخفض الناتج المحلي الإجمالي إلى نحو 1.6% فقط.
وتثير كلّ تلك المؤشرات، الشكوك حول قدرة حكومة آرسي على الحفاظ على دعم الوقود والبرامج الاجتماعية والوفاء بالديون، رغم حصولها على بعض القروض المتعددة الأطراف، وتخطيطها لتعزيز إنتاج الغاز الطبيعي والصادرات، وخصوصاً الليثيوم. كما ينبئ الصراع السياسي المحتدم داخل صفوف الحزب الحاكم، بتقوّض قدرة الحكومة الحالية أو أي حكومة جديدة على حلّ الأزمة الاقتصادية المتفاقمة، علماً أن استجابة فريق آرسي لهذه الأزمة، اقتصرت، حتى الآن، على محاولة دفع الاقتصاد نحو الاستقرار على المدى القصير، بهدف ضمان فوزه في الانتخابات الرئاسية المقبلة، بعدما تراجعت شعبيته بشكل كبير. وفي المقابل، ورغم أن موراليس يحظى بدعم قوي بين الطبقة العاملة والفلاحين، وخاصة في المناطق الإستوائية التي تغلب على نشاطها الاقتصادي زراعة الكوكا، وفي كوتشابامبا حيث معقل قوته السياسية، فإنه يواجه رفضاً من داخل حزبه وبين قطاعات من المجتمع، ومن المعارضة اليمينية كلها أيضاً. وهكذا، يبدو أن الانقسامات الحادة الآخذة في التوسّع داخل صفوف الحزب الحاكم، سيواكبها تراجع في شعبية كل من آرسي وموراليس، ما يعزّز فرصة قوى المعارضة اليمينية في إحداث اختراق في الانتخابات المقبلة.
