«سلام» ترامب يصطدم بـ«أحلام» نتنياهو: الاستقرار بعيد المنال

لا يزال الوضع في منطقة الشرق الأوسط مفتوحاً على مختلف السيناريوات تقريباً، بما يشمل التوصل إلى «الاستقرار» المنشود الذي سيصب، طبقاً لمراقبين، في مصلحة الولايات المتحدة ورئيسها الجديد دونالد ترامب، والذي يستند، بشكل رئيسيّ، إلى التوصل إلى «تسوية» للقضية الفلسطينية. على أنّ مصالح واشنطن تتعارض إلى حدّ كبير مع طموحات رئيس وزراء الاحتلال، بنيامين نتنياهو، الذي أثبت أنّه قد يذهب بعيداً في كسر القواعد للحفاظ على بقائه السياسي، بما يشمل حتى «تجديد» الحروب في المنطقة، ولا سيما بعدما أصبح «محاصراً» من جميع النواحي.
وبالنسبة إلى المحلل والكاتب الأميركي توماس فريدمان، فإنّ المنطقة قد وصلت إلى «محطة القطار الأخيرة»، نظراً إلى أنّ المرحلة الحرجة الراهنة ستحدد ما إذا كان الشرق الأوسط «سيولد من جديد كمنطقة قوية»، يسود فيها التعاون والعلاقات الطبيعية والتجارة، أو أنه سيتفكك إلى مجموعة من الدول القومية الصلبة، والغارقة في محيط شاسع من الفوضى «وأمراء الحرب والإرهابيين الذين يتقنون استخدام الطائرات المسيّرة بشكل مخيف». وعليه، يوجّه الكاتب، في تقرير نشرته «نيويورك تايمز» أخيراً، رسالة إلى ترامب، مفادها أنّ «الجميع في انتظاره» في اللحظة الراهنة، والتي تعدّ واحدة من بين اللحظات النادرة، على غرار فترة ما بعد الحروب، العالميتين الأولى والثانية والباردة، ويبدو فيها كل شيء في الشرق الأوسط «في حالة حركة ومفتوحاً على جميع الاحتمالات».
ويشدد الكاتب على ضرورة المضيّ قدماً في «صنع السلام بين الإسرائيليين والفلسطينيين»، قبل أن تقضي المستوطنات الإسرائيلية، في الضفة الغربية، على أي إمكانية للتوصل إلى «اتفاق على أساس حل الدولتين». كما يدعو إلى إنهاء الحرب الأهلية اللبنانية التي استمرت 50 عاماً، ومنح سوريا فرصة لإعادة الاندماج بعد 14 عاماً من الصراع، جنباً إلى جنب تحييد إيران قبل أن «تحصل على قنبلة نووية». وفي محاولة لاستعراض «التحديات» التي قد تواجه ترامب، يلفت فريدمان إلى أنّه خلال عملية الضغط التي مارسها الأخير على نتنياهو للتوصل إلى وقف لإطلاق النار وتبادل الأسرى، أدرك الرئيس الأميركي، بالتأكيد، أنّ تطلعاته السياسية والدبلوماسية تتعارض بشكل جذري مع تطلعات رئيس الوزراء الإسرائيلي؛ إذ إنّ طموحاته ومعها مصالح أميركا هي، في الواقع، الفتيل الذي قد يفجر حكومة «بيبي»، بل قد ينهي حياته السياسية حتى. ويردف فريدمان مخاطباً ترامب: «كان جو بايدن المسنّ، والذي يمكن أن يتفوّق عليه بيبي، هو حلم الأخير. أما أنت، فكابوسه»، مشيراً إلى أنّ «العنوان الرئيسيّ، يوم الإثنين، في صحيفة (هآرتس)، كان (نتنياهو يكذب على ترامب ويستعد لتخريب اتفاق وقف إطلاق النار في غزة)»، وهو لم يأت، طبقاً لفريدمان، «من فراغ».
يتمسك جزء كبير من اليمين الإسرائيلي بأمل التوصل إلى «حيلة ما» لاستئناف الحرب على غزة
ويرجع ذلك، طبقاً للمصدر نفسه، إلى واقع أنّ بقاء نتنياهو السياسي يعتمد على استئناف حرب غزة، بعد وقف إطلاق النار، وعدم إطلاق نتنياهو، أبداً، لأي مفاوضات محددة زمنياً مع السلطة الفلسطينية حول حل الدولتين. كما يرجع إلى أنّ حرب نتنياهو حملت هدفين متناقضين، وهما تحقيق «النصر الكامل» واستعادة الأسرى، علماً أن تحقيق الهدف الأول تطلّب «مقتل معظم الرهائن إن لم يكن جميعهم». ولسوء الحظ، أجبر المتعصبون اليهود في حكومة نتنياهو، وعلى رأسهم إيتمار بن غفير وبتسلئيل سموتريش، نتنياهو على شن حرب لتدمير جزء كبير من غزة، حتى على حساب سمعة إسرائيل التي باتت متهمة بارتكاب جرائم حرب، آملين أن يؤدي ذلك إلى «نزوح كامل للفلسطينيين وضم غزة»، قبل أن يجبره ترامب على حسم قراره حول إيقاف الحرب أو الاستمرار بالإصغاء لهؤلاء.
