
بعد 15 شهراً من حرب الإبادة التي شنّها جيش الاحتلال الإسرائيلي على أهالي قطاع غزة وتدمير كل ما فيه، تعهّد الرئيس الأميركي دونالد ترامب بأن «تستولي» الولايات المتحدة على القطاع و«تتملّكه». هكذا ضمّ ترامب، الذي سبق أن هدّد غرينلاند وبنما واقترح أن تصبح كندا الولاية الرقم 51، غزة إلى أجندته التوسعية، مدّعياً بأنها قد تصبح «ريفييرا الشرق الأوسط». ولم يستبعد إرسال قوات عسكرية أميركية لتحقيق ذلك.
وقال الرئيس الأميركي في مؤتمر صحافي مع رئيس وزراء العدو بنيامين نتنياهو في البيت الأبيض، إن «كل من تحدّثت إليهم يحبون فكرة امتلاك الولايات المتحدة لتلك القطعة من الأرض». وفيما لم تُعرف هوية من تحدّث إليهم ترامب، لكن لا شك في أنهم شجّعوه على نسف ما تبقّى من القانون الدولي وتجاهل أبسط القواعد التي تحكم العلاقات الدولية، وتؤمّن الحد الأدنى من الاستقرار العالمي. فماذا يعني استملاك الولايات المتحدة قطاع غزّة بالقوة بعد 15 شهراً من الإبادة الجماعية والدمار الشامل؟ وماذا يعني أن يعلن الرئيس الأميركي أنه يمتلك أرضاً ينصّ القانون الدولي على أنها جزء من دولة فلسطين التي اعترفت بها الجمعية العامة للأمم المتحدة قانونياً عام 2024 (بعد تصويت 147 من أصل 193 دولة على قبول دولة فلسطين)؟
عندما سُئل ترامب عن السلطة التي تسمح للولايات المتحدة بالقيام بذلك، لم تكن لديه إجابة. وأشار فقط إلى أنه سيكون «موقف ملكية طويل الأمد». فماذا يقول القانون الدولي؟
منذ نهاية الحرب العالمية الثانية عام 1945 وإنشاء الأمم المتحدة، تمّ حظر استخدام القوة في القانون الدولي. ولا يمكن للولايات المتحدة السيطرة على غزة إلا بموافقة السلطة القانونية السيادية عليها. كما لا يمكن لإسرائيل التنازل عن غزة للولايات المتحدة لأن محكمة العدل الدولية حسمت، في تموز 2024، بأن غزة أرض محتلة، وأن هذا الاحتلال غير قانوني بموجب القانون الدولي. وتحظر المادة 49 من اتفاقيات جنيف على القوة المحتلة نقل أو إبعاد الأشخاص قسراً من أي منطقة.
ولا بد من التذكير بأن كل الدول ملزمة قانونياً بعدم مساعدة القوة المحتلة في انتهاك القانون الإنساني الدولي. ما يعني أنه إذا أرادت الولايات المتحدة نقل سكان غزة بالقوة، فلا يجوز قانوناً لأي دولة المساعدة في هذا الإجراء.
تساءل ترامب كيف يمكن للناس «أن يرغبوا في البقاء» في غزة، مشيراً إلى أنه «ليس لديهم بديل» سوى المغادرة. لكنّ إبعاد الأشخاص لهذا السبب يستدعي، بحسب القانون الدولي، أن يكون مؤقتاً وأن تتوافر ضمانات وتسهيلات للعودة. أما مغادرة الناس طواعية فتستدعي موافقة جميع الفلسطينيين في غزة. ولا تستطيع الولايات المتحدة أن تجبر أحداً على الانتقال إذا لم يكن راغباً في ذلك. كما لا تستطيع حكومة، مثل السلطة الفلسطينية، أن تدّعي موافقة الغزاويين نيابة عنهم لأن لديهم الحق، بحسب القانون الدولي، في تقرير المصير وتحديد مستقبلهم.
ولا يجوز قانونياً تهديد الغزاويين بالقوة لدفعهم إلى مغادرة أرضهم، حتى لو بدا التهديد وكأنه تسليم بأمر واقع. مثلاً لا يجيز القانون الدولي تهديد الفلسطينيين من خلال القول لهم: «إذا بقيتم، فستموتون لأن الحرب لن تنتهي إلا بمزيد من العنف. ولكن إذا غادرتم، فقد يسود السلام»، لأن ذلك يُعدّ تهديداً بالقوة. كما أن إجبار الناس على المغادرة يمكن أن يُعد نوعاً من أنواع التطهير العرقي. فالتطهير العرقي هو «جعل منطقة متجانسة عرقياً باستخدام القوة أو الترهيب لإزالة أشخاص من مجموعات معينة من المنطقة» (تقرير لجنة الخبراء بشأن دولة يوغوسلافيا السابقة – مجلس الأمن الدولي 1994).
وبالتالي يمكن تصنيف دعوة ترامب لنقل الشعب الفلسطيني من منطقة جغرافية معينة بالقوة أو من خلال الترهيب على أنه تطهير عرقي. ولا شك في أن تهجير الغزاويين بالقوة يُعدّ انتهاكاً لما يُعرف بالقواعد الآمرة (Jus Cogens) وهي القواعد الأساسية التي يستند إليها القانون الدولي الذي يدعو كل الدول للقيام بما يلزم لوقف أو لمنع أي انتهاكات محتملة. وقد يشمل ذلك فرض عقوبات أو اتخاذ إجراءات تتعلق بالعلاقات الدبلوماسية والتجارية.
وبما أن الرئيس الأميركي يحرّض على النقل القسري لسكان غزة فهو يتحمّل قسطاً من المسؤولية الجنائية الشخصية.

