رومانيا تلغي انتخاباتها: الفائز المحتمل ليس ليبرالياً!
لم يحدث قط أن ألغت دولة عضو في الاتحاد الأوروبي و«الناتو» استحقاقاً بحجم الانتخابات الرئاسية، لأن المرشّح المحتمل فوزه لا يتبنّى خطاباً ليبراليّاً يعجب بروكسل وواشنطن، مثلما فعلت رومانيا. لكن الأخيرة وجدت «مخرجاً» يحفظ «ديموقراطيتها»، من خلال اتهام روسيا ب


لندن | في سابقة لم تحدث قط في أيّ دولة غربية، ألغت المحكمة الدستورية العليا في رومانيا، الجولة الثانية من الانتخابات الرئاسية - والتي كان من المفترض إجراؤها الأحد الماضي -، بزعم أن روسيا استخدمت تطبيق «تيك توك» للترويج لكلين جورجيسكو، المرشّح القومي المستقلّ الذي تقدّم بشكل حاسم في الجولة الأولى. وكان أكثر من 48 ألف روماني في الشتات أدلوا بأصواتهم بالفعل في الجولة الثانية، قبل أن تأمر المحكمة بإلغائها، وبشطب نتائج الجولة الأولى، وتُوجِّه بإعادة إجراء الانتخابات الرئاسية بأكملها.
وجاء ذلك القرار المفاجئ بعدما نشرت وكالة الاستخبارات الرومانية (يديرها ليبراليون موالون لبروكسل وواشنطن)، الأسبوع الماضي، وثائق قالت إنها تشير إلى محاولات روسية لتقويض الانتخابات والعملية الديمقراطية في البلاد. وأوضحت الوكالة أن الوثائق التي رُفعت عنها السرية، تُظهر أن «موسكو استهدفت رومانيا كدولة معادية من خلال حملة مكثّفة على تطبيق تيك توك، تضمّنت إطلاق 25,000 حساب مؤيّد لجورجيسكو، قبل أسبوعين فقط من التصويت في الجولة الأولى». ودعمت حكومة الولايات المتحدة مزاعم الاستخبارات الرومانية التي شبّهت الحملة الروسية بنشاطات مماثلة تُتّهم روسيا بتنظيمها في مولدوفا وأوكرانيا وجورجيا.
من جهته، سارع الرئيس الروماني المنتهية ولايته، كلاوس يوهانيس، في خطاب متلفز، إلى طمأنة المستثمرين والحلفاء في بروكسل وواشنطن، واعداً بالبقاء في منصبه - الذي كان من المفترض أن يغادره في الـ21 من الشهر الجاري -. وقال، مخاطباً بروكسل: «أقول هذا للاتحاد الأوروبي: إن رومانيا كانت ولا تزال دولة آمنة ومستقرّة ومؤيّدة لأوروبا. وأقول هذا لحلف شمال الأطلسي: لا تزال رومانيا حليفاً آمناً وقويّاً ولا خشية على مؤسساته، لكنّ الانتخابات قد تأثّرت بشكل غير عادل لمصلحة المرشح جورجيسكو بحملة مدعومة من دولة أجنبية، ما دفعني إلى الأمر بنشر ملفات الاستخبارات للجمهور حتى يتمكّن الرومانيون من رؤية ما حدث بأنفسهم».
