ترامب يحيي الطموحات الأميركية التوسّعية: للسيطرة على «بنما»... مجدّداً
منذ أن أعاد ترامب إحياء فكرة الاستيلاء مرة جديدة على قناة بنما، أصبحت الأنظار تتركز على القناة، وتاريخها الذي شهد محطات استعمارية عدة، جنباً إلى جنب أهميتها وتأثيرها المحتمل على العلاقات بين واشنطن والبلد الذي أعلن مسؤولوه رفضهم لطموحات ترامب التوسعية.


منذ أن طرح الرئيس المنتخب، دونالد ترامب، الأحد الماضي، فكرة استيلاء بلاده، مرة جديدة، على قناة بنما، خلال تجمع حاشد في ولاية أريزونا، بذريعة ارتفاع رسوم استخدام الممر، بعدما كان قد اشتكى، قبل يوم واحد، عبر منشورات على وسائل التواصل الاجتماعي، من أنّ الولايات المتحدة "تخلّت بحماقة" عن القناة قبل عقود، وسمحت للصين بـ"توسيع" نفوذها عليها، أصبحت الأنظار تتركّز على القناة، وتاريخها الذي شهد محطات استعمارية عدة، جنباً إلى جنب أهميتها وتأثيرها المحتمل على العلاقات بين واشنطن والقارة اللاتينية. ومما يعزّز أهمية النقاشات المشار إليها، أنّه في حال كان ترامب جاداً حول "طموحاته التوسّعية"، في ما يتعلق بكندا وجزيرة "غرينلاند" وقناة بنما، فإن مثل هذه الصفقات ستعادل، طبقاً لمراقبين، "صفقة لويزيانا" التي حصلت فيها الولايات المتحدة على إقليم لويزيانا من فرنسا النابليونية في عام 1803، أو تلك التي حصلت بموجبها على ألاسكا من روسيا.
نبذة تاريخية
كان المستعمرون الإسبان أول من فكّروا، منذ ثلاثينيات القرن التاسع عشر، في إنشاء القناة، إلا أنّ أفكارهم لم تُترجم إلى أفعال جادة قبل أواخر القرن التاسع عشر، عندما كانت كولومبيا تسيطر على بنما بأكملها؛ ففي عام 1878، وقّعت كولومبيا عقداً مع المهندسين الفرنسيين لبناء القناة، قبل أن يفشل المشروع ويتوقف في عام 1899، بعدما خسر أكثر من 22 ألف عامل حياتهم، بسبب عوامل عدة، وعلى رأسها الحوادث والأمراض. وفي عام 1903، بعدما رفضت كولومبيا اقتراحاً أميركياً لبناء القناة، دعمت واشنطن ثورةً أسفرت عن استقلال بنما. وبعد ثلاثة أيام فقط، وقّع سفير بنما الجديد في واشنطن معاهدة تمنح الولايات المتحدة حق بناء القناة والسيطرة عليها. وفي إطار الصفقة تلك، دفعت الولايات المتحدة لبنما 10 ملايين دولار، ووافقت على دفع 250 ألف دولار سنوياً للبلاد. وآنذاك، وبحسب صحيفة "إيكونوميك تايمز" الهندية، اعتبر العديد من البنميين تلك الصفقة بمثابة "انتهاك لسيادتهم"، فيما دافع الرئيس ثيودور روزفلت، وقتها، عن القناة، مؤكداً أنّها محورية للمصالح السياسة والاقتصادية الأميركية. وطبقاً لمراقبين، فإنّ الرغبة الأميركية في السيطرة على "بنما" كانت مدفوعة بعوامل عدة، وعلى رأسها توسّع "الغرب الأميركي" وظاهرة "حمى ذهب كاليفورنيا".
تستقبل واشنطن أو تصدّر عبر قناة بنما ما نسبته 74% من أطنان بضائعها
وعليه، استكمل المهندسون الأميركيون، وبالاعتماد على قوة عاملة تتكوّن إلى حد كبير من عمال من أصل أفريقي وكاريبي، بناء القناة في عام 1914، على الرغم من وفاة أكثر من 5 آلاف عامل أثناء بنائها. وسرعان ما أصبحت القناة بمثابة رصيد عسكري وتجاري استراتيجي بالنسبة إلى الولايات المتحدة، ولا سيما خلال الحرب العالمية الثانية، بعدما سهّلت حركة السفن بين المحيط الأطلسي والمحيط الهادئ. وتعقيباً على ذلك، يؤكد روبرتو مونتانيز، رئيس "مركز الدراسات الاستراتيجية الآسيوية" في بنما، في حديث إلى وكالة "شينخوا" الصينية أخيراً، أنّ الولايات المتحدة تنظر منذ فترة طويلة إلى بنما وموقعها الاستراتيجي كجزء من مجال نفوذها، فيما "غذّت الطموحات الاستراتيجية والإمبريالية هذا الاهتمام الدائم". ويتطرق الخبير إلى معاهدة "هاي - بوناو – فاريلا" التي أبرمتها واشنطن مع البلاد بعد استقلالها عن كولومبيا، لافتاً إلى أنّها "سمحت للولايات المتحدة بالتدخل في الشؤون الداخلية لبنما، واختيار الرئيس الذي تريده"، ما تسبّب، طبقاً للعديد من البنميين، بركود القطاعيْن الاقتصادي والصناعي في البلاد. وطبقاً للخبير، قمعت الشركات الأميركية، آنذاك، النقابات العمالية والمحلية، "وقضت"، في بعض الأحيان، على قادتها، كجزء من خطتها التوسّعية في سائر بلدان أميركا اللاتينية.
