
كما هو الحال في أقطار الشرق الأوسط المنهمك بـ«ضرب المندل» السياسي في انتظار اتضاح توجهات الإدارة الأميركية المقبلة، يبدو القادة الأوروبيون منهمكين بالإعداد لمرحلة صعبة من التعاطي مع واشنطن في الملفات الثنائية، بدءاً بملف التعرفات الجمركية والعلاقات التجارية بين بروكسل وبكين، وليس انتهاءً بحرب أوكرانيا وآفاق العقوبات على روسيا، ومستقبل «حلف شمال الأطلسي».
إرهاصات صراع تجاري مرتقب
من البوابة التجارية، يتوقع كثيرون أن تطلّ «بشائر» الصدام الأوروبي مع إدارة ترامب؛ إذ يوضح نائب رئيس مركز «أتلانتيك كاونسل» للدراسات الإستراتيجية والأمنية، ماثيو كرونيغ، أن الرئيس الجديد «سيعطي الأولوية لترسيخ (ما يراه) تدابير تجارية عادلة»، حتى مع الحلفاء الأوروبيين، وليس فقط مع خصومه الدوليين، معتبراً أن ترامب سيكون «أكثر استعداداً لاستخدام التعرفات الجمركية والتهديد بها كأداة للضغط في المفاوضات». وبحسب مصادر ديبلوماسية غربية، فإن الاتحاد الأوروبي انكبّ خلال المدة الماضية على تدارس سيناريوات اندلاع حرب تجارية مع الولايات المتحدة، في حالة فوز ترامب بولاية ثانية. وفي هذا السياق، رأت صحيفة «نيويورك تايمز» أن «فوز ترامب سوف يختبر قدرة حلفاء أميركا الأوروبيين على الحفاظ على التضامن، وبذل المزيد من الجهود لبناء جيوشهم والدفاع عن مصالحهم الاقتصادية» في وجه مزاجية الرئيس الجديد، كاشفة عن جهود أوروبية لـ«محاولة ضمان استمرار الدعم لأوكرانيا، والحفاظ على استمرارية حلف شمال الأطلسي، إضافة إلى الشروع في صياغة ردود (محتملة) إذا ما نفذ ترامب تهديده بفرض تعرفات جمركية شاملة على السلع (الأوروبية) المستوردة إلى الولايات المتحدة»، سيكون من جملتها فرض شراء المزيد من المنتجات الأميركية، وفرض تعرفات جمركية مضادة.
ومع ذلك، ألمحت الصحيفة الأميركية إلى أن «الأوروبيين سيواصلون تكثيف جهودهم للحفاظ على خطوط الاتصال مفتوحة مع إدارة ترامب الجديدة، وهو ما يفسر لقاء أعضاء من فريق الرئيس «غير القابل للتنبؤ»، بعدد من المسؤولين الأوروبيين في قمة «الناتو» الأخيرة في واشنطن في تموز الماضي، مع الحفاظ على علاقات وثيقة أيضاً بالمشرعين الأميركيين الذين يدعمون التحالف عبر الأطلسي». وعلى هذا الأساس، تستنتج نائبة مدير الدراسات الدولية في «معهد مونتين» في باريس، جورجينا رايت، أن «فوز ترامب مؤلم جداً بالنسبة إلى الأوروبيين، لأنه يضع أمامهم سؤالاً حاولوا جاهدين إخفاءه، ألا وهو: كيف نتعامل مع الولايات المتحدة التي تنظر إلينا كمنافس وليس كجهة صديقة؟». وتضيف أن التصرفات الأميركية «يجب أن تدفع أوروبا نحو الوحدة»، مبدية في الوقت نفسه تشكيكها في إمكانية تحقق هذه الأخيرة.
«الناتو» وحرب أوكرانيا: نحو «انسحاب أميركي كامل»؟
وبالنظر إلى سجل المواقف السلبية السابقة لترامب من «الناتو»، بخاصة خلال ولايته الأولى، والتي شهدت توتراً بين ضفتَي الأطلسي، وطبَعها ابتزازه الصارخ لحلفائه الأوروبيين عبر تلويحه المستمر بالانسحاب من الحلف، فضلاً عن مطالبته أخيراً بضمّ جزيرة غرينلاند، يتوجس صنّاع السياسة في الاتحاد الأوروبي من سيناريو مماثل، يبدو بالنسبة إلى كثيرين، قابلاً للتحقق إلى حد كبير. وتأسيساً على تلك المخاوف، تكشف الباحثة في برنامج «الإستراتيجية الأميركية الكبرى» التابع لـ«مركز ستيمسون للدراسات»، إيما آشفورد، عن وجود «نقاش مفتوح» ضمن الدائرة الأكاديمية المحيطة بترامب، والتي لا تقتصر على القيمين على «مركز تجديد أميركا» للبحوث، والمعروف بمدى قربه من الرئيس الأميركي المنتخب، بل تتعداه إلى شخصيات سياسية ممن شغلوا مناصب رفيعة في إدارة ترامب الأولى، من مثل إلبريدج كولبي، الذي اختير لمنصب وكيل وزارة الدفاع للشؤون السياسية، وكيث كيلوغ، الذي عُيّن كمبعوث خاص لأوكرانيا وروسيا. وتمخّض ذلك النقاش عن سيناريوات تراوح بين حدّ أقصى يقوم على «إفراغ الحلف من مضمونه» من الناحية العملية، وبين حد أدنى قوامه السعي إلى تقليص التزام الولايات المتحدة بالحلف الغربي. وتضيف آشفورد أن مطالبة واشنطن لحلفائها في «الناتو» بزيادة الإنفاق الدفاعي، «ربما تعدّ حتى الآن بمنزلة التجلّي الأوحد» لتلك السيناريوات، مستدركةً بأن «القادة الأوروبيين سيكونون حمقى إذا لم يخططوا للأسوأ».
