رفض جماعي لخطط الرئيس الأميركي

بعدما كثُرت التوقعات حول آلية مقاربة الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، المحتملة بشأن قطاع غزة، إثر تصريحات عبّر فيها عن رغبته في استضافة الأردن ومصر للغزيّين - على رغم رفض البلدين المعلن لذلك -، وضع ترامب، خلال مؤتمر صحافي مع رئيس وزراء الاحتلال، بنيامين نتنياهو، ليل الثلاثاء - الأربعاء، محدّدات جديدة لتلك المقاربة من دون التطرق إلى مزيد من التفاصيل، ومفادها تهجير الغزّيين، ومن ثم «السيطرة» على القطاع الذي وصفه بأنه «ورشة هدم»، ثم تحويله إلى «ريفييرا الشرق الأوسط».
وإذ بدت خطته هذه «طموحة جداً» في ظلّ تمسك الفلسطينيين بأرضهم، فهي تُعدّ «انقلاباً تاريخياً» على مشروع «حلّ الدولتين» نفسه الذي تنادي به الولايات المتحدة تحت ظلّ «النظام الدولي»، والذي يمنّي قادة الدول العربية المطبّعة، أو السائرون على درب التطبيع، أنفسهم بتحقيقه. كما فتحت الخطة العتيدة الباب أمام تكهّنات بإمكانية لحظ تغييرات في مسار «الانبطاح» العربي والغربي تجاه الولايات المتحدة؛ إذ سرعان ما أثارت تصريحات ترامب استهجاناً دولياً واسعاً وصدمة عارمة لدى دول ومنظمات إقليمية ودولية كثيرة، الأمر الذي جعل وزير الخارجية الأميركي، ماركو روبيو، يوضح أن اقتراح ترامب يقضي بخروج الفلسطينيين من القطاع «مؤقتاً» ريثما تجري إعادة إعماره.
ورغم فارق التوقيت، لم تنتظر السعودية حتى ساعات الصباح حتى تحدّد موقفها بشأن تصريحات ترامب؛ إذ نشرت المملكة بياناً، فجر الأربعاء، أكّدت فيه رفضها «تهجير الشعب الفلسطيني من أرضه»، مضيفة أنها «لن تتوقف عن عملها الدؤوب في سبيل قيام دولة فلسطينية مستقلة عاصمتها القدس الشرقية». وفي الوقت نفسه، قالت إنّها «لن تقيم علاقات دبلوماسية مع إسرائيل من دون ذلك»، معتبرةً أن موقفها من تأسيس دولة فلسطينية «راسخ وثابت ولا يتزعزع»، وذلك رداً على قول ترامب إن السعودية لم تطالب بـ«حل الدولتين وتأسيس دولة فلسطينية مقابل تطبيعها العلاقات» مع الكيان.
ومن بين الدول العربية التي تجمعها بالفعل علاقات تطبيعية مع الكيان، أكّد الأردن على لسان ملكه، عبدالله الثاني، قبيل توجّه الأخير إلى واشنطن، وخلال استقباله رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس، في عمّان، على «حل الدولتين، بما يفضي إلى قيام الدولة الفلسطينية»، وعلى «وقف إجراءات الاستيطان، ورفض أيّ محاولات لضم الأراضي وتهجير الفلسطينيين في غزة والضفة الغربية»، مشدّداً على «ضرورة تثبيت الفلسطينيين على أرضهم». وبدورها، أصدرت وزارة الخارجية الإماراتية بياناً أعلنت فيه رفض أبو ظبي «القاطع للمساس بالحقوق غير القابلة للتصرف للشعب الفلسطيني ومحاولة تهجيره»، ودعت إلى «وقف الأنشطة الاستيطانية التي تهدد الاستقرار الإقليمي وتقوّض فرص السلام والتعايش».
