موازنة الاستثمار الاجتماعي: فنزويلا تقاوم الحصار بـ«الكوميونات»
خصّصت فنزويلا أكثر من ثلاثة أرباع موازنتها الجديدة لصالح الاستثمار الاجتماعي، ما يشير إلى أن الدولة تجاهد لتوجيه الريع النفطي إلى تعزيز القواعد الاجتماعية المتمثلة في «الكوميونات» التي شكّلت


على رغم الأزمة السياسية التي تعرّضت لها فنزويلا من جراء محاولة المعارضة اليمينية الانقلاب على نتائج الانتخابات الرئاسية الأخيرة، والتي فاز بها الرئيس نيكولاس مادورو، وعلى الرغم كذلك من حصار اقتصادي مستمر منذ نحو عقدين، يتقدّم اقتصاد البلاد تدريجياً. وفي هذا الإطار، قدّمت نائبة الرئيس الفنزويلي، ديلسي رودريغيز، مشروع قانون الموازنة الاقتصادية والمالية لعام 2025، قبل أيام، بالإضافة إلى الخطة التشغيلية السنوية وقانون الديون الخاصة ومقترح إصلاحات للمالية العامة، إلى «الجمعية الوطنية» الفنزويلية، مؤكدة أن هذا القانون «لم يجرِ إعداده من قبل إدارة التخطيط في وزارة المالية، وإنما بمساهمة الشعب، حيث حددت أكثر من 100,000 جمعية شعبية المبادئ التوجيهية الأساسية لصياغة السياسات التي تستهدف معالجة احتياجات الفنزويليين».
وبحسب الأرقام التي أعلنتها رودريغيز، تبلغ القيمة الإجمالية للموازنة المقترحة 906.4 مليار بوليفار (22.6 مليار دولار)، وهو ما يزيد بنسبة 11% تقريباً عن موازنة العام الجاري البالغة قرابة 20.5 مليار دولار. ومن المتوقّع أن تغطي «شركة النفط الوطنية» الفنزويلية تقريباً نصف الإنفاق الحكومي، بينما تساهم الإيرادات الضريبية بربع الإنفاق تقريباً، ويأتي باقي التمويل من عوائد التعدين والقروض. على أن الأمر الجوهري في موازنة الدولة للعام المقبل أن 77.7% منها مخصصة لمصلحة الاستثمار الاجتماعي في التعليم والصحة والأمن والبنية التحتية والإسكان، وهي استثمارات لا تخططها مؤسسات الدولة من تلقاء نفسها، وإنما «تنشأ في الأصل من احتياجات الناس، الذين ينظّمون أنفسهم في كوميونات ومجالس كوميونية»، بحسب رودريغيز.
في السياق نفسه، أوضح عضو «اللجنة الدائمة للاقتصاد والمالية والتنمية الوطنية»، رامون لوبو، خلال تقديمه عرضاً حول مشروع القانون الخاص بالمديونية السنوية للعام المالي المقبل، أخيراً، أن الموازنة تتضمّن تخصيص نحو 422 مليون دولار لإدارة «المالية العامة»، بالإضافة إلى نحو 1.2 مليار دولار لخدمة الديون. كما أكّد أن الجزء الأكبر من الموازنة مخصص لمعالجة القضايا الاجتماعية، حيث يستحوذ قطاع الكهرباء على نحو 32% من نصيب الاستثمار الاجتماعي، بينما يستحوذ قطاع النقل على 21%، وسيذهب نحو 11% إلى قطاع المياه.
من جهته، أشار النائب عن «الحزب الاشتراكي الموحد» ورئيس «اللجنة المالية الدائمة» في «الجمعية الوطنية»، خيسوس فاريا، إلى أن «هذه الموازنة تمثِّل انتصاراً للشعب الفنزويلي ضد الإمبريالية والفاشية»، مضيفاً أن «مشروع الموازنة لم يكن من الممكن أن يرى النور إلا في ظل حكومة اشتراكية». وإذ لفت إلى أن «السياسات الاقتصادية في فنزويلا تعتمد على الفلسفة الاشتراكية التي تقود عملية التنمية»، أكّد أن بلاده «لن تعتمد أبداً موازنة صاغها صندوق النقد الدولي».
ويعني ما تقدّم، تخصيص فنزويلا أكثر من ثلاثة أرباع موازنتها الجديدة لمصلحة الاستثمار الاجتماعي، ما يشير إلى أن الدولة تجاهد لتوجيه الريع النفطي إلى تعزيز القواعد الاجتماعية المتمثلة في «الكوميونات»، علماً أن فنزويلا تضمّ أكثر من 4 آلاف «كوميونة» (تضم ما يزيد على 50 ألف مجلس كوميوني) شكّلت عصب البلاد في مواجهة الحصار الاقتصادي. وهكذا، توجّه السلطات عملية التراكم الاقتصادي داخلها لمصلحة المجتمعات المحلية التي تدير نفسها ذاتيّاً؛ وهذا، في حد ذاته، كفيل بتفسير تغلُّب الفنزويليين على الحصار والعقوبات الاقتصادية.