وفي محاولته تفسير مواقف ترامب، يتوقع الخبير العسكري الفرنسي، فرانسوا هيسبورغ، أن «يحافظ الرئيس الجديد على بعض المواقف الواضحة، سواء لناحية تشكيكه في التحالفات المتعددة الأطراف (كحلف الناتو والاتحاد الأوروبي)، وإعجابه بالرئيس الروسي فلاديمير بوتين، أو لناحية كراهيته للرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي»، معتبراً أنّ ترامب «محق في مطالبة الأوروبيين بالمزيد من الإنفاق العسكري»، وإن كان تملّصه من موجبات المادة الخامسة من ميثاق «حلف شمال الأطلسي»، والتي تنص على الالتزام بالدفاع الجماعي عن دول الحلف، يعدّ شكلاً من أشكال «الابتزاز»، متوقعاً أن تكون سطوة ترامب في واشنطن «أكبر مما كانت عليه في ولايته الأولى». وبدوره، ينبّه السفير الأميركي السابق لدى «الناتو»، إيفو دالدر، إلى أن المادة المذكورة تشكل اللبنة الأساسية لمصداقية الحلف، محذراً من أن ترامب إنما يسهم بتصرفاته في تقويض هذه المصداقية، على نحو يغري الرئيس الروسي باختبار صلابة «الناتو». ولذا، تشدّد «فورين بوليسي» على أن ترامب «قد يقرر الانسحاب من الحلف بشكل كامل، من أجل مناكفة الأوروبيين، خصوصاً أنهم لا يشكلون أصولاً إستراتيجية» وفقاً لمنظوره، مستدركةً بأن ثمة عوائق قد تحول دون انسحابه، ومن أبرزها «تأييد معظم الأميركيين البقاء في الحلف»، و«المقاومة الكبيرة التي قد تبديها وزارة الدفاع وبعض الجمهوريين في الكونغرس» حيال الأمر.
وفي المقابل، من المتوقع أن يتجاهل ترامب بروكسل، وأن يعمد إلى التركيز على تدعيم العلاقات الثنائية مع الدول الأوروبية كلّ على حدة، وهي الصيغة التي تتمتع فيها واشنطن بالوضعية المثلى أمام تلك الدول، في ضوء سعي الرئيس الأميركي المنتخب إلى إضعاف الاتحاد الأوروبي أو حتى تقسيمه. وبحسب مراقبين، تفتح هذه السياسة الباب أمام احتمالين: إما «تكاتف الدول الأوروبية في موقف معارض لسياسة واشنطن، على رغم عدم وضوح مدى استعداد أوروبا للعمل بشكل موحد، وضياع هوية «الدولة الزعيم» المؤهلة للعب دور القيادة، في ظل ما تعانيه دول كبرى في التكتل من مثل ألمانيا وفرنسا من إضرابات سياسية داخلية، وإما أن تبحث كل دولة عن مصالحها الخاصة»، على نحو ما تؤيده الباحثة في «المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية»، يانا بوغليرين. ومن وجهة نظر هذه الأخيرة، فإذا كانت العلاقات الوطيدة بين ترامب وعدد من زعماء اليمين الأوروبي الذي تسلم الحكم في عواصم عدة، كإيطاليا، وسلوفاكيا، والمجر، تُبلور «تهديداً للقيم الليبرالية» في الغرب، فإن الفوز الانتخابي لشخصية بصفات ترامب يستلزم من أوروبا عدم تجاهل «المتغيرات البنيوية العميقة في أميركا»، بما في ذلك تحوّل اهتماماتها نحو آسيا، وإنهاكها المتزايد من مسؤولياتها العالمية، في إشارة إلى الميول الانعزالية للرئيس المنتخب.
وبالحديث عن حرب أوكرانيا، تجزم المجلة بوجود «تحول واضح» في الموقف الأميركي من المواجهة بين كييف وموسكو، مع إعطاء ترامب «كل المؤشرات إلى نيته وقف الدعم العسكري لأوكرانيا، والتخلي عن الالتزام المالي تجاهها كأولوية»، مبينة أن «ترامب يريد الخروج من الحرب وسيضغط على كييف لتحقيق ذلك». أما السؤال الجوهري، بحسب المجلة، فيتمقل بـ«ما إذا كان ترامب قادراً بالفعل على إيجاد صفقة قد تحوز رضى كل من كييف وموسكو أم إذا كان سيسحب الولايات المتحدة من الصراع في أوكرانيا ويترك أوروبا وحيدة في التعامل معه».