ويُتوقّع الآن أن تضع حكومة بوخارست جدولاً زمنياً لانتخابات رئاسية جديدة، علماً أن كلين جورجيسكو (62 عاماً) كان حصل على 23% من مجموع أصوات الناخبين في الجولة الأولى التي أجريت في الـ25 من تشرين الثاني الماضي، متقدّماً على الزعيمة الليبرالية، إيلينا لاسكوني (52 عاماً)، التي حصلت على 19%، متقدّمةً بشكل طفيف على رئيس الوزراء الحالي، مارسيل سيولاكو، الذي حلّ ثالثاً. وبالنظر إلى عدم حصول أيٍّ من المرشحين على أكثر من 50% من أصوات الجولة الانتخابية الأولى، فقد كان من المحتم، وفق الدستور الروماني، إجراء جولة إعادة حاسمة في غضون أسبوعين (8 كانون الأول، بين المرشحين الأولَين). ومنحت استطلاعات الرأي، قبل التصويت في جولة الإعادة التي تم إلغاؤها، جورجيسكو - الذي يُصنّف على أنه مرشح أقصى اليمين - تقدُّماً مريحاً على المرشحة لاسكوني، بـ58% مقابل 42% من مجموع الأصوات.
وتسبّب قرار المحكمة بانتقادات واسعة في رومانيا وخارجها، وأغرق الدولة العضو في الاتحاد الأوروبي و»الناتو» في لجّة فوضى سياسية، وعمّق من حالة الاستقطاب بين كل من أنصار بروكسل/ «الناتو»، وأولئك المتعاطفين تقليدياً مع روسيا. وقال خبراء إن ما جرى «يثير مخاوف جدّية في شأن حقيقة النظام الديمقراطي في رومانيا وبنية المؤسسات فيها». ووصف جورجيسكو، بدوره، قرار المحكمة بـ»الانقلاب»، متّهماً النخبة الحاكمة في رومانيا بأنها «أطاحت الديمقراطية، وداستها بالأقدام»، حاثّاً أنصاره - في شريط فيديو نشره عبر وسائل التواصل الاجتماعي - على اليقظة والتحلّي بالشجاعة وعدم الاستسلام، متّهماً النظام الفاسد بإبرام اتفاق مع الشيطان، «بينما ليس لديّ سوى ميثاق واحد: مع الله والشعب الروماني». ومن جهته، دعا نيكولاي سيوكو، رئيس مجلس الشيوخ الروماني - والمرشح الرئاسي عن «الحزب الوطني الليبرالي» في الانتخابات الملغاة -، إلى «الهدوء والوحدة والنضج»، قائلاً إنه يؤيّد كل الجهود اللازمة لتوضيح أيّ شكوك وضمان انتخابات نزيهة، محذّراً من أن قرار إلغاء التصويت «أمر لم يسبق له مثيل في التاريخ الديمقراطي لرومانيا، ويمثّل اختباراً صعباً لمؤسساتنا الديمقراطية». أما لاسكوني فأعلنت، بدورها، «خجلها من سرقة أصوات المواطنين»، مؤكدةً عزمها على الترشّح مرّة أخرى، والفوز بمنصب الرئاسة.
وكان تقدّم جورجيسكو - الموالي لروسيا والمناهض لحلف «الناتو» - في الجولة الأولى من الرئاسيات أثار ما يشبه الصدمة للطبقة السياسية الليبرالية في البلاد، وأطلق إشارات إنذار في كل من واشنطن وبروكسل بسبب انتقاداته اللاذعة لـ»الأطلسي» والاتحاد الأوروبي، وتهديده بإنهاء جميع المساعدات لأوكرانيا، وإشاداته المتكرّرة بـ»الحكمة الروسية» في تشكيل السياسة الخارجية. كما ولّد ذلك مخاوف من أن تدير رومانيا ظهرها إلى الغرب وتعود مجدداً إلى مدار موسكو، ودفع الآلاف من المؤيدين لأوروبا إلى التظاهر في وسط بوخارست العاصمة، للتعبير عن مطالبتهم بالحفاظ على التموضع الاستراتيجي الحالي للبلاد. في المقابل، حثّ جورج سيميون، زعيم «حزب AUR» (أقصى اليمين) والذي كان يدعم جورجيسكو في الجولة الثانية، أنصاره على عدم التظاهر في الشوارع ضد قرار المحكمة، وقال: «لا، لن يتم استفزازنا. يجب أن يسقط هذا النظام ديمقراطياً عبر صناديق الاقتراع».