الجدير ذكره، هنا، أن «الكوميونات» تُعَدّ الحجر الأساس في البناء الاشتراكي الفنزويلي؛ فهي نموذج للحكم السياسي الشعبي، تشكّله المجتمعات المحلية بنفسها لتنظيم العمليات الإنتاجية داخلها وتداول المنتجات في ما بينها، وتستهدف من خلاله تحقيق الاكتفاء الذاتي من طريق الشركات التي يملكها ويديرها كامل أعضاء المجتمع المحلي عبر الديموقراطية التشاركية. وكان آخر شعار أطلقه هوغو تشافيز، قائد الثورة البوليفارية في فنزويلا، قبل رحيله، هو «الكوميونات أو لا شيء»، ليؤكِّد أن «الكوميونات» التي تشكّلت خلال الثورة، منذ بداية الألفية الجارية، هي الاستراتيجية الثورية في فنزويلا للتحوّل من الرأسمالية صوب الاشتراكية.
وبالفعل، كان «الكوميونيون» قد اتّجهوا في مواجهة الحصار إلى تنشيط العمليات الإنتاجية، بدلاً من الاعتماد على الاستيراد الذي يواجه معوّقات عديدة بسبب العقوبات الاقتصادية على البلاد. ورغم أن فنزويلا خسرت ما يزيد على 200 مليار دولار في السنوات السبع الماضية، إلا أنها ستكون بحلول نهاية العام الجاري واحداً من البلدان التي حققت أقوى معدلات نمو اقتصادي في العالم خلال الآونة الأخيرة.
في هذا الإطار، تحدث الرئيس الفنزويلي، في لقاء تلفزيوني طويل في الثاني من الشهر الجاري، قائلاً إن اقتصاد بلاده حقق نموّاً بواقع 8.5% في الأرباع الثلاثة الأولى من العام الجاري، مسجِّلاً بذلك نحو 3 سنوات ونصف سنة من النموّ الاقتصادي المستمر. وأشار أيضاً إلى نموّ الزراعة خلال الفترة نفسها بواقع 6.2%، ونموّ التصنيع بواقع 4.6%، والتجارة بنسبة 6.2%، والنفط بنسبة 14%، والتعدين بواقع 21%، بينما حقق قطاع البناء نموّاً بواقع 25.9% خلال الفترة نفسها، واصفاً الأمر بـ«التطورات الإيجابية، بالنسبة إلى نموذج اقتصادي يواجه العقوبات والحصار».
والجدير ذكره هنا، أن الناتج المحلي الإجمالي في فنزويلا يبلغ اليوم نحو 105 مليارات دولار، مع توقّعات باستمرار ارتفاعه التدريجي، مقارنة بنحو 43 مليار دولار في عام 2020، بينما سجَّل معدَّل التضخم هبوطاً حاداً خلال الشهر الماضي ليبلغ 25.75%، مقارنة بنحو 99% في مستهل العام الجاري، وذلك بعدما كان قد وصل إلى ذروته خلال عام 2018 بواقع 63,374%. أيضاً، بلغت نسبة البطالة اليوم 5.5% من أصل 29.3 مليون نسمة، بعدما سجّلت أعلى مستوى لها خلال عقدين في عام 2018 بواقع 35%.
بالمحصلة، كان الأداء الاقتصادي لحكومة مادورو خلال العقد الجاري مذهلاً، إذ استطاع التغلُّب، في فترة وجيزة، على الصدمات المميتة المتتالية التي تعرّض لها اقتصاد البلاد خلال الحصار، وفي ذروته خلال عام 2018 على وجه التحديد. والواقع أن ذلك لم يكن ليحدث لولا التنظيمات الشعبية «الكوميونية» في الأرياف والحضر، والتي امتصّت صدمات الحصار الاقتصادي وأنتجت أحد أفعل أشكال المقاومة في العصر الحديث، مثبتةً فاعليّتها في دفع عجلة الاقتصاد، في ظل التراجع الذي عاناه قطاع النفط في البلاد خلال الأعوام الماضية بسبب الحصار والعقوبات.
ومع ذلك، من المرجّح أن تُلقي الأزمة السياسية بظلالها على البلاد مرة أخرى في كانون الثاني المقبل، حيث سيبدأ مادورو رسمياً جولته الرئاسية الثالثة، وسيصاحب ذلك ضجيج المعارضة في الداخل والخارج، في وقت يتحدّث فيه مراقبون عن إمكانية تعرّضه لمحاولة اغتيال، على غرار ما حدث سابقاً.
