عرب أميركا محزونون: ما هكذا وعدَنا ترامب
لا ينفكّ دونالد ترامب، منذ تنصيبه رئيساً للولايات المتحدة، في إبهار العالم بالصورة التي يريدها عن "أميركا الجديدة"، حتى أولئك ممَّن يفترض أنهم في دائرة "الحلفاء التقليديين" لواشنطن؛ إذ تتوالى تصريحات هؤلاء بالتنديد بمواقف الوافد الجديد إلى البيت الأبيض، بد


لا ينفكّ دونالد ترامب، منذ تنصيبه رئيساً للولايات المتحدة، في إبهار العالم بالصورة التي يريدها عن "أميركا الجديدة"، حتى أولئك ممَّن يفترض أنهم في دائرة "الحلفاء التقليديين" لواشنطن؛ إذ تتوالى تصريحات هؤلاء بالتنديد بمواقف الوافد الجديد إلى البيت الأبيض، بدءاً بدعوته إلى ضمّ كندا، وليس انتهاءً بما اقترحه أخيراً في شأن تهجير فلسطينيي غزة وتوطينهم في أماكن أخرى. ولا يزال نهج الحُكم الأميركي الجديد حيال القطاع الفلسطيني المحاصَر، يسجّل، مع كل إشراقة شمس، استنكاراً من جانب دول عربية وغربية عدّة، وقد وصلت أصداؤه إلى داخل الولايات المتحدة، مع ملامسة نسبة المعترضين من الأميركيين على ما اصطلح على تسميته "خطّة ترامب للسيطرة على غزة"، عتبة الـ 47%، وسط نسبة تأييد لا تتجاوز الـ 13%.
مؤيدون لترامب في "خندق المعارضة" لضمّ غزة
وإذ لا يشكّل مزاج الجالية العربية في الولايات المتحدة استثناءً لجهة رفض نهج ترامب، أشارت صحيفة "ذا غارديان" إلى أنّ العديد من أبناء تلك الجالية بدأوا يغيّرون نظرتهم إلى الرئيس الحالي، ربطاً برؤيته لمستقبل غزة، بما في ذلك تجمّعات انتخابية أيّدته في الاستحقاق الرئاسي، كمجموعة "عرب أميركيون من أجل ترامب"، والتي اعتمدت تسمية جديدة هي "عرب أميركيون من أجل السلام".
كما سلّطت الصحيفة البريطانية الضوء على توسّع موجة الامتعاض من "خطة ترامب"، والتي لم تَعُد تقتصر على ناشطين سياسيين ومنظمات مجتمع مدني في الولايات المتحدة، كرئيس "المعهد العربي الأميركي" جيمس زغبي، وليلى العبد أحد مؤسسي "حركة غير ملتزم"، بل تعدّتهم لتشمل مشرّعين أميركيين، سواء على المستوى الاتحادي، كالنائبة عن الحزب الديموقراطي، رشيدة طليب، التي اتهمت الديموقراطيين والجمهوريين بالتواطؤ ضدّ الفلسطينيين، أو على مستوى الولايات، كالنائبة عن ولاية جورجيا، رؤى رمان، التي أكدت أنه "لن يتمكن أيّ فاشيٍّ هنا أو في الخارج من محو الفلسطينيين". ونقلت الصحيفة عن ناشطين حقوقيين عرب، قولهم إنّ خطة ترامب حول غزة "تبعث على الشعور بالغضب والحزن والخوف على المجتمعات الفلسطينية"، مذكّرة بأن الرئيس الأميركي استفاد انتخابيّاً من استياء أبناء الجالية العربية والإسلامية من سياسات الرئيس الأميركي السابق، جو بايدن، في الأراضي الفلسطينية المحتلة.
بين التفاؤل والتشاؤم: عرب أميركا منقسمون
وفي سياق متصل، لفتت صحيفة "واشنطن بوست" إلى تفاوت الآراء في صفوف أبناء الجالية العربية والإسلامية، موضحة أن بعضهم "يلتمس لترامب الأعذار في إطلاق ذلك النوع من التصريحات حول الفلسطينيين والصراع في غزة، على اعتبار أنها مجرد حيلة تفاوضية، سيتراجع عنها" في وقت لاحق، فيما يرى آخرون أن الرئيس الأميركي "خدع مناصريه الجدد من العرب الأميركيين، حين أغراهم بضمانات لتحقيق السلام واحترام الفلسطينيين، فيما يكتفي بالقيام حصراً بما يصبّ في مصلحة إسرائيل".
ومع ذلك، فإن نسبة وازنة من العرب الأميركيين "ما زالوا ينسبون الفضل إلى ترامب بشكل تام في التوصّل إلى اتفاق لوقف إطلاق النار (في غزة ولبنان)، ويحدوهم الاعتقاد بأن انتخابه عجّل في بدء مسار (التهدئة هناك)"، بحسب الصحيفة، التي كشفت أن زعماء الجالية العربية في الولايات المتحدة، ممَّن سبق لهم أن اجتمعوا بفريق الحملة الانتخابية لترامب، "يعملون على تعزيز القواسم المشتركة في ما بينهم وبين الإدارة الأميركية الجديدة بقدر ما يستطيعون، على أمل أن تأخذ تلك الإدارة تحذيراتهم على محمل الجدّ".