كذلك، ينصح فريدمان، ترامب، بأن يوعز إلى الدبلوماسيين الأميركيين بالمضيّ قدماً في ترسيم الحدود بين لبنان وإسرائيل بشكل يحظى باعتراف الأمم المتحدة، مشدداً على ضرورة أن «تسحب واشنطن وتل أبيب البساط من تحت أقدام حزب الله»، الذي يبرّر حمله للسلاح بنيّته استعادة المناطق التي تحتلها إسرائيل في جنوب لبنان. أما في ما يتعلق بإيران، وإذ يقرّ صاحب هذا الرأي بضرورة «القضاء على برنامج طهران النووي واستراتيجيتها»، آملاً أن يتم هذا عبر المفاوضات السلمية، فهو لا يستبعد القيام به «بشكل حيوي»، في إشارة إلى إمكانية اللجوء إلى القوة العسكرية.
حصار نتنياهو
على أنّ مثل تلك الأهداف ستصطدم، بشكل شبه حتمي، بطموحات السلطات الإسرائيلية، بعدما جاءت نهاية الحرب في غزة معاكسة لكلّ توقعاتها. وفي هذا السياق، تورد مجلة «فورين بوليسي» الأميركية تقريراً جاء فيه أنه في حين أنّ تهديد ترامب بـ«خلق جحيم» في حال عدم الإفراج عن الأسرى بحلول يوم تنصيبه بدا موجهاً إلى «حماس»، إلا أنّه بعد توقيع اتفاق وقف إطلاق النار، أصبح نتنياهو هو من يشعر فعلياً بـ«الخطر»، باعتبار أنّ الصفقة تهدد بإسقاط حكومته التي كانت «الحرب المفتوحة في غزة والوعد بتحقيق نصر كامل يجمعانها معاً».
أمّا المتغير الذي أدى إلى وقف لإطلاق النار في غزة هذه المرة، بحسب التقرير، فهو دخول ترامب إلى الصورة، التي سيبقى فيها على مدى السنوات الأربع المقبلة؛ إذ يخشى نتنياهو «الإساءة إلى ترامب المعروف بنزعاته الانتقامية»، كما أنّه يريد أن يكون الرئيس الجمهوري جزءاً من «أجندته الأوسع نطاقاً»، والمرتبطة بأي مواجهة محتملة مع إيران بسبب برنامجها النووي، جنباً إلى جنب إقامة علاقات ديبلوماسية مع السعودية. وعليه، يبقى السؤال هو ما إذا كانت الاعتبارات السياسية الداخلية ستعود إلى الواجهة، وتدفع بنتنياهو إلى التراجع عن الاتفاق في نهاية المطاف، وهو ما «لا يقدر أحد على معرفته حالياً».
وعلى غرار معظم الإسرائيليين الذين توقفوا، منذ فترة طويلة، عن تصديق رواية نتنياهو حول النصر الكامل، والذي يشمل القضاء على «حماس» وإطلاق سراح الأسرى بالقوة العسكرية، قد يكون سموتريتش وبن غفير يعتقدان أيضاً أن وعوده لم تكن «ذات صلة»، إلا أنّ تلويحهما بمغادرة ائتلافه، والمرتبط بتخوفهما من المحاسبة فور انتهاء الحرب، أجبراه على استكمال خطته. وبعدما كان الإسرائيليون من اليمين المتطرف واثقين من أنه مع وجود ترامب في البيت الأبيض، ستكون إسرائيل قادرة على استكمال «قائمة رغباتهم»، بما يشمل ضم الضفة الغربية، وتجديد الهجوم على استقلالية القضاء، وعلى المنشآت النووية الإيرانية، ومتابعة الحرب في غزة، فقد حيّد اتفاق وقف إطلاق النار، في الوقت الحالي على الأقل، البند الأخير من تلك القائمة، ما ترك اليمين الإسرائيلي في حالة من الصدمة. وعليه، يتمسك كثيرون منهم بأمل التوصل إلى «حيلة ما»، تمهّد الطريق لاستئناف الهجوم على غزة، من دون أي «قيود» من مثل تلك التي كانت في عهد بايدن. على أنّه طبقاً للرأي نفسه، فإن نتنياهو سيخاطر بشدة إذا حاول تكرار «الألاعيب نفسها»، كما فعل مع إدارة بايدن، لافتين إلى أنّه في حين أنّ نتنياهو يشتهر بـ«مهاراته في الحفاظ على بقائه السياسي»، إلا أنّه يبدو هذه المرة، محاصراً بإحكام من ترامب، واليمين المتطرف، والحريديم الذين يرفضون التجنيد الإجباري، ما يجعل الفترة المقبلة «مثيرة للاهتمام».

