إيران جاهزة لمحادثات فورية | نصائح أميركية لترامب: لا لحرب جديدة
على رغم مساعي إسرائيل لإشعال حرب مع إيران تشارك فيها الولايات المتحدة، ثّمة في الأخيرة متنفذون لا يزالون يعتقدون بجدوى الحلّ الديبلوماسي، باعتباره الأقلّ كلفة من بين السيناريوات الأخرى المطروحة، فيما تبدي طهران انفتاحاً لإجراء محادثات «بنّاءة» مع واشنطن.


طهران | في وقت تسعى فيه إسرائيل بفعل التطوّرات في كل من غزة ولبنان وسوريا، إلى دفع الرئيس الأميركي المقبل، دونالد ترامب، إلى الدخول في مواجهة عسكرية ضدّ البرنامج النووي الإيراني، تتصاعد أصوات في واشنطن دفاعاً عن المقاربة الدبلوماسية لتسوية الملف النووي الإيراني، وتنبيهاً إلى عدم جدوى العمل العسكري المحتمل ضدّ الجمهورية الإسلامية. وبالتوازي مع ذلك، تتحدّث الحكومة الإيرانية عن جهوزيتها لإجراء محادثات «بنّاءة وبلا تأخير».
وعلى مدى الأيام الأخيرة، وعشية تسلّم الإدارة الأميركية الجديدة مهامّ عملها في الـ20 من الجاري، نُشرت ثلاثة مقالات مهمّة في مجلّة «فورين أفيرز» وموقعَي «ذا هيل» و«أكسيوس»، تطرّق كتّابها إلى مستقبل التطوّرات بين طهران وواشنطن، ليعيدوا هذا الموضوع إلى صدارة الاهتمامات. وتشير صياغة هذه المقالات من قِبَل أشخاص متنفّذين، بمن فيهم ريتشارد نيفيو المعروف بـ«مهندس العقوبات على إيران» في وزارة الخارجية الأميركية، وجون هوفمان أحد المحلّلين البارزين للتيار اليميني المتشدّد في الولايات المتحدة، وكذلك باراك رافيد، المحلّل الأمني الصهيوني في «سي إن إن» و«أكسيوس»، إلى أن استنتاج السياسيين وواضعي السياسات وأصحاب الرأي في الحزبَين الجمهوري والديمقراطي، يقوم على أن نسبة نجاح أيّ هجوم عسكري على المنشآت النووية الإيرانية، ستكون متدنية، وستزيد المعادلة النووية بين إيران والغرب تعقيداً. وفي الوقت نفسه، فإن الملحوظة الخفية والعلنية الكامنة في مواقف الأميركيين تلك، تؤشر إلى تركيزهم على اعتماد أداة المحادثات، ليس من أجل «تسوية» القضايا، بل من أجل «احتواء» إيران، فيما الملحوظة الأخرى تتمثّل في عدم فاعلية نظام العقوبات على طهران في الفترة الراهنة، مقارنة بالفترة الزمنية التي سبقت التوقيع على الاتفاق النووي عام 2015.
وممّا كتبه ريتشارد نيفيو، المسؤول السابق لطاولة إيران في مجلس الأمن القومي الأميركي، في «فورين أفيرز»، فإنه «نظراً إلى مخاطر العمل العسكري، سيكون على الولايات المتحدة أن تبذل، في مستهلّ عمل إدارة ترامب، محاولة نهائية وصادقة لإجراء محادثات بهدف وقف البرنامج النووي الإيراني». وأضاف نيفيو الذي شغل سابقاً منصب عضو في الفريق الأميركي المفاوض إبّان المحادثات النووية الإيرانية مع القوى العالمية، أنه «في الظروف الحالية، لا تزال هناك أسباب وجيهة كثيرة لعدم ضرب إيران، لأن من شأن ضربها أن يسبّب المزيد من الفوضى وعدم الاستقرار في الشرق الأوسط، واستهلاك موارد أميركية كبيرة، في وقت تسعى فيه واشنطن إلى التركيز على مناطق أخرى غير الشرق الأوسط، وتقويض مصداقية الولايات المتحدة إذا لم تنجح الهجمات، علماً أن احتمالات الفشل عالية. وحتى إذا نجحت، فإنها قد تؤخّر البرنامج النووي الإيراني فقط. لذلك، فإن الاتفاق الدبلوماسي يمثّل أفضل حلّ لهذا الموضوع وأكثر ديمومة». ورأى في الوقت ذاته أنه «في حال فشلِ الجهود للتوصل إلى اتفاق، فعلى الولايات المتحدة أن تكون جاهزة لاستخدام القوّة العسكرية».