وخلال معظم القرن العشرين، كانت القناة مصدراً للتوتر المتزايد بين بنما والولايات المتحدة، ولا سيما بعد أزمة قناة السويس في عام 1956، والتي سلّطت الضوء على الأهمية الجيوسياسية للسيطرة على طرق الشحن الرئيسية. وأصبح الغضب الشعبي من السيطرة الأميركية على القناة يتصاعد بشكل مستمر في بنما، ما أدى إلى اندلاع احتجاجات تطالب بسيادة وطنية أكبر عليها. ونتيجة لذلك، وفي عام 1977، أي بعد نحو عشرين عاماً على المعارضة البنمية، وقّع الرئيس جيمي كارتر معاهدات "توريخوس - كارتر" مع الزعيم البنمي عمر توريخوس، والتي حلّت محل الاتفاقية الأصلية التي وُقّعت بعد الثورة، ومنحت بنما السيطرة الكاملة على القناة، وضمنت حيادها الدائم، ونصّت على أن الولايات المتحدة "ستواصل الدفاع عنها إذا لزم الأمر". كما نصّت المعاهدات المشار إليها على انتقال القناة إلى سيطرة بنما بالكامل بحلول عام 1999. وبالفعل، في 31 كانون الأول عام 1999، اجتمعت الحشود بجانب قناة بنما مطلقة الهتافات، وملوّحة بمئات الأعلام، فيما أصبحت "هيئة قناة بنما" الجهة الوحيدة التي تديرها حتى يومنا هذا.
واليوم، في أعقاب تصريحات ترامب الأخيرة، رفض رئيس بنما، خوسيه راؤول مولينو، التهديدات الأميركية، مؤكداً، في تسجيل مصوّر، أنّ "القناة لا تسيطر عليها الصين أو المجموعة الأوروبية أو الولايات المتحدة أو أي قوة أخرى، لا بشكل مباشر أو غير مباشر، وبصفتي بنمياً، أرفض بشدة أي تعبير يشوّه هذه الحقيقة". كما طالب باحترام بلاده، مؤكداً أن "كل متر مربع من قناة بنما والمناطق المتاخمة لها هو ملك لبنما وسيظل تابعاً لهاً"، وأنّ سيادة بلده واستقلاله غير قابليْن للتفاوض. كذلك، أكدت بنما أنّ التعرِفات على السفن التي تمر عبر القناة "مدروسة"، ولا يتم وضعها بشكل "اعتباطي"، علماً أنّ بعض التوقعات تشير إلى أنّ الطلب المتزايد على القناة من المتوقع أن يزيد الناتج المحلي الإجمالي لبنما بنسبة 3.45% في عام 2030، مقارنة بعام 2022. من جهتها، أعربت الصين عن دعمها لسيطرة حكومة بنما على الممر المائي، مؤكدةً أنّها "ستحترم، كما هو الحال دائماً، سيادة بنما على القناة وتعترف بها كممر مائي دولي محايد بشكل دائم".
دور القناة
تشير بعض التقديرات إلى أنّ نحو 5% من التجارة العالمية يمر، سنوياً، عبر القناة. وتعبر من خلال الطرق التجارية الرئيسية في بنما، البضائع القادمة من الساحل الشرقي للولايات المتحدة وآسيا وإليها، والتي تتكون، بشكل رئيسي، من المعادن والنفط والوقود والحبوب والمواد الكيميائية. وحتى بعد رفع السيطرة الأميركية عنها، ظلّت القناة مرتبطة بشكل معقّد بالتجارة الأميركية، إذ تمرّ 40% من مجمل حركة التجارة الأميركية عبرها، ما جعل واشنطن المستخدم الرئيسي، إذ تستقبل أو تصدّر عبرها ما نسبته 74% من أطنان بضائعها، وتليها الصين واليابان بنسبة 21% و14% على التوالي.
وتوفّر القناة، وهي ممر مائي اصطناعي بطول 82 كيلومتراً، يربط بين المحيطين الهادئ والأطلسي، ويقطع بنما، آلاف الأميال وأسابيع من السفر حول الطرف الجنوبي لأميركا الجنوبية؛ فعلى سبيل المثال، توفّر السفن التي تسافر من لوس أنجلوس إلى نيويورك حوالي 8 آلاف ميل، أي ما يعادل 22 يوماً من السفر، عبر استخدام القناة، بدلاً من اتخاذ الطريق الأطول حول مضيق ماجلان، الواقع قبالة الطرف الجنوبي من القارة اللاتينية.
وتجدر الإشارة إلى أنّه خلال العقود الماضية، كانت القناة تكتسب أهمية متزايدة، بعدما تمّ التصويت عام 2006، أي بعد أقل من سبع سنوات من سيطرة بنما عليها، على استفتاء لإطلاق مشروع كبير لتوسيعها. وافتُتح المشروع الذي بدأ العمل عليه في عام 2007، بتكلفة إجمالية بلغت حوالي 5.2 مليارات دولار، في عام 2016، وساهم في توسيع القدرة الاستيعابية للقناة، والسماح بعبور سفن أكبر عبرها.