لم تنتظر السعودية حتى ساعات الصباح حتى تحدّد موقفها بشأن تصريحات ترامب
أما «الجامعة العربية» فأكّدت أن طرح ترامب «ينطوي على ترويج لسيناريو تهجير الفلسطينيين المرفوض عربياً ودولياً، والمخالف للقانون الدولي»، مضيفة أن «هذا الطرح يُمثّل وصفة لانعدام الاستقرار ولا يُسهم في تحقيق حلّ الدولتين الذي يُمثّل السبيل الوحيد لإحلال السلام والأمن بين الفلسطينيين والإسرائيليين، وفي المنطقة» بأسرها. ومن جهته، حذّر الأمين العام لـ«الأمم المتحدة»، أنطونيو غوتيريش، من أيّ محاولة لإجراء «تطهير عرقي» في غزة، وفق المتحدّث باسمه ستيفان دوجاريك، وهو سيشدد، بحسب الأخير، في خطاب من المقرر أن يلقيه الأربعاء أمام لجنة الأمم المتحدة المعنية بممارسة الشعب الفلسطيني لحقوقه غير القابلة للتصرف، على أنّه «في البحث عن حلول يجب ألا نفاقم المشكلة».
أوروبياً، كان الموقف الفرنسي لافتاً؛ إذ أكدت الناطقة باسم الحكومة الفرنسية، صوفي بريما، أن «فرنسا تعارض تماماً تهجير السكان»، معتبرة أن تصريحات ترامب «تهدّد الاستقرار وعملية السلام». وبالمثل، أكّدت ألمانيا أنّ قطاع غزة «ملك للفلسطينيين»، فيما شدّد رئيس الوزراء البريطاني، كير ستارمر، على ضرورة تمكين الفلسطينيين ثم «العودة إلى ديارهم (...) وإعادة البناء، وينبغي لنا أن نكون معهم في مسار الإعمار حول حل الدولتين». وعلى المنوال نفسه، قال وزير الخارجية الإيطالي، أنتونيو تاجاني، «(إننا) نؤيد حلّ الدولتين، لسنا مستعدين حتى لإرسال جنود إيطاليين لإعادة توحيد قطاع غزة والضفة الغربية». وبدوره، قال وزير الخارجية الإسباني، خوسيه مانويل ألباريس، إن «غزة أرض لفلسطينيين يجب أن يبقوا في غزة التي تشكل جزءاً من الدولة الفلسطينية المستقبلية التي تدعمها إسبانيا والتي يجب أن تعيش وتتعايش مع ضمان أمن وازدهار دولة إسرائيل». وفي تركيا، اعتبر وزير الخارجية، حاقان فيدان، أن مشروع ترامب «غير مقبول»، مشيراً إلى أن «طرد (الفلسطينيين) من غزة أمر لا يمكننا نحن القبول به ولا يمكن لدول المنطقة القبول به، ولا حاجة حتّى إلى مناقشته».
من جهتها، جدّدت الصين على لسان الناطق باسم خارجيتها، لين جيان، القول إنها «أكّدت دائماً أنّ الحكم الفلسطيني للفلسطينيين هو المبدأ الأساسي لحكم غزة بعد الحرب، ونحن نعارض الترحيل القسري لسكان غزة»، فيما قال المتحدث باسم الكرملين، دميتري بيسكوف، «(إننا) سمعنا تصريحاً لترامب لكننا سمعنا أيضاً تصريحات من عمّان والقاهرة مفادها أنّ هناك رفضاً لمثل هذه الفكرة»، مضيفاً أنّ «أيّ تسوية في الشرق الأوسط لا يمكن أن تحصل إلا على أساس دولتين. نعتقد بأنّ هذا الخيار هو الوحيد الممكن».
كما جدّدت إيران رفضها تهجير الغزيين، عبر بيان لخارجيتها، قالت فيه إن «خطة ترحيل الفلسطينيين قسراً من غزة إلى الدول المجاورة تمثل استمراراً للمخطط الإسرائيلي»، وهي خطة «مرفوضة ومستنكرة بسبب تعارضها مع مبادئ وقواعد القانون الدولي وحقوق الإنسان».
ومن القارة اللاتينية، قال الرئيس البرازيلي، لويس إيناسيو لولا دا سيلفا، إنّه يعود «إلى الفلسطينيين أن يهتموا بغزة»، معتبراً أن طرح ترامب «غير مفهوم».