ووفق النظام السياسي الروماني، فإن الرئيس هو رئيس الدولة والقائد العام للقوات المسلحة والمسؤول عن السياسة الخارجية، ولديه الحقّ في ترشيح رئيس للوزراء وإجراء محادثات ائتلافية لتشكيل الحكومات، وبالتالي، فإن وجود مشكّك في «الناتو» مثل جورجيسكو في قصر كوتروتشيني الرئاسي في بوخارست، يمكن أن يخلق مشاكل عويصة لبروكسل ولـ»الناتو» معاً، إذ إن ذلك سيزيد من ثقل التيار اليميني المشاغب داخل مؤسسات الاتحاد الأوروبي، والذي يتبنّى تقليدياً مواقف تعرقل اعتماد السياسات الليبرالية ذات الصبغة المركزية، ما يصعّب من عملية اتخاذ القرارات، ويفرض على بيروقراطية المفوضية الأوروبية تقديم تنازلات.
وتكتسب رومانيا، الدولة العضو في «الناتو» منذ عقدين من الزمن، موقعاً حساساً بالنسبة إلى الهيمنة الأميركية، إذ يمتلك الجيش الأميركي قاعدة جوية في جنوب البلاد (قاعدة ميخائيل كوغالنيتشيانو) يتم توسيعها الآن لتصبح أكبر قاعدة عسكرية جوية في أوروبا. وللجمهورية حدود طويلة مع أوكرانيا حيث تجري المنازلة الروسية الأميركية، وتطلّ سواحلها عبر البحر الأسود على شبه جزيرة القرم الروسية. وقد أرسلت بوخارست، على رغم أزمتها الاقتصادية الخانقة، أكثر من مليار دولار من أسلحة وذخيرة إلى نظام كييف، وخدمت قواتها تحت القيادة الأميركية في حملات العراق وأفغانستان، وتحلّق قواتها الجوية بطائرات مقاتلة من طراز «إف-16» الأميركية، وتدرّب الطيارين الأوكرانيين على قيادتها وهي بصدد شراء طائرات «إف-35» الأكثر تقدُّماً، فيما تعتمد قواتها البرية على دبابات «أبرامز»، ودفاعها الجويّ على منظومة» باتريوت»، وتنفق على الدفاع 2.25% من ناتجها المحلي الإجمالي - أي أعلى من هدف الحلف لأعضائه البالغ 2% -، وتستضيف أراضيها نظام دفاع صاروخيّاً أميركياً متقدّماً، كان جورجيسكو انتقد نشره في بلاده، مصوّراً الأمر على أنه «عار قومي» - وإن لم يدع يوماً إلى ترك بلاده عضوية الاتحاد الأوروبي أو «الناتو» -.
ويمثّل جورجيسكو نقيضاً لكلّ توجهات النخبة الليبرالية السياسية التي سيطرت على البلاد منذ سقوط النظام الشيوعي فيها قبل 30 عاماً، ويقدّم نفسه على أنه مسيحي متديّن يدعم القيم العائلية المحافظة، ويناهض النخبة الحاكمة الفاسدة، وقد حظي بالفعل بتأييد واسع بين الناخبين المتديّنين في الأرياف المهمّشة، ووجد له شعبية واسعة بين الشبان الصغار السن الغاضبين من الفساد المستحكم ببلادهم، كما حصل على أصوات 43% من الناخبين الرومانيين في الخارج، في وقت تكافح فيه الأحزاب الليبرالية الوسطية في رومانيا للاحتفاظ بالمصداقية بعد سنوات من فضائح الفساد وسياسات التقشّف، فيما لم ينجح الائتلاف الحاكم - من الحزبين «الاشتراكي الديمقراطي» و»الوطني الليبرالي» - سوى في تعميق مصاعب العيش اليومي للرومانيين، وإفساد النظام القضائي، وتحويل الأموال العامة إلى نظام كييف إرضاءً لبروكسل وواشنطن.