وفي هذا الصدد، أوردت "واشنطن بوست" عيّنة من آراء أبناء تلك الجالية، ومن بينهم علي حمود، وهو أحد الديموقراطيين المخضرمين الذين ساعدوا ترامب في الفوز بأصوات مدينة ديربورن، ذات الأغلبية العربية الأميركية، والواقعة في ولاية ميشيغان. وفي حديثه إلى الصحيفة، أعرب حمود عن خيبة أمله ممّا جاء على لسان ترامب، معتبراً أن الرئيس الأميركي الجديد يريد أن يجعل من غزة "ريفييرا الشرق الأوسط"، وأن يطرد أهلها من الفلسطينيين، عوضاً عن مساعدتهم وتمكينهم من البقاء في القطاع. واستدرك بأنّه غير نادم على التصويت لترامب في انتخابات الرئاسة، قائلاً: "ما زلت أحبه. بشكل أو بآخر، هو خيار جيد على مستوى سياساته الداخلية، ولكنه خيار بالغ السوء بالنسبة إلى القضايا السياسية (الخارجية) المتعلّقة بالشرق الأوسط".
خطة ترامب حول غزة "تبعث على الشعور بالغضب والحزن والخوف على المجتمعات الفلسطينية"
من جهته، لفت سام هاشم، الذي لطالما أيّد المرشحين الديموقراطيين في الانتخابات، قبل أن ينقم عليهم ويصوّت لمصلحة الجمهوريين في انتخابات 2024، إلى عدم شعوره بالارتياح حيال منحه صوته لترامب، بعد ما صرّح به الأخير حول تهجير الفلسطينيين، وقال: "أنا لا أحبه. فقد خاطب الجمهور بشكل لطيف قبل أن يدخل (البيت الأبيض). قال الجميع إنه رجل يصنع السلام، ولا يسعى خلف المزيد من الحروب والمشاكل، لكنه كاذب".
أما فاي نمر، وهي من الناشطين السابقين في صفوف "الديموقراطي"، وتحوّلت لتأييد المرشح الجمهوري في الانتخابات الرئاسية الأخيرة، فأشارت إلى أنّ سياسات ترامب الشرق أوسطية ليست متوافقة مع "وعوده بتحقيق السلام وحفظ كرامة" شعوب المنطقة في فترة ما قبل الانتخابات الرئاسية. وتابعت الرئيسة التنفيذية لـ"غرفة التجارة الأميركية في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا"، وهي مجموعة أعمال مقرّها ديربورن تسعى إلى تعزيز التعاون بين منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا والولايات المتحدة، ولعبت دوراً مساعداً في تنظيم اجتماعات بين قادة المجتمع العربي المسلم داخل الولايات المتحدة وأعضاء حملة المرشحين الرئاسيين، أن كلام ترامب هو "أشبه بالمطالبة بتهجير 2.9 مليون شخص من سكان العاصمة الأوكرانية، كييف، لمجرد وقوع دمار فيها، أو إبلاغ ضحايا إعصار كاترينا من مواطنينا الأميركيين بعدم إمكانية عودتهم إلى أماكن سكنهم بسبب تدمير المنازل، والبنى التحتية، جرّاء الإعصار"، معربةً عن اعتقادها بإمكانية أن يتراجع ترامب عن هذا الاقتراح.
وأملت نمر أن تتجنّب الإدارة الأميركية الحالية "تقويض الزخم الذي أرسته" في علاقاتها مع الأميركيين العرب، مبيّنةً أنّ "النقطة التي قد نختلف عليها معها تتمحور حول ماهيّة رؤيتها للسلام في الشرق الأوسط، ذلك أنّ رؤية جاليتنا للسلام تقوم على عدم وجود سبيل للسلام ما لم تكن هناك دولة فلسطينية ذات سيادة".
بدوره، أعرب ألبرت عباس، الذي سبق أن استضاف ترامب في ديربورن في تشرين الثاني الماضي في مطعمه، عن شعوره بالصدمة من رؤية رئيسه يتلقّى بكل سرور جهاز "بيجر" ذهبياً أهداه إيّاه بنيامين نتنياهو لدى زيارته واشنطن، معتبراً أنّ "قبول ترامب مثل هذه الهدية أمر ينمّ عن افتقاده الحسّ الإنساني السليم". واستدرك بأن الرئيس الأميركي "لا تزال لديه فرصة لتغيير المسار والحؤول دون خسارته تأييد الأميركيين العرب في ميشيغان"، مذكّراً بأن هؤلاء كانوا يعتقدون بأن ترامب هو "الوحيد" الذي سيقف في وجه إسرائيل ونفوذ منظمة "آيباك". ورأى أنّ "مستقبل الانتخابات الأميركية، سواء انتخابات التجديد النصفي للكونغرس، أو الانتخابات الرئاسية، سيعتمد بشكل كبير على الخطوات المقبلة التي يتخذها ترامب في ما يتعلّق بالسياسة الخارجية في غزة ولبنان".
