قراءات في مستقبل الدور الأميركي: «تعويذة» ترامب لا توقف «الزلزال»

انتهت الحملة الانتخابية لدونالد ترامب، والتي طغت عليها الوعود بإنهاء الحروب وإحلال «السلام» حول العالم، بفوز الأخير في الانتخابات الرئاسية الأميركية، قبل أن تلي «الانتصار» الجمهوري الكبير جملة من التطورات الكبيرة، والتي قد تقوّض، على ما يبدو، قدرة الإدارة المقبلة على تحقيق وعودها. ويجادل عدد من المراقبين بأنّ سحب واشنطن يدها من عدد من المناطق، وعلى رأسها الشرق الأوسط الذي لا يزال يعيش ترددات زلزال «طوفان الأقصى»، سيكون أصعب ممّا هو متوقع، ولا سيما أنّ ترك «أعداء» الولايات المتحدة في المنطقة من دون «مواجهة»، سيهدّد المصالح الأميركية والغربية حتى أجل غير محدد.
وفي هذا السياق، أوردت مجلة «فورين بوليسي» الأميركية تقريراً جاء فيه أنّه مع التوصل إلى وقف إطلاق نار في لبنان، وإمكانية التوصل إلى مثله في غزة، وانشغال القادة السوريين الجدد بـ«بناء بلادهم»، أصبح السؤال اليوم هو ما إذا كانت تبعات السابع من أكتوبر ستنتهي أخيراً. إلا أنّه رغم ما تقدم، وحديث كبار مسؤولي الدفاع الجدد، والذين عيّنهم ترامب، عن رغبتهم في إعادة توجيه اهتمام الولايات المتحدة إلى منطقة المحيطين الهندي والهادئ، فقد يكون «فك الارتباط بالشرق الأوسط، من الناحية العملية، أكثر صعوبة ممّا يتوقعون»، بحسب التقرير، الذي يؤكد أنّه في عام 2025، ستستمر «الهزات الارتدادية» لـ«طوفان الأقصى»، لتهدد المصالح الأميركية على المدى المنظور.
ويستند أصحاب هذا الرأي إلى جملة من الأحداث التي تدور في المنطقة، ومن ضمنها الهجمات المستمرة التي تشنها قوات صنعاء، وتمسّك تل أبيب، في المقابل، بالتصدي لها؛ إذ إنّه ورغم من أنّ إسرائيل والولايات المتحدة «نجحتا في الحد من تأثير معظم تلك الهجمات»، إلا أنّ الأخيرة مستمرة «بوتيرة متزايدة»، ما يزيد الضغط على الحكومة الإسرائيلية للرد «بقوة أكبر». على أنّ البُعد الجغرافي بين الطرفين، يجعل شنّ حملة جوية إسرائيلية على اليمن أكثر تعقيداً، من الناحية اللوجستية، مقارنة بغزة أو لبنان المجاورين. وفي حين أنّ إسرائيل كانت تعتبر حزب الله خصمها الأساسي، منذ عام 2006 كحد أدنى، وأمضت أكثر من عقد في الاستعداد لمحاربته، فهي «لم تنظر إلى الحوثيين على أنهم تهديد وشيك حتى وقت قريب»، وهي لا تمتلك، على الأرجح، ما يكفي «من الحيل» لمواجهتهم. وحتى في حال كانت حكومة بنيامين نتنياهو مصرّة على شنّ حملتها ضدّ قوات صنعاء، فإنّ بعض المحللين الإسرائيليين يدركون أن إسرائيل ستحتاج إلى مساعدة أميركية للتصدي للهجمات الجوية القادمة من اليمن، كما سيحتاج «تأمين» البحر الأحمر إلى استمرار عمل «التحالف البحري» الذي تقوده واشنطن.
ويُضاف إلى ما تقدّم، أن أي مواجهة واسعة النطاق مع اليمن تنطوي على احتمال «الامتداد إلى السعودية»، ما يهدّد «إمدادات الطاقة العالمية». ويردف التقرير أنّه إذا «كان الحوثيون يمثلون جزءاً من الهزات الارتدادية المشار إليها، فإنّ إيران هي، على الغالب، الجزء الأكثر أهمية فيها»، ولا سيما أنّ صنّاع السياسة في طهران قد يسرّعون عملية امتلاك سلاح نووي، بعد التطورات الأخيرة في المنطقة، في حين لا تزال سوريا بعيدة عن أي تسوية سياسية، مع احتمال تجدد النزاعات الطائفية داخل البلاد.
