
استقبلت الولايات المتحدة بداية العام الجديد في ظروف استثنائية، بعدما هزّت حوادث من «العيار الثقيل» ثلاث مناطق متفرقة في البلاد، خلال 24 ساعة فقط، وعلى رأسها حادثة الدهس التي وقعت في نيو أورلينز، والتي تتجه السلطات الأميركية نحو نسبها إلى تنظيم «داعش»، تزامناً مع التطورات الأخيرة في سوريا. وإلى جانب مقتل 15 شخصاً وإصابة العشرات في أعقاب اصطدام شاحنة صغيرة بحشد من الناس في نيو أورلينز، قبل أن يترجّل السائق منها ويتبادل إطلاق النار مع الشرطة ما أدى إلى مقتله، فقد أسفر إطلاق نار في أحد الملاهي في جامايكا كوينز (ولاية نيويورك)، في وقت متأخر من ليلة الأربعاء بالتوقيت المحلي، عن إصابة 11 شخصاً على الأقل، وفقاً لمسؤولي إنفاذ القانون. وتوازياً مع ذلك، قُتل شخص وأصيب سبعة بجروح عقب انفجار سيارة «تيسلا» من طراز «سايبرتراك» خارج فندق تابع للرئيس الأميركي المنتخب، دونالد ترامب، علماً أن مراقبين يُرجعون ارتفاع ظاهرة تفجير السيارات، في السنوات الماضية، إلى سهولة الحصول على المركبات وزرع المتفجرات فيها، وكلفة مثل تلك العمليات المنخفضة، جنباً إلى جنب زيادة التجمعات بشكل لافت في أعقاب جائحة «كوفيد».
وبالعودة إلى عملية الدهس، فقد أعلن «مكتب التحقيقات الفيدرالية» أنّه تم العثور على علم لـ«داعش» داخل الشاحنة، لافتاً إلى أنّ منفذ الهجوم يدعى شمس الدين جبار، وعمره 42 عاماً، وهو مواطن أميركي من تكساس. وأمس، نقلت وسائل إعلام أميركية عن الرئيس جو بايدن قوله إن المشتبه به في الهجوم «يتبنى أفكار تنظيم الدولة الإسلامية»، مؤكداً أنّه ولد في الولايات المتحدة، وخدم في الجيش الأميركي في وقت سابق. ومن جهتها، أفادت شبكة «سي أن أن» الأميركية بأنّ المشتبه به كان قد نشر، في وقت سابق، سلسلة من مقاطع الفيديو، والتي تحدث فيها عن رغبته في «قتل عائلته»، وعن الأحلام التي «ألهمته» للانضمام إلى «داعش». وحالياً، تحقق السلطات في إمكانية وجود صلة محتملة بين هجوم الدهس في نيو أورليانز وانفجار السيارة أمام فندق ترامب.
واستغل الرئيس المنتخب، من جهته، الأحداث الأخيرة لشنّ هجوم عنيف على الديموقراطيين، مؤكداً، في منشور عبر مصنته «تروث سوشال»، أنّ الولايات المتحدة «أصبحت في حالة كارثية، وبمنزلة أضحوكة في جميع أنحاء العالم». وتابع ترامب: «هذا ما يحدث عندما يكون لديك حدود مفتوحة، مع قيادة ضعيفة وغير فعالة، بل غير موجودة فعلياً»، في إشارة إلى أنّه يحمّل مسؤولية الهجوم للهجرة المتزايدة عبر الحدود، رغم تأكيد باين أنّ منفذ العملية هو أميركي. كذلك، جدّد ترامب هجومه على وكالات إنفاذ القانون، معتبراً أنّ القائمين عليها «غير أكفاء وفاسدون»، وأنهم «أمضوا وقتهم في مهاجمة خصمهم السياسي، بشكل غير قانوني، بدلاً من التركيز على حماية الأميركيين (...)».
