
بالنسبة إلى الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، والكثير من مؤيّديه ومتابعيه، يبقى الأهم هو الظهور بمظهر القائد القوي الذي «يهابه» الحلفاء قبل الخصوم. إلا أنّه فعلياً، لا يعكس استعراض القوة الذي يمارسه الرئيس الجمهوري، منذ ما قبل تنصيبه حتى اللحظة، بالضرورة، واقع بلاده وطبيعة علاقتها مع الدول الأخرى في عالم اليوم. في الواقع، وبعد أسبوع واحد من إعلانه أنّ «ما من شيء يمكن أن تفعله كندا أو المكسيك لتجنّب الرسوم الجمركية التي يعتزم فرضها» عليهما، اتخذ الرئيس الأميركي «خطوة إلى الخلف»، بعدما كان يقف على حافة حرب تجارية مع كبار الشركاء التجاريين للولايات المتحدة، معلناً إرجاء فرض رسوم جمركية بنسبة 25% على كل من البلدين المذكورين، لمدة شهر، علماً أنّ هذه هي المرة الثانية، خلال أسبوعين، التي يؤجّل فيها اتخاذ الخطوة. وبذلك، يكون ساكن البيت الأبيض، الذي اتخذ قراره عقب محادثات هاتفية منفصلة مع كلٍّ من رئيسة المكسيك ورئيس وزراء كندا، قد تجنّب صدمة اقتصادية كان من المتوقع أن تتسبّب بركود لدى جارتَي الولايات المتحدة، وببطء في النمو وزيادة في التضحم لدى الأخيرة.
وطبقاً لتقرير نشرته شبكة «سي إن إن»، فإنّ ترامب أوقف حربه التجارية المزعومة على جبهتين، «مدّعياً أنّه حقق انتصارين كبيرين، وانتزع تنازلات كبيرة». على أنّ الحجة الأكثر إقناعاً، بحسب التقرير، هي أنّ الرئيس الأميركي هو من تراجع، عملياً، عن المعركة التي كان من المحتمل أن تسبّب «ألماً اقتصادياً شديداً» لبلاده. وينوّه التقرير إلى أنّ ترامب تمكّن من تحقيق بعض النتائج؛ إذ أعلن، مثلاً، أنّ كندا ستنفذ خطة لحماية الحدود بتكلفة 1.3 مليار دولار، وتعيّن «قيصراً للفنتانيل»، جنباً إلى جنب إنشاء «قوة ضاربة مشتركة مع الولايات المتحدة لمكافحة الجريمة المنظّمة والمخدِّرات»، فيما كانت الرئيسة المكسيكية، كلوديا شينباوم، أول من حصل على تمديد للإعفاء من التعريفات الجديدة، بعدما وعدت بتسريع إرسال 10 آلاف جندي من الحرس الوطني إلى الحدود لمنع تدفق الفنتانيل وغيرها من المواد إلى الولايات المتحدة.
على أنّ ما توصلت إليه البلدان المعنية لا يبدو مستجدّاً إلى حدّ كبير، ولا يعكس «استسلاماً من جانب كندا والمكسيك»، نظراً إلى أنّ الخطوات المشار إليها كانت مقترحة منذ وقت سابق. وبالنسبة إلى الكنديين، فإن تكلفة استراتيجية الحدود الجديدة أقلّ بكثير من تداعيات الحرب التجارية، علماً أنّهم عرضوا البرنامج، الذي وعدوا بتطبيقه أخيراً، منذ كانون الأول، واكتفوا هذه المرة بإضافة «القيصر» إليه. من جهتها، كانت المكسيك قد أرسلت، في نيسان 2021، 10 آلاف جندي إلى الحدود بطلب من الرئيس السابق، جو بايدن، من دون أن تكون هناك حاجة إلى التلويح برسوم جمركية مرتفعة ضدها.
الصين
على الضفة المقابلة، لا تزال الخطط حول فرض رسوم جمركية بقيمة 10% على الصين سارية المفعول، على الرغم من تحذير العديد من المراقبين من أنّ تراجع ترامب عن تهديداته إزاء كندا والمكسيك قد يبعث برسالة إلى بكين مفادها بأنّه قد يقبل بأيّ صفقة تبدو ظاهرياً على أنها «اختراق»، حتى لو كانت، في عمقها، غير مؤثرة إلى حدّ كبير. وكردٍّ على الممارسات الأميركية، أعلنت الصين فرض رسوم جمركية على مجموعة من الواردات الأميركية، وفتحت تحقيقاً لمكافحة الاحتكار في «غوغل». وتتراوح الرسوم التي فرضتها بكين ما بين 10 و15 في المئة على الغاز الطبيعي المسال والفحم والنفط الخام والمعدّات الزراعية الأميركية، على أن تدخل حيّز التنفيذ في العاشر من الجاري. كما ستفرض الصين رسوماً جمركية على بعض واردات السيارات من الولايات المتحدة وضوابط تصدير إضافية على المعادن النادرة. وفي الأيام المقبلة، من المتوقع أن يتحدث ترامب إلى الرئيس الصيني شي جين بينغ، بهدف التوصل إلى اتفاق لتجنّب حرب تجارية شاملة بين أكبر اقتصادَين في العالم.
«السياج»
وفي وقت يعلي فيه ترامب «السياج» حول تجارة بلاده مع سائر الدول، فإنّ الأخيرة تعمد، بشكل متزايد، إلى «خفض سياجها»، بحسب ما تورده صحيفة «نيويورك تايمز»، مشيرةً إلى أنّه تزامناً مع افتتاح ترامب لـ»حربه التجارية»، كان عدد متزايد من الدول، بما فيها أقرب حلفاء واشنطن، تصيغ شراكاتها الاقتصادية الخاصة من دون الولايات المتحدة، نظراً إلى أنّ معاقبة الرئيس الأميركي للحلفاء القدامى تشجع الدول الأخرى على «تشكيل كتل وشبكات تجارية تستبعدها». وعلى سبيل المثال، في الشهرين الماضيين فقط، أبرم الاتحاد الأوروبي ثلاث صفقات تجارية جديدة. كما أنه في الشهر الفائت، أصبحت إندونيسيا عاشر دولة تنضمّ إلى مجموعة «البريكس»، التي تمثّل نصف سكان العالم وأكثر من 40 في المئة من إجمالي ناتجه الاقتصادي، فيما ثمانية بلدان أخرى، من بينها أوغندا وبوليفيا وتايلند وكازاخستان، في طريقها إلى أن تصبح شركاء كاملين في التكتل. كذلك، ستلتقي في أيار، «رابطة دول جنوب شرق آسيا» المكوّنة من 10 دول، والمعروفة باسم «آسيان»، بالدول الست التي تشكّل «مجلس التعاون الخليجي» في الشرق الأوسط، علماً أنّ ماليزيا، التي تستضيف القمّة، وجّهت دعوة إلى الصين للحضور.