ستستمر «الهزات الارتدادية» لـ«طوفان الأقصى» لتهدّد المصالح الأميركية على المدى المنظور
وعليه، فإنّ الخروج من الشرق الأوسط، لن يكون «من دون ثمن»؛ فترك هجمات الحوثيين «بلا حل» يعني استمرار الهجمات في أحد أكثر الممرات البحرية ازدحاماً في العالم، وترك الصواريخ تمطر تل أبيب، مع إمكانية امتداد العنف إلى السعودية. كما أن تجاهل إيران، الدولة التي تنصّب رئيسها بهتافات من قبيل «الموت لأميركا» «والموت لإسرائيل»، يعني السماح لها بامتلاك أسلحة نووية، فيما يهدد الانفصال التام عن سوريا بعودة «داعش» و«الإرهاب الجهادي». ويختم أصحاب هذا الرأي بأنّه وعلى غرار أسلافها، يمكن لإدارة ترامب الاختيار بأن تواجه الاضطرابات المستمرة في الشرق الأوسط بانخراط أكبر أو أقل، بينما يبقى من المؤكد أنّها لن تكون قادرة على إنهائها بـ«مرسوم رئاسي»، تماماً مثلما تعجز «التعويذة» عن منع وقوع «الزلزال».
ضرب إيران
توازياً مع ذلك، تدعو بعض الأصوات في واشنطن إدارة ترامب القادمة، بوتيرة متزايدة، إلى القيام بما هو أكثر من العقوبات الاقتصادية لمواجهة طهران. وفي هذا السياق، أورد موقع «ذا هيل» الأميركي تقريراً جاء فيه أنّ «التحول الأخير في الأحداث الجيوسياسية ضد إيران ووكلائها» يوفر لإسرائيل، ومن خلفها الإدارة الأميركية القادمة، فرصة واضحة، لـ«ضرب إيران وعدد من الأهداف ذات القيمة العالية فيها فوراً»، ويمهّد الطريق أمام ترامب للذهاب أبعد من سياسة «الضغوط القصوى»، نحو ضرب «عمق النظام الإيراني». ويردف أصحاب هذا الرأي أنّه بمجرد أن تصيغ إدارة ترامب سياسة الولايات المتحدة في الشرق الأوسط بأسلوب «أكثر عقلانية» من ذلك الذي كان سائداً في السنوات القليلة الماضية، فإنها ستواجه تحدياً واضحاً، نظراً إلى أنّه لا يمكن ببساطة إحياء التحالف المناهض لإيران، الذي كان موجوداً أواخر عام 2010، والذي «كرسته» اتفاقيات التطبيع؛ كما أنّ «أدوات» حملة «الضغوط القصوى» السابقة لن تكون متاحة بالكامل، نظراً إلى المرونة التي اكتسبتها إيران عبر علاقاتها مع روسيا والصين.
الانسحاب من سوريا
على الضفة المقابلة، يجادل مراقبون بأنّ الطريق نحو خلق استقرار في المنطقة يبدأ عبر إعطاء الحكومة الجديدة في سوريا «فرصة». ويتطلب ذلك، طبقاً لتقرير نشرته مجلة «فورين أفيرز» الأميركية، سحب القوات الأميركية من البلاد، منعاً لسيناريو التقسيم، والذي سيجعل من سوريا بلداً «ضعيفاً ومنقسماً ومعرضاً للخطر»، ويقتضي تواجداً عسكرياً أميركياً مكلفاً وطويل الأمد، ويخلق مشكلات لتركيا، حليفة الولايات المتحدة، ويعرّض عملية «إعادة بناء العراق» للخطر، جنباً إلى جنب التسبّب في موجة أخرى من هجرة السوريين. وبحسب التقرير، فإنّ تجنّب التبعات المشار إليها يفرض سحب القوات الأميركية من سوريا، والسماح للسلطات في دمشق باستعادة السيطرة على المحافظات الزراعية والغنية بالنفط في شمال شرق البلاد، بيد أنّ ذلك يتطلب، أولاً، الحصول على ضمانات بأنّ أحمد الشرع و«هيئة تحرير الشام» لديهما القدرة والإرادة لإبقاء «(داعش) تحت السيطرة»، والعمل على الحفاظ على سلامة الأكراد ودمجهم في «سوريا الجديدة»، حتى لو بثمن «إبعاد الجماعة نفسها عن أنقرة».
كذلك، تفترض المهمة المشار إليها استخدام «الورقة المالية» التي في يد واشنطن، بما يشمل الالتزام برفع العقوبات، والذي سيسمح بالاستثمار الأجنبي في سوريا، ويمنح الحكومة إمكانية الوصول إلى النظام المصرفي الدولي. بمعنى آخر، يمكن للولايات المتحدة إقناع حكومة الشرع بأن التعاون معها لتسهيل مغادرة القوات الأميركية هو من «مصلحتها». وطبقاً لأصحاب هذا الرأي، قد تعفي واشنطن، بالانسحاب، نفسها من «مسؤولية أمنية ثانوية»، وتجنّب الحكومة السورية تدخّل إيران أو تركيا أو حتى روسيا بمفردها في البلاد، جنباً إلى جنب «الحفاظ على الترتيبات الرسمية وغير الرسمية التي حافظت على السلام بين إسرائيل وسوريا لعقود».