إلى ذلك، أثار هجوم نيو أورلينز، بشكل خاص، ردود فعل دولية كثيرة، من فرنسا وألمانيا وأوكرانيا والصين و«الأمم المتحدة» و«الاتحاد الأوروبي». ودان هؤلاء الأطراف جميعهم الهجوم، معربين عن «تعاطفهم» مع أهالي الضحايا، فيما كتب وزير الخارجية الإسرائيلي، جدعون ساعر، عبر منصة «إكس»: «أشعر بحزن كبير إزاء الهجوم الإرهابي في نيو أورليانز»، متمنياً «الشفاء العاجل للمواطنين الإسرائيليين المصابين وجميع الجرحى»، مردفاً أنّه «لا مكان للإرهاب في عالمنا».
وبدورها، سارعت وسائل الإعلام الغربية، في أعقاب الهجمات، إلى نشر تقارير حول «داعش»، والهجمات الأخيرة التي شنتها، و«الأسباب» الكامنة خلفها؛ إذ نشرت صحيفة «ذي إيكونوميست» البريطانية تقريراً جاء فيه أنّه منذ ذروة صعود «داعش»، قبل ما يقرب من عقد من الزمان، انخفض عدد «مؤامرات العنف» التي خطط لها «الأميركيون - المسلمون أو نفذوها»، من 94 في عام 2015 إلى ثلاث فقط في عام 2023، وفقاً للبيانات التي جمعها تشارلز كورزمان، من «جامعة نورث كارولينا»، مشيراً إلى أنّه في حال كان الهجوم الأخير مستوحى بالفعل من «داعش»، فإنّه سيكون الأحدث في سلسلة «النجاحات الأخيرة» التي حققها التنظيم، وربما أكثر ضرباته «فتكاً» على الأراضي الأميركية، منذ عملية إطلاق النار على ملهى ليلي للمثليين في أورلاندو عام 2016.
وفي إشارة إلى إمكانية ارتباط الهجمات بالتطورات الأخيرة على الساحة العالمية، ولا سيما في الشرق الأوسط، وتحديداً سوريا، تلفت الصحيفة إلى أنّ الجماعات المتطرفة «تنظم» نفسها في الأماكن التي تشهد حالة من الفوضى، فيما «وفر» العام المنصرم «مجموعة من تلك الأماكن»؛ فبعد انهيار نظام بشار الأسد في سوريا الشهر الماضي، أعلنت إدارة بايدن أنّها «واضحة بشأن حقيقة أن (داعش) سيحاول الاستفادة من أي فراغ لإعادة تأسيس قدراته»، فيما يساعد «التذمر من الهجمات على المدنيين المسلمين الجماعات المتطرفة على تجنيد المتطوعين». كما تنقل الصحيفة عن ديفيد شانزر، الأستاذ في «جامعة ديوك»، قوله إن الحرب في غزة «عززت الأيديولوجية القائلة إن الغرب يرى حياة المسلمين رخيصة وقابلة للاستهلاك»، لافتةً إلى أنّ «توقيت» العملية ليس محض «مصادفة»، إذ إنّه من المعروف أنّه في ليلة رأس السنة «يفرط الأميركيون في الشرب والاحتفال».
على أنّه في الوقت عينه، استذكرت وسائل إعلام غربية، من مثل صحيفة «نيويورك تايمز» الأميركية، جملة من الهجمات التي نسبت إلى «داعش» خلال العام المنصرم، خارج الأراضي الأميركية، بما في ذلك الهجوم الذي وقع خلال إحياء ذكرى قائد «فيلق القدس» الشهيد قاسم سليماني، والذي اتهمت طهران آنذاك إسرائيل بالوقوف خلفه، رغم اتهام واشنطن «داعش» بتنفيذه. وبعد أشهر قليلة، حمّلت واشنطن، «داعش» أيضاً، مسؤولية الهجوم الذي وقع في قاعة للحفلات في موسكو، وأودى بحياة 139 شخصاً، بينما اتهمت روسيا، من جهتها، أوكرانيا والولايات المتحدة وبريطانيا بـ«تسهيل» تنفيذ العملية، علماً أنّ واشنطن شنت، في المدة المنصرمة، هجمات على الأراضي السورية، بذريعة تقويض «تنظيم الدولة»، فيما يرجح مراقبون إمكانية أن تستثمر الولايات المتحدة الأحداث الأخيرة لشنّ المزيد من الهجمات المماثلة.