يشكّك البعض في إيران، في شأن جدوى وأثر الإعلان عن الجهوزية للمحادثات مع أميركا
وقبل ثلاثة أيام من مقال نيفيو، نشر جون هوفمان مقالاً في موقع «ذا هيل» التابع للكونغرس الأميركي، نصح فيه ترامب بـ«الاستفادة من النافذة المحدودة للدبلوماسية» لاحتواء البرنامج النووي الإيراني. ووفقاً لهوفمان، «يتعيّن على الرئيس المنتخب معاودة الانخراط مع إيران، والبناء على نافذة محدودة متوافرة حالياً من أجل نزع فتيل البرنامج النووي الإيراني بطريقة سلمية، وخفض التوتّرات مع الجمهورية الإسلامية. إن تفويت هذه الفرصة ينطوي على مخاطر دفْع الولايات المتحدة إلى حرب كارثية أخرى في الشرق الأوسط، الأمر الذي وعد (ترامب) الناخبين بعدم التورّط فيه». واعتبر هوفمان أن «حرباً بين الولايات المتحدة وإيران ستكون كارثية على الاستقرار الإقليمي والمصالح الأميركية»، في حين أن «الضربات الوقائية ضدّ المنشآت النووية الإيرانية - والتي من المرجّح أن تفشل في القضاء على البرنامج النووي الإيراني بالكامل - ستزيد من حوافز طهران للاندفاع نحو امتلاك القنبلة. كما أن الدفاعات الجوية الإيرانية وقدرات الصواريخ الباليستية من شأنها أن تفرض تكاليف مالية وبشرية باهظة على الجيش الأميركي».
وفي السياق نفسه، تحدّث موقع «أكسيوس»، الأسبوع الماضي، في تقرير لباراك رافيد، عن الاجتماع المغلق الذي عُقد الشهر الماضي حول إيران بمشاركة مستشار الأمن القومي الأميركي جايك سوليفان، والرئيس جو بايدن، والذي عرض فيه الأول على الأخير «خيارات» لشن الولايات المتحدة ضربات محتملة على المنشآت النووية الإيرانية «في حال اندفع الإيرانيون، قبل الـ20 من كانون الثاني نحو امتلاك القنبلة النووية». ونقل «أكسيوس» عن مصدر مطّلع، قوله: «لم يُبد بايدن في هذا الاجتماع، موافقة على الخيارات المطروحة. لقد ناقش الرئيس وفريقه للأمن القومي الخيارات والسيناريوات المختلفة، غير أن بايدن لم يتّخذ قراراً نهائيّاً».
وإذ تُعرض هذه الاقتراحات على ترامب أيضاً، فهو نادراً ما تحدّث خلال الأيام الأخيرة حول إيران، فيما ليست واضحة بعد السياسة التي ستعتمدها إدارته تجاه الأخيرة. أمّا في طهران، فيتحدّث المسؤولون عن الجهوزية لحلّ الملف النووي دبلوماسياً؛ إذ قال وزير الخارجية الإيراني، عباس عراقجي، في مقابلة أجرتها معه حديثاً قناة «سي سي تي في» الصينية ونشرتها الجمعة، إن طهران جاهزة لإجراء «محادثات بنّاءة ومن دون تأخير» في شأن برنامجها النووي، مؤكداً أن المحادثات المقبلة يجب أن تتمّ «بهدف التوصل إلى اتفاق». وتابع: «الصيغة المتوافرة من وجهة نظرنا هي الصيغة السابقة التي اعتُمدت في خطة العمل الشاملة المشتركة؛ أي بناء الثقة حول البرنامج النووي الإيراني لقاء رفع العقوبات. إنّنا جاهزون للمحادثات على هذا الأساس». كذلك، أشار إلى عودة دونالد ترامب إلى البيت الأبيض، قائلاً إن طهران ستتخذ القرارات اللازمة بعد دراسة سياسات الإدارة الأميركية الجديدة.
وإذ يشكّك البعض في إيران في جدوى الإعلان عن الجهوزية للمحادثات مع أميركا، فقد انتقدت صحيفة «فرهيختكان»، في مقال لعلي مزروعي، المقال الذي نشرته أخيراً صحيفة «إيران» الحكومية، بقلم حسين موسويان، وهو دبلوماسي إيراني سابق ومن الشخصيات القريبة من الفريق الحالي في وزارة الخارجية الإيرانية، والذي فيه دافع عن إجراء محادثات غير مشروطة مع ترامب. وكتبت الصحيفة: «إن توجهاً مثل هذا، يريد المحادثات من أجل المحادثات فحسب، ويدعو إلى استسلام إيران قبل أيّ حوار. إن الامتثال لطاولة المفاوضات من منطلق العجز ومن دون تحديد إنجازات محدّدة، يفرغ المحادثات من مغزاها فعلياً، ويحوّلها إلى طاولة فارغة وأرض بور، يحدّد فيها الطرف الآخر، اتجاهاتها ونتائجها».
