ترامب يواصل حربه على المؤسسات الدولية: الفوضى (غير) البنّاءة نهجاً
منذ لحظة تنصيبه، أثارت سلسلة القرارات التنفيذية للرئيس الأميركي، دونالد ترامب؛ الكثير من العواصف السياسية داخل الولايات المتحدة وخارجها، وكان آخرها تلك المتعلقة بقراره إلغاء «الوكالة الأميركية للتنمية الدولية»، وتأسيس صندوق سيادي، فضلاً عن نيته وقف تمويل و


منذ لحظة تنصيبه، أثارت سلسلة القرارات التنفيذية للرئيس الأميركي، دونالد ترامب؛ الكثير من العواصف السياسية داخل الولايات المتحدة وخارجها، وكان آخرها تلك المتعلقة بقراره إلغاء «الوكالة الأميركية للتنمية الدولية»، وتأسيس صندوق سيادي، فضلاً عن نيته وقف تمويل وكالة «الأونروا»، والانسحاب من «مجلس حقوق الإنسان» التابع للأمم المتحدة.
«الأونروا» و«مجلس حقوق الإنسان»: سياسات قديمة جديدة
ساهم لقاء الرئيس الأميركي دونالد ترامب، مع رئيس وزراء الاحتلال بنيامين نتنياهو، في حسم الجدل حول حجم التوافقات بين الرجلين، بخاصة على مستوى القضية الفلسطينية، وإن كان الأخير اضطر، بشكل أو بآخر، إلى مراعاة التوقيت الذي توخّاه الأول للبدء في صفقة تبادل للأسرى بين فصائل المقاومة الفلسطينية، وتل أبيب، كجزء من ترتيبات أكبر حول مستقبل الحرب في غزة. ولعل أبرز نقاط ذلك التوافق، كشف عنها مسؤول في البيت الأبيض، قبل ساعات قليلة من لقاء ترامب - نتنياهو، حين أكّد نية الوافد الجديد إلى البيت الأبيض إصدار أمر تنفيذي يقضي بانسحاب واشنطن من مجلس حقوق الإنسان التابع لـ«الأمم المتحدة»، وحظر تمويل «وكالة الأمم المتحدة لغوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين» (UNRWA)، والتي تُعد الولايات المتحدة أكبر مانحيها الدوليين بقيمة تراوِح بين 300 و 400 مليون دولار سنوياً، الأمر الذي لاقى ترحيباً من مسؤولين إسرائيليين، من أبرزهم سفير كيان الاحتلال لدى الأمم المتحدة داني دانون، الذي اتهم المجلس بـ«الترويج لمعاداة السامية». وسبق أن كانت الوكالة محطّ هجمات من قبل نتنياهو في أكثر من مناسبة، بدعوى تورطها في ما سمّاه «أنشطة إرهابية ضد إسرائيل»، رغم نفي المفوّض العام لـ«الأونروا»، فيليب لازاريني، المتكرر لتلك المزاعم. وبالفعل، وقّع ترامب، مساء أمس، على أمر تنفيذي يقضي بانسحاب الولايات المتحدة من المجلس المشار إليه وحظر تمويل «الأونروا»، و«مراجعة» مشاركتها في تمويل «منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة» (يونسكو).
وكتأكيد على التناغم السياسي بين ترامب ونتنياهو، يلفت مراقبون إلى أنّ قرار الرئيس الأميركي، المعروف بسجلّه في الانقلاب على الاتفاقيات الدولية، يأتي بعد أيام قليلة من دخول قرار الحكومة الإسرائيلية منع الوكالة الأممية من العمل داخل ما وصفته بـ«المناطق الخاضعة للسيادة الإسرائيلية» حيز التنفيذ بدءاً من 30 كانون الثاني الماضي. واعتبر هؤلاء أنّ قرار ترامب الذي يُفسّر غالباً تحت ذرائع تنظيمية واقتصادية، كان متوقّعاً في ضوء قطعه للتمويل عن «الأونروا» خلال ولايته الرئاسية الأولى، باعتباره من أشد المؤيدين لوجهة النظر التي تتبناها حكومة نتنياهو حول الوكالة، المتّهمة بـ«التحيّز ضد إسرائيل»، والمعنية منذ نشأتها عام 1949 بتقديم المساعدات والخدمات الصحية والتعليمية لملايين الفلسطينيين في الأراضي المحتلة ولبنان وسوريا والأردن.
اعتبر مراقبون أنّ قرار ترامب كان متوقّعاً في ضوء قطعه للتمويل عن «الأونروا» خلال ولايته الرئاسية الأولى
وعلى الرغم من أن الإدارة الأميركية السابقة كانت بدورها قد أوقفت تمويلها لـ«الأونروا» مطلع عام 2024، قبل أن يحذو حذوها الكونغرس حين علّق تمويله للوكالة نفسها حتى آذار المقبل، على خلفية التشكيك في حيادية بعض موظفيها خلال أحداث السابع من أكتوبر وما تلاها، إلا أنّ مراقبين نظروا إلى قرار العهد الجديد في هذا الشأن، بوصفه توطئة للضغط على الفلسطينيين، وحثّهم على الشروع في «محادثات سلام» مع الإسرائيليين، وفق شروط أكثر ملاءمة لتل أبيب ضمن ما يُعرف بـ«صفقة القرن». وفي السياق ذاته، اعتبر موقع «بوليتيكو» الأميركي أنّ خطوة ترامب تعكس حرصه على «استعادة السياسات» التي كانت سارية خلال إدارته السابقة، مذكّراً بما تعرّض له «مجلس حقوق الإنسان» الأممي، أسوة بـ«الأونروا»، من اتهامات متكرّرة من قبل أركان تلك الإدارة، بـ«الانحياز ضد إسرائيل»، و«توفير حماية للدول التي ترتكب انتهاكات لحقوق الإنسان».
بين «وكالة التنمية الدولية» و«صندوق الثروة السيادي»: أي فرص للصين؟
هذا، ومن منطلق الجدل المصاحب لقرارات الإدارة الأميركية الجديدة، حول مصير «الوكالة الأميركية للتنمية الدولية» (USAID)، التي جمّد البيت الأبيض معظم تمويلها كجزء من خطته المعلنة لخفض الإنفاق الحكومي، جاء هجوم أركان العهد الجديد على الوكالة، وفي طليعتهم ترامب حين قال إنّ «الوكالة الرسمية للمساعدات الإنمائية، والتي تبلغ ميزانيتها نحو 40 مليار دولار سنوياً، يُديرها مجانين متطرفون»، مؤكداً «(أننا) بصدد طردهم، قبل أن نتخذ قراراً بشأن أنشطة الوكالة». وشدّد وزير الكفاءة الحكومية، إيلون ماسك، بدوره، على أنّ الوكالة «غير قابلة للإصلاح»، مردفاً أن الرئيس وافق على إغلاقها، متهماً إياها بتبديد أموال دافعي الضرائب الأميركيين، لحساب تمويل نشاطات وصفها بـ«الإجرامية»، «تشمل تطوير أبحاث حول الأسلحة البيولوجية، بما في ذلك فيروس كورونا».
وعقب تسريبات صحافية أشارت إلى وجود توجّه لدى البيت الأبيض لدمج الوكالة مع وزارة الخارجية بدعوى تعزيز كفاءتها تحت إشراف ماسك، أعلن وزير الخارجية الأميركي، ماركو روبيو، توليه شخصياً رئاسة الوكالة من أجل إنهاء ما قال إنّه «عصيان» على أجندة إدارة ترامب، علماً أنه لطالما أيّد تمويل الـ«USAID» خلال فترة عضويته في مجلس الشيوخ. وأوضح روبيو، في مؤتمر صحافي خلال زيارة إلى السلفادور، أنّ الكثير من مهام الوكالة ستستمر، متّهماً موظفيها الذين وُضع العديد منهم في إجازة قسرية، بالفشل في الإجابة عن أسئلة وجّهتها إليهم إدارة ترامب الجديدة بشأن تمويل الوكالة وأولوياتها، في إشارة إلى الميزانية الضخمة لمئات برامج المساعدات الخارجية المقدّمة من الولايات المتحدة، والمقدّرة بأكثر من 70 مليار دولار، تقارب نصف إنفاق الأمم المتحدة في هذا المجال.
وتأسيساً على ما سبق، استعرضت وكالة «بلومبرغ» آثار قرارات ترامب، والتي ترقى إلى تجميد مساعدات أميركية بقيمة 72 مليار دولار، مبيّنة أنّ تلك القرارات خلّفت حالة من «الفوضى، والاضطراب المباشر في العديد من البرامج الإنسانية الموجّهة نحو بعض أفقر دول العالم»، ومن ضمنها «برنامج الطوارئ الأميركي لمكافحة مرض الإيدز»، إضافة إلى ما قد تخلّفه من «تفاقم للأزمات الإنسانية، والنزاعات، وتزايد في مستويات الهجرة غير الشرعية، فضلاً عمّا قد يترتب عليها لناحية ارتفاع نشاط القرصنة البحرية في بعض المناطق الاستراتيجية». وحذّرت «بلومبرغ» من أنّ ما جرى «يمنح الصين فرصة ذهبية لاستغلال الفراغ، وتعزيز وجودها في الجنوب العالمي من خلال تقديم مساعدات واستثمارات بديلة».
أما بخصوص قرار ترامب إنشاء صندوق ثروة سيادي، يحظى مشروع تأسيسه بتأييد من الجمهوريين والديمقراطيين، من دون وجود أي رؤية حول مصادره التمويلية أو وجهاته الاستثمارية، باستثناء بعض تصريحات عامة من جانب ترامب حول الاستثمار في البنية التحتية والرعاية الصحية وإنتاج الغذاء، فقد شكّكت صحيفة «وول ستريت جورنال» في جدية الفكرة، معتبرة أنّ إنشاء الصندوق «أمر غير مرجّح» بسبب خضوع العديد من الموارد الطبيعية الأميركية، مثل النفط والغاز لسيطرة الولايات وليس للحكومة الفيدرالية. ولفتت الصحيفة الأميركية إلى أنّ الولايات المتحدة لديها بالفعل 23 صندوقاً سيادياً على مستوى الولايات، يتخطى صافي قيمة أصولها 300 مليار دولار، ومن أبرزها «صندوق ألاسكا الدائم» المعني باستثمار عائدات النفط في الولاية، والذي يدير أصولاً بقيمة 78 مليار دولار، إلى جانب صناديق مماثلة على المستوى الفيدرالي، بعضها مخصّص للبنية التحتية والتكنولوجيا والدفاع، وقد تم إنشاؤها بموجب قانون خفض التضخم وقانون الرقاقات في عام 2022. ورأت الصحيفة أنّ إنشاء صندوق سيادي للولايات المتحدة قد يبدو جذاباً من الناحية السياسية، إلا أنها اعتبرت أنه لن يضيف الكثير بالنظر إلى اضطلاع الصناديق الحالية بالمهام التي من المُفترض أن يقوم بها الصندوق الجديد.
